إعلان

أوروبا بلا ميركل... هل يقودها ماكرون نحو "الاستقلاليّة"؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل - "أ ب"
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل - "أ ب"
A+ A-

"هنالك بعض القادة الأوروبيين الذين سيغادرون قريباً الحياة السياسية. هذا يؤدّي إلى الحذر، لا الجرأة". هذا الكلام لناتالي لوازو، مرشّحة حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الانتخابات التشريعية الأوروبية في نيسان/أبريل 2019، فاجأ مراقبين أوروبيين بسبب طريقة انتقادها المبطنة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. كانت لوازو تتحدّث مع ممثلين عن شركات أوروبية قبل استئناف مفاوضات بروكسل مع واشنطن بخصوص الرسوم التجارية الأميركية المنتظرة على صادرات السيارات الأوروبية. كانت فرنسا ضدّ استئناف المباحثات على عكس ألمانيا. في نهاية المطاف، بدت الكلمة العليا لبرلين.

 

لا شكّ في أنّ آمالاً كثيرة خابت بعدما فشل التعويل على قيادة ماكرون وميركل للنهوض بأوروبا. الثنائيّ الذي أطلِق عليه أحياناً اسم "ميركرون" انتهى على طرفي نقيض في مسائل كثيرة، من بينها، بل ربما أهمّها، "الاستقلالية الاستراتيجية" لأوروبا. في وقت كانت تفضّل فرنسا تعزيز الإمكانات العسكرية الأوروبية تعزيزاً مستقلاً عن الأميركيين، كانت ألمانيا ترى في هذا الطرح نوعاً من الوهم. لكنّ الأسابيع الأخيرة ربّما مكّنت ماكرون من كسب الرهان حول صحّة رؤيته المستقبليّة للقارة العجوز.

 

"الضّوء الأخضر"

منذ أربعة أيام، طرح كبير محللي السياسات الأوروبية في مركز تاتشر للحرية، التابع لمؤسسة "هيريتدج" دانيال كوشيس السؤال الآتي: "هل أعطى جو بايدن للتو ضوءاً أخضر لـ(تأسيس) جيش أوروبي؟".

انطلق سؤال كوشيس من التطورين اللذين شغلا العالم خلال الشهر الماضي: الانسحاب الأميركي من أفغانستان واتّفاق "أوكوس" بين أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. القاسم المشترك بين هاتين الأزمتين هو تجاهل واشنطن لهواجس بروكسل ومصالحها عموماً، وباريس خصوصاً. مع هذين التطورين، بات بإمكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القول للأوروبيين: "كنتُ على حق" في مسألة المطالبة بـ"الاستقلالية" وبناء جيش أوروبي.

 

مشكلة هذا الطرح، بحسب كوشيس، تتلخص في أنّ الجيش الأوروبي سيكرّس الشرخ بين بروكسل وواشنطن، وعموماً بين ضفّتي الأطلسيّ. يُفترض بأي تعزيز عسكريّ، وفقاً للمحلّل نفسه، أن يكون من ضمن حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) وتحت مظلته حصراً. أي خيار آخر هو تقويض للمعاهدة وضرب لأمن أوروبا. فالجيش الأوروبي المستقلّ ليس قادراً حتى على أن يكون مكمّلاً للناتو ولا قادراً على الدفاع عن أوروبا. ويستشهد المحلل بكلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال في 2018 إنّ احتمال تأسيس جيش أوروبي هو "مسار إيجابي".

 

لم يعد "وهماً"؟

ما من شكّ في أنّ فرنسا تعرّضت لضربة كبيرة عبر اتفاق "أوكوس". وما من شكّ أيضاً في أنّ باريس تبحث عن طريقة لردّ الاعتبار. لكنّ الهدف بالنسبة إلى الإليزيه ليس مجرّد عملية انتقامية. منطقياً، ليس بإمكان أوروبا أن تظل معتمدة أمنياً بالكامل على الأميركيين الذين يستديرون أساساً نحو شرقي آسيا. حقّق ماكرون الكثير حين اعترف أشدّ المناوئين لفكرة تعزيز الإمكانات الدفاعية الأوروبية، وفي مقدّمتهم وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب-كاننباور، بضرورة اتّخاذ هذه المبادرة.

 

وكانت كرامب-كاننباور قد انتقدت ماكرون انتقاداً ضمنياً لكنْ قاسياً أواخر 2020 خلال كلمة لها في جامعة هامبورغ العسكرية: "إنّ فكرة الاستقلالية الأوروبية الاستراتيجية تذهب بعيداً إذا غذّت الوهم بأننا قادرون على ضمان ازدهار أوروبا واستقرارها وأمنها من دون الناتو والولايات المتحدة". وأضافت: "من دون إمكانات أميركا التقليدية والنووية، لا تستطيع ألمانيا وأوروبا حماية نفسيهما. هذه وقائع واضحة".

 

لكن في 3 أيلول (سبتمبر)، كتبت وزيرة الدفاع في "المجلس الأطلسي" خلال تعليق على آلية الانسحاب من أفغانستان: "كنا عاجزين عن مقاومة قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من البلاد، لأننا لم نملك الإمكانات العسكرية التي كانت لتمكّننا من البقاء هناك من دون الحضور العسكري الأميركي".

 

أوروبا و"نهاية التّاريخ"

لا تزال فكرة ماكرون "لقد قلتُ لكم" غير معبّرة عن انتصار كامل له. خيارات الفرنسيين ليست سهلة، ولا قناعة الأوروبيين بتأسيس هيكلية أمنية أو قوة تدخل أوروبية سريعة قد تبلورت، بحسب كرامب-كاننباور. حتى لو حصل اتّفاق فرنسيّ-ألمانيّ بهذا الخصوص، وهو أمرٌ لا يزال مستبعداً في المستقبل القريب، يبقى أنّ تأسيس جيش أوروبي مستقل دونه عقبات نظرية وعملية كثيرة.

 

قدّم الكاتب السياسيّ جويل ويكجينينت، وهو متحمّس لفكرة تأسيس هذا الجيش، خلاصة سريعة عن هذه العقبات في موقع "بيغ ثينك". يبني ويكجينينت نظرته على فكرة وزيرة الدفاع الألمانية التي تشدد على ضرورة أن تنطلق خطة كهذه من الدول الأعضاء في الاتحاد لا من بروكسل نفسها. لكن قلة من الأحزاب في دول أوروبا الغربية لديها هذه الأولوية. والجيل الذي هو في منتصف مرحلة البلوغ في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، هو الجيل نفسه الذي شهد نهاية التجنيد الإجباري في دوله. كذلك، تقلّص الإنفاق العسكريّ لهذه الدول بالنسبة إلى حجم ناتجها القوميّ بالمقارنة مع كان عليه الأمر في الحرب الباردة، ويتقلّص أيضاً بالمقارنة مع أرقام روسيا وحتى تركيا. ووهم "نهاية التاريخ" حفّز، بحسب الكاتب، جيلاً من صنّاع القرار الأوروبيين بالتخلي عن الإنفاق العسكري لمصلحة واشنطن، وقد انصرفوا لتأمين دور قارتهم الدولي بناءً عى المعايير الأخلاقية.

 

أولويات وشكوك

عودة إلى الكلام عن "القادة السياسيين الذين سيغادرون قريباً الحياة السياسية". اللافت للنظر أنّ ماكرون قد يجد نفسه أيضاً ضحيّة لهذه المعادلة. فالانتخابات الرئاسية الفرنسيّة بعد أشهر قليلة، وهو لا يتقدّم بفارق مريح عن منافسته مارين لوبان، حتى أنّ استطلاعات رأي تقلّص هذا الفارق إلى نقطة مئوية واحدة. حتى في حال استبعاد هذا السيناريو، قد لا يحلّ تطوير الإمكانات الدفاعية الأوروبية على قائمة الأولويات بالنسبة إلى بروكسل. "معاهدة الاستقرار الماليّ" حول شروط الاستدانة والعجز في الاتحاد هي الموضوع الأول بالنسبة إلى الأوروبيين في المدى المنظور.

 

من ناحية أخرى، حتى مع افتراض وجود قدرة لفرنسا على إقناع الألمان بنظريتها، على الرغم من الخوف الألمانيّ والأوروبّيّ من "ديغوليّة" هذه النظريّة وربط أمنهم بباريس بدلاً من واشنطن، تشكّك الدول المجاورة لروسيا في الاستقلالية الأوروبية العسكرية. فضمانتها في مواجهة موسكو ليست قوّة عسكريّة مفترضة و"طريّة العود" – لتفادي استخدام تعبير كوشيس عن "النمر الكرتونيّ" – بل القوّة العسكريّة الأميركيّة الموثوقة والمجرّبة. رحيل ميركل عن الساحة السياسية قد يكون ممرّاً إلزاميّاً لماكرون كي يروّج لفكرته في أروقة بروكسل. لكنّه بالتأكيد ليس الممرّ الإلزاميّ الوحيد.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم