إعلان

هل تتشدّد ألمانيا بسياستها الخارجية في حقبة ما بعد ميركل؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها أنغيلا ميركل (أرشيف) - "أ ب"
المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها أنغيلا ميركل (أرشيف) - "أ ب"
A+ A-

يبدو أنّ ألمانيا باتت قريبة من الاتفاق على حكومة جديدة. هذا القرب الزمنيّ هو "نسبيّ" وقد لا يتحقّق قبل أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2021. لو صحّت هذه التقديرات، فستكون الحكومة قد تشكّلت في نصف الفترة الزمنية التي استغرقها تشكيل الحكومة الماضية بعد انتخابات 2017. حينها، تمّ الاتّفاق على تشكيل الحكومة في آذار (مارس) 2018.  

 

حكومة "جامايكا" أم "إشارات مرور"؟

في اللغة الانتخابية الألمانيّة، ثمّة تسمية خاصّة للحكومات الائتلافيّة. يتحدّث الألمان عن "تحالف جامايكا" للإشارة إلى حكومة مؤلّفة من حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحيّ" (مع شقيقه البافاري الأصغر حزب "الاتحاد الاجتماعيّ المسيحيّ") إضافة إلى "الحزب الديموقراطيّ الحرّ" و"حزب الخضر". تعود تلك التسمية إلى تشابه ألوان الأحزاب الداخلة في الائتلاف مع ألوان علم جامايكا. بالمقابل، يتحوّل الحديث إلى حكومة "إشارات المرور" لو كان الاتفاق يشمل مشاركة "الحزب الديموقراطي الاجتماعي" و"الليبيراليين الأحرار" و"الخضر" في الائتلاف الحكوميّ.

 

اليوم، يصبّ الاحتمال الأكبر لصالح تأليف حكومة "إشارات المرور". فالأطراف الثلاثة دخلت مرحلة مفاوضات رسميّة لتشكيل الحكومة مع إطلاق مجموعات عمل للاتفاق على البرنامج المقبل، وفقاً لما تقوله المحلّلة والباحثة الألمانيّة صوفي بورنشليغل في اتّصال مع "النهار العربي".

 

انتقادات ونتائج

واجهت المستشارة المنتهية ولايتها أنغيلا ميركل ملفّات ساخنة كثيرة في سياستها الخارجية. تواصلت ألمانيا في عهد ميركل مع قوى أجنبية تصنّف في الخانة "غير الليبيرالية" ولم تطرح أيّ قطيعة مع الدول المتناقضة في الرؤية الحقوقية مع ألمانيا، مثل روسيا وتركيا وبولونيا والمجر وغيرها. لقيت هذه السياسات انتقادات عدّة ولا تزال، من بينها أنّ ميركل فضّلت عدم اتّخاذ قرارات حاسمة حين توجّب عليها ذلك وأنّها واصلت انخراطها السياسيّ والاقتصاديّ مع الدول التي شكّلت تهديداً للقيم الأوروبية عموماً والألمانيّة خصوصاً.

 

يمكن تفسير طبيعة السياسة التي اعتمدتها ميركل بطبيعة شخصيّتها نفسها. ما يتّفق بشأنه كثر أنّ ميركل سياسيّة براغماتيّة لا رؤيويّة. فمسيرتها المهنيّة (أستاذة سابقة في الكيمياء الكمية) تفرض عليها إيجاد حلّ للمشاكل الملحّة، بالحدّ الأدنى من التسويات العمليّة، بدلاً من البحث عن نظريات سياسية طويلة المدى. لكنّ ذلك أدى في نهاية المطاف إلى تمكّنها من إدارة الأزمات بدلاً من حلّها وإلى انتظار الأزمات حتى تنتشر قبل التصدّي لها بدلاً من أن تعمل على منع نشوبها أساساً.

 

اليوم، بعد مغادرة ميركل منصب المستشاريّة والساحة السياسيّة ككلّ في ألمانيا، ثمّة تساؤلات عن طبيعة السياسة الخارجيّة التي ستعتمدها برلين، خصوصاً في ظلّ حكومة "إشارات المرور". طرح "النهار العربي" هذه الأسئلة على بورنشليغل، وهي تشغل منصب كبيرة محلّلي الشؤون السياسية في "مركز السياسة الأوروبية" ومقرّه بلجيكا.

 

تغيّر أكيد... ما طبيعته؟

على الرغم من أنّه لا يزال مبكراً الحديث عن السياسة الخارجيّة قبل رؤية البرنامج النهائيّ للحكومة الألمانيّة المقبلة، تعتقد بورنشليغل أنّ ألمانيا ستشهد تغييراً في السياسة الخارجيّة، وإن يكن تغييراً "تدريجيّاً" و"معتدلاً". بمعنى من المعاني، ستصبح السياسة الخارجيّة الألمانيّة "أكثر طموحاً".

 

تصرّ بورنشليغل على أنّ الحكومة المقبلة ستتمتّع بالخبرة لإدارة الملفّات، كما ستتمتّع بالدراية لترسيخ الاستقرار الحكوميّ في ألمانيا، نافية تحليلات عن فقدان البلاد للاستقرار السياسيّ بعد رحيل ميركل عن السلطة. فألمانيا تملك مجموعة واسعة من السياسيين الأكفّاء، وموضوع التخوّف من مرحلة ما بعد ميركل لا يتناسب مع دولة ديموقراطيّة عريقة كما تؤكّد.

 

توافق بورنشليغل على أنّ ميركل لم تتّخذ طرفاً في الصراعات القائمة وحاولت التفاوض والتوصّل إلى تسويات بشأن مختلف المشاكل. "وهذا جيّد. لكنّ ذلك ليس دوماً القرار الأفضل حين يتعلّق الأمر بالسياسة الخارجيّة".

 

مكمن الاختلاف في طريقة التعاطي

تتوقّع المحلّلة نفسها أن يكون هنالك اختلاف في طريقة تعاطي الحكومة الألمانيّة المستقبليّة مع القضايا الخارجيّة. فالتعامل مع دول كبيرة ولا تنتمي للاتحاد الأوروبي مثل روسيا وتركيا سيكون مغايراً لشكل التعامل مع دول أخرى داخل الاتّحاد.

 

بفعل دخول "الخضر" الحكومة المقبلة، يمكن توقّع أن يكون لقضايا حقوق الإنسان موقع أكثر صلابة في السياسة الخارجيّة الألمانيّة. ورأى البعض أنّ هذا الحزب أضحى أكثر تشدداً في القضايا الخارجيّة خصوصاً أنّ زعيمة الحزب أنالينا بيربوك تنتمي إلى الجناح المتشدّد داخله.

 

لكنّ بورنشليغل تعيد تأكيد أنّ التغيير سيكون تدريجياً. وتلفت النظر إلى أنّ وجود "الحزب الديموقراطي الاجتماعيّ" في الحكومة المقبلة، وهو الحزب المعروف بسياساته الليّنة تجاه موسكو، سيمنع تدهور العلاقات مع روسيا. (اشترط الحزب على ميركل أن يكون استكمال مشروع "نورد ستريم 2 بنداً أساسياً لتشكيل الحكومة المنتهية ولايتها).

 

زخم أقلّ

تضيف المحلّلة أنّ سياسة تواصل ألمانيا مع الدول التي لا تتلاقى مع رؤاها وثقافتها الحقوقيّة ستستمرّ في الحكومة المقبلة. لكنّ ذلك قد يتحقّق بزخم أقلّ. "سوف تواصل ألمانيا الانفتاح الديبلوماسي من جهة، لكنّها ستحاول الحفاظ على القيم التي تروّج لها". وختمت: "يصعب التوفيق بين القول إنّنا ندعم مبدأ شمولية حقوق الإنسان، وعدم التعليق على وجود سجناء سياسيين في تركيا".

 

وكان الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان قد أثار أزمة مع الغرب لمطالبة عشر من دوله أنقرة بالإفراج عن رجل الأعمال عثمان كافالا من السجون التركية. وقال أردوغان إنّه أصدر تعليماته إلى وزارة الخارجيّة لاعتبار عشرة سفراء (من بينهم السفير الألمانيّ) "أشخاصاً غير مرغوب بهم"، قبل أن يقول لاحقاً إنّ هذه الدول أعربت عن احترامها سيادة تركيا.

 

إلى جانب تركيا، ستكون ملفات مثل احتمال خروج بولونيا من الاتحاد الأوروبي، والعلاقات مع روسيا والصين والمجر والولايات المتحدة جزءاً من التحديات الكبيرة أمام الحكومة المقبلة. تخطّي هذه التحديات من عدمه سيجعل ألمانيا تحنّ لحقبة ميركل أو ربّما تسرّ بانتهائها.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم