إعلان

أردوغان يحاول مع ماكرون تكرار مسرحية دافوس مع بيريز

المصدر: النهار العربي
جنيف- موسى عاصي
أردوغان وبيريز في دافوس عام 2009
أردوغان وبيريز في دافوس عام 2009
A+ A-
في 29 كانون الثاني (يناير ) 2009، أقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خطوة، اعتبرها البعض لاحقاً مسرحية محضّرة بشكل جيد، عندما انسحب من مؤتمر دافوس السويسري، أثناء جلسة ضمته والرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز، بعد توجيهه انتقادات شديدة اللهجة لبيريز بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في تلك المرحلة.

في اليوم التالي، عاد أردوغان الى تركيا وكان في استقباله الآلاف من المناصرين الأتراك في مدينة إسطنبول، للتعبير عن دعمهم و"فخرهم" به، ولم يقتصر الأمر على الأتراك، بل استحوذ هذا الموقف، على تغطية واسعة من قبل وسائل الإعلام في الدول العربية والإسلامية، وظهر بفضلها أردوغان، كمدافع أول عن قضية القضايا بالنسبة الى المسلمين والعرب، قضية فلسطين، علماً أن لتركيا علاقات دبلوماسية وتجارية بدأت منذ العام 1949، ولم تتأثر بحرب غزة (27 كانون الاول/ ديسمبر 2008/ 19 كانون الثاني/ يناير 2009)، ولم تنقطع إلا لاحقاً، في منتصف عام 2010 عندما استهدفت إسرائيل سفينة تركية من ضمن "أسطول الحرية" الذي كان يحمل مساعدات لقطاع غزة، واستؤنفت هذه العلاقة مجدداً عام 2013 بعد اتصال جرى بين بنيامين نتنياهو وأردوغان.

مناسبة التذكير بهذه الأحداث، هو للمقارنة بين ظروف دافوس 2009 وما سبقها وما تلاها، وما يجري حالياً بين أنقرة وباريس بعد ارتفاع مستوى التوتر بين الطرفين خلال الساعات الماضية على خلفية تصريحات أردوغان بحق الرئيس الفرنسي ورد فرنسا باستدعاء سفيرها في أنقرة للتشاور.

صحيح أن العلاقات بين البلدين متوترة منذ أشهر وحتى سنوات، وهناك لائحة طويلة من الملفات الخلافية، كالملف الليبي، أو ملف النفط والغاز في البحر المتوسط، او حتى ملف القوقاز والحرب بين أرمينيا وأذربيجان هناك، وقبل ذلك اعتراف فرنسا بمجازر العثمانيين بحق الأرمن، لكن مع دخول أردوغان على خط "المسألة الإسلامية الفرنسية" وتعقيداتها الداخلية، ينتقل الخلاف الى مرحلة مختلفة وخطيرة، يحاول فيها الزعيم التركي الظهور بمظهر المدافع عن الإسلام والمسلمين، بما يشبه ما حصل في دافوس عام 2009 في الملف الفسلسطيني.

ويستند الرئيس التركي في المواجهة الجديدة مع باريس الى عاملين، فهو يستثمر، من جهة، حالة النقمة التي بدأت تتمظهر في بعض الدول الإسلامية على فرنسا وإدراتها لملف المسلمين الفرنسيين إنطلاقاً من الخطة التي أعلن عنها ماكرون في 2 تشرين الأول (أكتوبر) لمواجهة ما يسميه الفرنسيون "الانعزالية الإسلامية"، والانتقادات التي تعرض لها ماكرون شخصياً على ضوء ردة فعله على جريمة قتل المدرّس الفرنسي صامويل باتي، وإصراره على مواصلة نشر الرسومات الكاريكاتورية التي يعتبرها الرأي العام المسلم بغالبيته، والمرجعيات الإسلامية، مسيئة بحق الإسلام والنبي محمد، ومن جهة ثانية، معرفة أردوغان بحقيقة هامش الحركة الذي تملكه فرنسا على المستوى الأوروبي في صراعها مع تركيا.

والواضح في هذا الإطار، أن فرنسا تسير الى حد ما، وحيدة في الأزمة مع تركيا، ومعظم الدول الأوروبية، إنْ على مستوى الاتحاد في بروكسل، أو على مستوى الدول، عبّرت مراراً عن عدم تبنيها الموقف الفرنسي، إلا في حالات محددة وربما لرفع العتب، خصوصاً ألمانيا في أزمة النفط والغاز بين تركيا واليونان، عندما دعت الى حل وسط وعبر المفاوضات بين أثينا وأنقرة، خلافاً لفرنسا التي أرسلت بعضاً من قطعها البحرية الى المياه الإقليمية اليونانية.

فنفط المتوسط، الذي تحاول فرنسا أن تكون شريكاً في عملية استخراجه واستثماره عبر شركتي "توتال" و"أنجي"، لا تكترث له كثيراً ألمانيا التي تبني مع روسيا خط أنابيب "نورستريم 2" الذي سيمتد من الأراضي الروسية الى الأراضي الألمانية مباشرة من دون المرور بأي دولة شرقية، ثم أن لبرلين سبباً جوهرياً آخر يدفعها لالتزام الكثير من الحذر في التصعيد مع أنقرة. ففي ألمانيا تعيش جالية تركية استثنائية يفوق عددها الـ5 ملايين شخص، ورغم أنهم يعيشون في ألمانيا منذ سنوات طويلة لكنهم يناصرون أردوغان بمعظمهم، وتفضل ألمانيا عدم استفزاز هذا المكون الهام من مكونات الشعب الألماني في مسألة لا مصلحة لها مباشرة فيها.

والى جانب الموقف الألماني وأسباب برلين في تعاطيها البارد مع حليفتها فرنسا، تتخذ كل من إسبانيا وإيطاليا أيضاً موقفاً مماثلاً، ولكن لأسباب مختلفة تماماً، تعود إلى التهديد التركي المتكرر بفتح باب الهجرة لملايين السوريين المقيمين على أراضيها، وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية، لا سيما تجربة العام 2015، أن فرنسا كانت بعيدة جداً من مشكلة اللاجئين التي انفجرت بوجه إيطاليا ومالطا، ولاحقاً إسبانيا، بعد أن أقفلت هنغاريا حدودها بجدار سميك من الأسلاك الشائكة مع صربيا ومنعت دخول أي لاجئ اليها.

وتتذكر روما دائماً المواقف المتشنجة مع باريس خلال مناقشات أزمة اللاجئين في خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وموقف فرنسا المبدئي في قمم الاتحاد الاوروبي في بروكسل، من أن أولوية الإقامة للاجئين هي في البلد الذي يصل اليه اللاجئ أولاً، أي إيطاليا ومالطا وإسبانيا واليونان.

أما دول أوروبا الشرقية فهي بعيدة جداً من أزمات المتوسط ومشاكله، وأولوياتها تبقى في مواجهة ما يعتبرونه "الخطر الروسي" الدائم.

فهل سينجح أردوغان في حشد الدعم في عملية استثمار أزمة المسلمين الفرنسيين؟

رغم خروج بعض التظاهرات في بعض الدول ذات الغالبية الإسلامية للتنديد بما يصفونه "استهداف فرنسا للمسلمين"، وبروز حملات مقاطعة في بعض هذه الدول، الا أن هذا الواقع لا يعني أن الرأي العام الإسلامي والعربي سيسير خلف أردوغان، فالعالم الإسلامي منقسم سياسياً بشكل حاد وبارز اليوم بحيث بات من الصعوبة تكرار مشهد دافوس وما تلاه، والموقف التركي الحالي قد لا يجد صدى سوى في تركيا فقط، الى جانب دولة قطر، التي سارعت لإعلان مقاطعة البضائع الفرنسية، وجماعات "الإخوان المسلمين".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم