إعلان

كيف قد تؤثّر أزمة اللقاحات على مستقبل أوروبا؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
"أ ف ب"
"أ ف ب"
A+ A-

بسبب النقص الكبير في اللقاحات المسلّمة إلى الاتّحاد الأوروبّي وسط تصاعد حدّة جائحة "كورونا"، وصلت بروكسل إلى منعطف حرج بالنسبة إلى مستقبلها السياسيّ. سلّمت الدول الأوروبّيّة قرار التفاوض مع شركات اللقاح إلى المفوّضيّة الأوروبّيّة لتجنّب تعزيز الانقسامات بين الدول الأعضاء وتزايد الشعور القوميّ. كذلك، أراد صنّاع القرار تجنّب بقاء بعض الدول الضعيفة وحيدة خلال عمليّة التفاوض. لكنّ فشل بروكسل في تأمين اللقاحات لمواطنيها بينما سبقتها بريطانيا والولايات المتّحدة إلى تلقيح شعبيهما ضدّ "كوفيد-19" سيسرّع انزلاق أوروبا نحو الوضع الذي سعت إلى تفاديه.

 

انقلاب المشهد

من المفارقات التي يمكن قراءتها حاليّاً في المشهد الغربيّ، أنّ الولايات المتحدة التي واجهت إدارتها السابقة انتقادات كثيرة لعدم تعامل رئيسها دونالد ترامب مع الجائحة بالجدّيّة الكافية، قد ترى الضوء في نهاية النفق قريباً. بالمقابل، بدأت بروكسل تصطدم بعقبات داخليّة ودوليّة بسبب بطء التلقيح، هي التي كان أداؤها أفضل بشكل عام من أداء واشنطن في مواجهة الجائحة.

 

يشير الكاتب السياسيّ في شبكة "بلومبيرغ" تايلر كوين إلى أنّ نسبة دخول الأميركيّين إلى المستشفيات بدأت بالانخفاض ويتلقى أكثر من مليون أميركيّ اللقاح يوميّاً كمعدّل عام. ومن المتوقّع أن يشعر الأميركيّون بتضاؤل حجم الجائحة في تمّوز بالتوازي مع ظهور دراسات ترجّح أنّ اللقاحين الأميركيّين اللذين يعملان على تقنية الحمض النوويّ الريبوزيّ المرسال يتمتّعان بحماية أكبر من المتحوّرات الجديدة.

 

"ليس عصير برتقال"

إلى الآن، يبدو أنّ الأزمة لا تزال في بداياتها. ليس متوقّعاً أن تتمكّن بروكسل من تغطية حاجاتها سريعاً حتى لو حلّت مشاكلها القانونيّة مع "أسترازينيكا". وأعلنت شركة صناعة الأدوية الفرنسيّة "سانوفي" أنّها ستنتج أكثر من 100 مليون جرعة من لقاح "فايزر/بايونتك" علماً أنّ إنتاج لقاحها الخاص يواجه بطئاً هو الآخر. وعلى الرغم من الإيجابيّة التي يظهرها هذا التعاون بين شركتين متنافستين، يبقى التأخير في التسليم منتظراً بما أنّ الإنتاج سيبدأ خلال فصل الصيف.

 

ثمّة أفكار في بروكسل تؤيّد إعلان حال الطوارئ لتتمكّن من السيطرة على إنتاج "أسترازينيكا" وفرض تصنيع اللقاح لصالح الأوروبّيّين. تتّهم بروكسل الشركة بأنّها تحرم مواطنيها من اللقاحات كي تحوّلها إلى بريطانيا. تنفي الشركة الاتّهام وتقول إنّ اللقاحات المخصّصة لبريطانيا تُصنّع في بريطانيا لا في بلجيكا حيث للشركة مصنع آخر. وتذكّر بأنّ العقد بين الطرفين ينصّ على "بذل الشركة قصارى جهدها" في الإنتاج.

 

من جهته، أعلن المدير التنفيذيّ للشركة باسكال سوريو أمس الجمعة أنّ عثرات إنتاجيّة كهذه أمر متوقّع، لأنّ تصنيع اللقاحات ليس بسيطاً كصناعة "عصير البرتقال".  لكنّ بروكسل لم تقتنع بالتبريرات ولهذا السبب طالبت بتفتيش مصنع تابع للمختبر في بلجيكا وتمّ حجز "بعض الوثائق والبيانات" وهي "قيد الفحص". كذلك، نشرت بروكسل نسخة منقّحة عن عقدها مع الشركة الجمعة على أمل إثبات أنّ أسترازينيكا أخلّت بالتزاماتها.

 

"خيار نووي"

حذّر أمبروز إيفانز-ريتشارد في صحيفة "ذا دايلي تيليغراف" من خطوات بروكسل، واصفاً إيّاها بـ"احتلال" شركات الأدوية وبأنّها تعبير عن "خيار نوويّ" يفسح المجال أمام وضع اليد على البيانات والملكيّة الفكريّة. وأضاف أنّ إجراء كهذا لن يعوّض النقص في التلقيح خلال وقت قصير وسيُفقد أوروبا مكانتها كمركز للتعاقد الحرّ المحميّ بالقانون. وإذا أجبر الاتّحاد الأوروبّيّ "أسترازينيكا" على تحويل لقاحاتها المصنّعة في بريطانيا إليه، فبإمكان الأخيرة منع "فالينا" و"نوفافاكس" من تحويل لقاحاتهما إلى الاتّحاد.

 

وبرزت مشكلة أخرى مع إعلان لجنة اللقاحات في ألمانيا أن لا بيانات كافية حول فاعليّة اللقاح بالنسبة إلى من هم فوق 65 من العمر، موصية بتطعيم المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 64 عاماً. رفضت "أسترازينيكا" بيان اللجنة. وانضمّ الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون إلى حملة التشكيك أمس قائلاً إنّ لقاح أسترازينيكا "غير فعّال تقريباً" لمن يتجاوزون 65 عاماً. ليس واضحاً كيف سينعكس ذلك التشكيك على رغبة الشركة في التعامل مستقبلاً مع البلدين. لكنّ الوكالة الأوروبية للأدوية أوصت الجمعة باستخدام اللقاح لجميع المواطنين الأوروبّيّين البالغين.

 

فرضت المفوّضيّة الأوروبّيّة قيوداً جديدة الجمعة أخضعت بموجبها اللقاحات المصنّعة داخل الأراضي الأوروبية لتفويض مسبق من أجل التصدير. وقال نائب الرئيس التنفيذيّ للمفوّضيّة الأوروبّيّة فلاديس دومبروفسكي إنّ "الإجراء محدود زمنياً وينطبق تحديداً على لقاحات ‘كوفيد-19‘ التي تمّت الموافقة عليها من خلال اتّفاقات شراء مسبقة". على الرغم من التطمينات، قد تعيد هذه المشاهد إلى الأذهان الارتباك الذي عانت منه أوروبا مع بداية تفشّي الجائحة واتّخاذ فرنسا وألمانيا تدابير أحاديّة لإغلاق الحدود ومنع تصدير الأجهزة الطبّيّة الوقائيّة والكمّامات إلى خارج حدودهما.

 

نتائج عكسيّة

إذا أراد الاتّحاد من خلال تسليم التفاوض إلى بروكسل منع استدارة بعض أعضائه إلى روسيا والصين لاستيراد اللقاحات، فقد قبلت المجر بشراء اللقاح الروسيّ "سبوتنيك في" حتى قبل أن يحصل على موافقة المنظّمين الأوروبّيّين، ثمّ وافقت أيضاً على شراء لقاح "سينوفارم" الصينيّ. ومع تأجيل عمليّات التلقيح سيكون استمرار فرض الإغلاق العام حتميّاً مع ما يعنيه ذلك من استمرار الاضطرابات كما حصل في هولندا وألمانيا. ومع انتخابات مرتقبة في هولندا وفرنسا وألمانيا خلال هذه السنة، ستتّجه الأنظار لمعرفة مدى انعكاس الأزمة اليوم على أداء الشعبويّين فيها. والأهمّ من كلّ ذلك هو عدد الضحايا الذي سينتج عن التأخّر في التلقيح، سواء أوَقعت المسؤوليّة على الشركات أم على الاتّحاد أم على كلا الطرفين.

 

مرّة جديدة، يواجه الاتّحاد الأوروبّيّ سؤالاً يتعلّق بفائدة الانضمام إليه طالما أنّه غير قادر على حلّ أزمة وجوديّة كهذه، وطالما أنّ جهوده لا تفشل في تحقيق أهدافه وحسب بل تطلق أيضاً نتائج عكسيّة. قد تستغرق معرفة المسار السياسيّ الأوروبّيّ الذي ستولّده الأزمة بعض الوقت. وإن كان تفكّك الاتّحاد على طريقة "بريكست" متعدّدة الأطراف مستبعداً لغاية اليوم وفقاً للكاتب في "بلومبيرغ" تايلر كوين، فقد لا يبقى للاتّحاد الكثير من الشرعيّة بحسب رأيه حيث سترى الدول الأعضاء أنّه بإمكان تجاهل الاتّحاد في معظم المسائل المهمّة.

 

في تحليل مشابه، نقلت صحيفة "نيويورك تايمس" عن السياسيّ البرتغاليّ السابق برونو ماسايس قوله إنّ "أبّهة الاتحاد الأوروبي مبنيّة على مفهوم الكفاءة"، ولهذا السبب، هنالك "شعور باليأس" خلال الأيّام القليلة الماضي  بعدما ظنّ الأوروبّيّون أنّ بروكسل أكثر كفاءة في التفاوض من الحكومات المحلّيّة. ولم يستبعد مدير برنامج الصحة العالمية في "معهد تشاتام" الملكي روبرت يايتس أن يكون في السلوك الأوروبّيّ "بعض من الانتقام" للفرح الذي يبديه بعض المسؤولين البريطانيين المؤيّدين لـ"بريكست" تجاه ما يحصل في أوروبا.

 

حتى ولو استطاعت أوروبا أن تتجنّب ارتدادات دوليّة حول فرضها موافقة مسبقة على صادرات اللقاحات المصنّعة داخل أراضيها، ستكون مضطرّة إلى قيادة حملة إعلاميّة واسعة لإصلاح صورتها كمنارة لليبيراليّة الاقتصاديّة ومحاربة الحمائيّة. لا شكّ في أنّ أوروبا تستخدم هذا الأسلوب لحماية حولي 450 مليون مواطن. لكنّ يبقى سؤال عمّا إذا كانت قادرة على إيجاد التوازن بين حماية صورتها في الخارج وإثبات كفاءتها في الداخل. المهمّ ألّا تخسر السمتين معاً.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم