إعلان

هل تستطيع كييف تحدي بايدن وميركل حول نورد ستريم 2؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
وزيرا الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والأوكراني دميتري كوليبا يتبالان التحية قبل اجتماعهما في كييف، 6 أيار 2021 - "أ ب"
وزيرا الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والأوكراني دميتري كوليبا يتبالان التحية قبل اجتماعهما في كييف، 6 أيار 2021 - "أ ب"
A+ A-

يبدو أنّ قضية "نورد ستريم 2" لن تنتهي في أي وقت قريب. الجدل الذي أثاره مشروع استجرار الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر تفادي دول أوروبية وفي طليعتها أوكرانيا وبولونيا سيتصاعد مع تراجع إدارة بايدن عن موقفها تجاه الموضوع. تفادت واشنطن إثارة استياء المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من فرض عقوبات على الشركة الأساسية التي تدير المشروع، فقبلت بالتراجع عن هذه الخطوة. في كلّ الجوانب التي يمكن من خلالها مقاربة السياسة الأميركية ذات الصلة، تبدو ألمانيا فائزة. قلّة تدرك ما الذي كسبته الولايات المتحدة من اتفاقها الأخير مع ألمانيا. ولا يبدو أنّ ما تنشره الصحف ومراكز الرأي، أو على الأقل معظمها، يتضمّن أي إظهار لمكسب أميركي مباشر.

بالطبع يمكن الإشارة إلى أنّ واشنطن استطاعت جذب برلين إلى صفها في التنافس الجيو-استراتيجي مع بيجينغ. هذا في الخطوط العامة. أما على الصعيد العملي فلا شيء ملموساً. في الأساس، كان من المفترض ألّا يبذل الأميركيون جهداً كبيراً لإقناع نظرائهم الألمان بالاصطفاف إلى جانب حلفائهم الغربيين التقليديين في مواجهة سطوع نجم الصينيين. لكنّ سلوك ألمانيا وعلاقاتها الدولية تظهر أنّ برلين لم تعد منتمية إلى المعسكر الأميركي، حتى ولو أنها لم تنضم إلى المعسكر الشرقي. فالصين باتت الشريك التجاري الأول لألمانيا منذ خمس سنوات، ومن غير الواضح ما إذا كانت بيجينغ على استعداد لتغيير هذا الواقع من أجل عاصمة لم تعد مستقرة سياسياً كما كانت عليه الحال في الماضي، وفقاً للنظرة الألمانية. وتخشى برلين حالياً إمكانية عودة ترامب أو أي جمهوري يشبهه، إلى البيت الأبيض في 2024.

 

رؤية ألمانية تعود إلى الحرب الباردة

ليس تقلّب الولايات المتحدة العنصر الوحيد في السياسات الألمانية الجديدة، أو بالأحرى القديمة-الجديدة. لطالما صاغت ألمانيا سياسات انفتاحية مع الشرق حتى في ذروة الحرب الباردة، وقد عُرفت تلك السياسات بالـ"أوستبوليتيك" بقيادة المستشار الألماني الأسبق فيلي برانت. ومن بين أبرز ثمار تلك السياسات مشروع استجرار الغاز السيبيري إلى ألمانيا الغربية. لقد تفوّقت برلين على واشنطن في الاتفاق حول "نورد ستريم 2" إلى درجة أنها لم تقبل بمقترح شبيه بـ"آلية الزناد" الذي يقضي بوقف تشغيل خط أنابيب الغاز في حال انتهكت روسيا حقوق أوكرانيا كدولة ترانزيت.

تؤكد ألمانيا أنّها ستدافع عن حق أوكرانيا، لكنّ آلية هذا الدفاع غير واضحة. من جهة أخرى، رأى البعض أنّ ميركل اتّبعت سياسة سينيكية في هذا الملفّ بعدما تأخرت في الانفتاح على بايدن لأنّها تعلم أنّ مرور الوقت كان سيضع برلين في موقع أفضل بكثير من واشنطن. بهذا المعنى، كلّما مرّت الأسابيع، أصبح "نورد ستريم 2" ورقة تفاوضية أقوى بيد ألمانيا، خصوصاً أنّ ذلك تزامن مع ترسّخ القرار الأميركي بوضع الصين كمنافس أول للولايات المتحدة. لكنّ الأخيرة قد تخسر أيضاً بعضاً من نفوذها الاستراتيجي في أوروبا لصالح روسيا إذا تمكّنت الأخيرة من ممارسة تأثير مضاعف على أوروبا عبر جعل القارة معتمدة على الطاقة الروسية.

 

"هستيريا"

لم يلقَ قرار بايدن في إعفاء الشركة المشغّلة للمشروع من العقوبات انتقادات من جميع الأطياف الأميركية. أشاد الصحافي والناشر الأميركي روبرت ميري بخطوة بايدن معتبراً إياها عقلانية في مواجهة "الهستيريا" التي تظهرها "المؤسسة" الأميركية تجاه روسيا. وكتب في مجلة "كونسيرفاتيف ريفيو" أنّ ألمانيا حليف أطلسيّ يحقّ له، كما لروسيا، أن يتّفقا على العقود التجارية التي تناسبهما. علاوة على ذلك، يرى ميري أنّ هنالك مبالغة في تقدير القوة الروسية إذ إنّ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 512 مليون نسمة مقابل 145 مليون لروسيا، وناتجه القومي يصل إلى 18 تريليون دولار مقابل 1.6 تريليون لروسيا.

لكنّ ما لم يذكره الكاتب هو قدرة روسيا على قطع الطاقة إلى أوروبا في ذروة الحاجة إليها كما حدث في السابق، وأنّ ألمانيا، الحليف الأطلسيّ، لا تلتزم بمقررات الحلف في 2014 ببذل جهد لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% بحلول 2024. هذا من دون ذكر أنّ السياسات الألمانية لا تساهم في الحفاظ على اتحاد أوروبي متناغم في سياسته الخارجية. لكن على أي حال، تبقى الأصوات المؤيدة لقرار بايدن قليلة في أوساط المراقبين الأميركيين عموماً وفي أوساط السياسيين خصوصاً. على العكس من ذلك، يبدو أنّ معارضة مشروع "نورد ستريم 2" من القضايا القليلة التي تملك توافقاً كبيراً بين الجمهوريين والديموقراطيين.

 

اتفاق مبهم... أين أوكرانيا؟

أعربت ماريا شاغينا، وهي باحثة ما بعد دكتوراه في "مركز الدراسات الأوروبية الشرقية" التابع لجامعة زيورخ، عن اعتقادها بأن الاتفاق بعيد من أن يكون قد أُنجِز. فلكي يصبح عبارة عن تسوية كبرى، كتبت شاغينا في صحيفة "موسكو تايمز"، لا يزال بحاجة إلى موافقة أوكرانيا، غير أنّ الأخيرة ليست مقتعنة بما تعتبره الولايات المتحدة وألمانيا ضمانات أمنية لها. وأضافت أنّ الاتفاق بين برلين وواشنطن فشل في مصالحة الانقسام بين المنظورين الأمنيين الأميركي والألماني وقد أتى مليئاً بالصيغ الغامضة وبدون آليات تنفيذية.

سأل "النهار العربي" شاغينا عمّا يمكن لأوكرانيا فعله وسط ما يشبه "العزلة" التي تعيشها، خصوصاً أنّ ألمانيا مصمّمة على استكمال مشروعها التجاريّ مع روسيا، والولايات المتحدة حريصة على إرضاء ألمانيا. لا تستطيع كييف فعل الكثير في هذا الإطار بحسب شاغينا، وهي أيضاً عضو في "شبكة جنيف للعقوبات الدولية". "خيارات أوكرانيا لوقف خط الأنابيب محدودة. لا تزال كييف تأمل أن تفرض المعارضة في الكونغرس ضغطاً على إدارة بايدن لفرض عقوبات جديدة أو إلغاء الإعفاءات الحالية".

وتضيف شاغينا أنّ أوكرانيا تتحول بطريقة تدريجية نحو أدوات السوق. هي "تسعى إلى التطبيق الصارم لحزمة الطاقة الثالثة حول خط أنابيب ‘نورد ستريم 2‘ (تفكيك الملكية ووصول طرف ثالث للاستثمار) وتريد تحدي احتكار روسيا لتدفق الغاز من آسيا الوسطى". وترى شاغينا في ختام إجابتها على سؤال "النهار العربي" أنّ خيبة أمل كييف من موقف الحكومة الألمانية، دفع المسؤولين الأوكرانيين إلى التواصل مع المفوضية الأوروبية بشكل مباشر، بواسطة دعم بولونيا.

 

ما الذي قاله وزير خارجيتها؟

مع ذلك، قد لا يكون اللجوء إلى المفوّضية الأوروبية التي يصفها البعض بأنها "حارسة المعاهدات" مجرّد خطوة رمزية. فبإمكان الأخيرة تقديم دعوى أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، وقد أعطت تلك المحكمة تفسيراً موسّعاً لمبدأ التضامن الأوروبي بشأن توفير الطاقة إثر خلاف بين ألمانيا وبولونيا. لكنّ ديبلوماسيّين أوروبيين، وعلى الرغم من تأييدهم للخطوة الأوكرانية، لم يستبعدوا أن تكون كييف قد تأخّرت في اللجوء إليها.

قد تستطيع كييف تحدّي ألمانيا والولايات المتحدة في مسألة "نورد ستريم 2". لكنّ نجاحها في ذلك ليس مؤكّداً. إلى جانب رهانها على الكونغرس الأميركي والمؤسسات الأوروبية، يمكن أن تراهن أيضاً على وصول حكومة ألمانية أكثر تشدداً بعد انتخابات أيلول (سبتمبر) المقبل، إذا نجح حزب "الخضر" أن يكون جزءاً من الائتلاف الحاكم. ربّما يبقى تصريح وزير الخارجية الأوكراني دميتري كوليبا والذي لفتت إليه شاغينا أفضل خلاصة للوضع الذي تمرّ به بلاده حالياً: "اللعبة لمّا تنتهِ بعد، لكنّها دخلت الوقت البدل عن ضائع".

 

الكلمات الدالة