إعلان

لماذا تفترق ألمانيا عن أميركا تجاه روسيا؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
  الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أرشيف - "أ ب"
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أرشيف - "أ ب"
A+ A-

بات مشروع "نورد ستريم 2" على قاب قوسين أو أدنى من تفجير العلاقات العابرة للأطلسيّ. ألمانيا حريصة على استكمال الـ5% المتبقّية من مشروع استجرار الغاز الروسيّ، فيما الولايات المتحدة مصمّمة على فرض العقوبات. لكلتا الدولتين مخاوف وتبريرات لسياساتهما. الثابت الوحيد هو أنّ الوقت يتضاءل أمام الطرفين لإيجاد حلّ. دعت "فايننشال تايمز" البريطانيّة برلين إلى إظهار ليونة كي لا تُبعد عنها أكثر إدارة قرباً من الأوروبيين يمكن أن تراها طوال جيل. وإن بقيت واشنطن متصلّبة في موقفها، فهي تخاطر بـ"إذلال" حليف أساسيّ قبل انتخابات محوريّة في أيلول (سبتمبر). وأضافت الصحيفة أنّ كلتا الدولتين عاجزة وحدها عن ردع المنافس.

 

شعاران ألمانيان

كان متوقّعاً أن توقف أو تعلّق ألمانيا بنفسها ذلك المشروع بعد محاولة تسميم المعارض الروسيّ أليكسي نافالني في آب (أغسطس) الماضي، وهي حادثة يتّهم بها الغربيّون موسكو. لكنّ ذلك لم يتحقّق. تكفّلت ألمانيا بعلاج نافالني من التسميم قبل أن يعاود السفر إلى بلاده ويُعتقل بناءً على ملاحقات قضائيّة. وبينما قال مقربون منه إنّ صحّته تتدهور منذ وصوله إلى السجن، وصفت السلطات الروسية حالته بـ"المرضية". لحقوق الإنسان أهمية في أجندة السياسة الخارجيّة الألمانيّة. لكنّ العمل في برلين على تحقيق هذا البند لا يتمّ بطريقة تقليديّة. ففي علاقتها مع الصين، تعتمد ألمانيا شعار "التغيير عبر التجارة"، ومع روسيا شعار "الشراكة من أجل العصرنة". وكلا الشعارين يلخّص رؤيتها القائمة على أنّ الانفتاح والتواصل التجاريّين كفيلان بتحسين الدولتين لسجلّهما في حقوق الإنسان. لكنّ هذه المقاربة فشلت بشكل أو بآخر.

 

الحلم تبخّر

منذ إعادة توحيد ألمانيا وانهيار الاتحاد السوفياتي، تعزّزت العلاقات الألمانيّة - الروسيّة عموماً، وصولاً إلى سنة 2011. تأسّست النظرة الألمانيّة على محاولة دمج روسيا في المدى الأوروبّيّ الأوسع. حتى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين روّج لمفهوم أوروبا العظمى كمنصّة للتعاون السياسيّ والتكنولوجيّ والاقتصاديّ. وبحسب مدير "مركز كانيغي" في موسكو ديمتري ترينين، بدأت العلاقات تتراجع بعدما قرّر بوتين إعادة الترشّح إلى الانتخابات الرئاسيّة في 2012. لكنّ قراره استند إلى مواجهة السياسة الأميركيّة، لا الأوروبيّة التي فشلت في التأثير الإيجابيّ على تلك السياسات (دعم الثورات العربية، توسيع الحلف الأطلسي، قضية الصواريخ الدفاعية...).

 

بعد 2012، مرّت العلاقات بمطبّات كثيرة حول الملفّات الداخلية، إضافة إلى السياسات الروسيّة الخارجيّة في أوكرانيا وسوريا وليبيا وتسميم العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا سنة 2018. تراجعت فكرة دمج روسيا في أوروبا العظمى، وهي فكرة راودت أيضاً الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون. مع ذلك، ظلّت ألمانيا متحمّسة للعلاقات التجاريّة مع روسيا. واستمرّت اللقاءات بين بوتين والمستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل. ولروسيا دوافع عدّة في هذا السياق.

 

أمر "مؤلم"

تسعى موسكو أوّلاً إلى خلق شرخ بين الحلفاء الغربيّين. ومشروع "نورد ستريم 2" أفضل أداة لهذا الهدف، وما تظهره التطوّرات الأخيرة والتهديدات الأميركيّة بفرض عقوبات على الشركات المنخرطة فيه أحدث دليل على ذلك. وترى دراسة في مجلّة "نايتشر" أنّ قطاع الطاقة يعدّ أحد أساليب سياسة "فرّق تسد" التي تعتمدها روسيا لنشر نفوذها في الاتّحاد الأوروبيّ. وبالتوازي مع اللقاءات الرسميّة، بإمكان بوتين أن يوحي للأميركيّين بأنّه يوطّد تحالفاته السياسيّة مع المحرّك الاقتصاديّ الأوّل في الاتّحاد الأوروبّي. لم تنصُبْ ألمانيا حواجز كبيرة أمام الانفتاح الروسيّ على الرغم من سياسات موسكو الخارجية، بما فيها التدخّل الروسيّ في الانتخابات التشريعيّة سنة 2017.

 

وخلال السنة الماضية، اتّهم المدّعون العامون في ألمانيا مشتبهاً بتورّطه في قرصنة رسائل بريد إلكترونيّ تابع لأحد مكاتبها المحلّيّة، وهي عمليّة تعود إلى سنة 2015. ورُبط المشتبه بمجموعة "الدب الخياليّ"، وهي مجموعة تعمل مع جهاز الاستخبارات الروسيّ وفقاً للاتّهامات الغربيّة وقد استهدفت أيضاً الانتخابات الرئاسية الأميركيّة. وقالت ميركل إنّ الأمر "يؤلمها" لأنّها كلّما سعت إلى تحسين العلاقات مع روسيا وجدت "دليلاً صلباً" إلى أنّ القوّات الروسيّة متورّطة أيضاً في نشاطات كهذه. على الرغم من ذلك، دعت ألمانيا إلى الاستمرار في تحسين العلاقات مع موسكو.

 

شبح الحرب العالمية الثانية

لا تزال أجواء تلك الحرب مسيطرة على الوعي الجماعي الألمانيّ في النظرة إلى روسيا. في 2015، وجد استطلاع رأي أنّ الألمان الغربيّين والشرقيّين يختلفون في تقييم السياسات تجاه موسكو وواشنطن. 61% من الألمان الذين يعيشون في الغرب يفضّلون ارتباطاً قويّاً بالولايات المتحدة في مقابل 44% ممّن يعيشون في شرق البلاد. وبينما فضّل 23% من الألمان الذين يعيشون في الشرق علاقات أقوى مع روسيا، وافقهم في ذلك 12% ممّن يعيشون غربيّ البلاد. ربّما تميل ميركل في سياستها الخارجيّة إلى أخذ هذه الفروقات بالاعتبار، خصوصاً أنّ ثمّة حواجز نفسيّة بين شرق البلاد وغربها لم تكسرها ثلاثة عقود من الوحدة الألمانيّة.

 

بإمكان بوتين أن يراهن على هذه التناقضات، ولو كانت ثانويّة، من أجل تعزيز أجندته. لهذه الأسباب، تبدو ألمانيا مكبّلة اليدين إلى حدّ ما حين يتعلّق الموضوع بصياغة سياسة موحّدة مع حليفها التقليديّ – الولايات المتحدة – تجاه روسيا. كما بإمكان بوتين استغلال احتمال أن تنفصل أوروبا تدريجياً عن حليفها الأطلسيّ لتشكيل قوّة مستقلّة على المدى البعيد. على أيّ حال، تبدو هذه الرؤية الاستراتيجيّة للألمان.

 

والسبب الآخر المرتبط بالحرب العالميّة الثانية الذي قد يفرض على ألمانيا مقاربة متمايزة، إن لم تكن مختلفة، عن المقاربة الأميركيّة، هو ذاك المتعلّق بالجغرافيا السياسيّة. فبعكس الولايات المتحدة التي تحميها البحار، تعدّ روسيا جاراً قارّياً لألمانيا عليها حماية نفسها منه عبر إبداء حسن النيات تجاهه كلّما أتيحت لها الفرصة. مشروع "نورد ستريم 2" هو أبرز هذه الفرص. هو مشروع سياسيّ قبل أن يكون اقتصادياً لطمأنة روسيا القلِقة دوماً من الأخطار الآتية من الغرب. هل تتفهّم الولايات المتحدة تلك المخاوف أم ينتهي الأمر بـ"إذلال" ألمانيا بحسب "فايننشال تايمز"؟ الواضح أنّ الأشهر المقبلة حرجة للعلاقات الأميركيّة - الألمانيّة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم