إعلان

أوروبا منحت أوكرانيا ‘جائزة ترضية‘؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
أعلام أوكرانيا والاتحاد الأوروبي - (أ ب)
أعلام أوكرانيا والاتحاد الأوروبي - (أ ب)
A+ A-

"اليوم هو يوم جيد لأوروبا". بهذه التغريدة عبّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن سرورها بموافقة الدول السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي على منح أوكرانيا صفة "مرشح" إلى عضوية الاتحاد يوم أمس الخميس. الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رحّب أيضاً بالخطوة واصفاً إياها بـ"اللحظة التاريخية والفريدة" في العلاقة بين الجانبين. وغرّد أيضاً أنّ "مستقبل أوكرانيا هو في الاتحاد الأوروبي". رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال أبدى الرأي نفسه بالخطوة "التاريخية" و"الأساسية" على طريق انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد.

 

دينامية جديدة

منذ 2013، لم يقبل الاتحاد الأوروبي بأي عضو جديد. واجه الاتحاد صعوبات كثيرة خلال العقد الأخير (أزمتين ماليتين 2008-2011 وأزمة لجوء 2015) ممّا دفع الحكومات إلى الاهتمام بالقضايا الوطنية. لكن على ما يبدو، غيّرت حرب أوكرانيا بعض الحسابات. وكان الاتحاد قبل أيضاً بمنح مولدوفا صفة المرشّح إلى جانب أوكرانيا أمس. أظهر استطلاع رأي حديث أجراه البرلمان الأوروبي أن قرابة ثلثي الأوروبيين يصفون الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي بأنه "أمر إيجابي". وهذا يفسر سبب مطالبة دول أوروبية أخرى بالانضمام إلى الاتحاد مثل جورجيا وست دول في غرب البلقان.

 

للاتحاد الأوروبي مادة شبيهة بالمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي التي تتحدث عن أنّ أي اعتداء على دولة عضو في الحلف هو اعتداء على دوله كافة. لكن منح صفة "مرشح" إلى الاتحاد لا يقدّم أي ضمانة أمنية لأوكرانيا. تدرك الدول الأوروبية أن الانتماء إلى الناتو لا إلى الاتحاد الأوروبي هو ما يقدّم الضمانة الأمنية الفعلية. طلب السويد وفنلندا الانضمام إلى الحلف الأطلسي بالرغم من كونهما عضوين في الاتحاد أقوى دليل على ذلك.  

 

سؤال أساسي في كييف

على الرغم من أهمية الخطوة بالنسبة إلى أوكرانيا أقلّه على مستوى الاقتصاد والمال، يبقى مسارها لدخول الاتحاد طويلاً جداً، حتى أنه قد يستغرق عقوداً. بمعنى آخر، إنّ الصعب على أوكرانيا لمّا يمرّ بعد. وهنا المشكلة. يُرجَّح أن يكون التساؤل الأساسي اليوم في كييف هو عن مدى جدية النوايا في بروكسل. هل تُعرقل عملية إدخالها النادي الأوروبي عبر متطلّبات بيروقراطية لا تنتهي؟ بالتالي، هل يكون الأوروبيون قد رفعوا عن كاهلهم مسؤولية رفض منح أوكرانيا صفة "المرشح" وما يستتبع ذلك من تلقيهم اتهامات بمهادنة موسكو، كي يماطلوا لاحقاً بمنحها العضوية على قاعدة أنها بطيئة في تحقيق الإصلاحات المطلوبة؟

 

للاتحاد الأوروبي أسبابه كي يكون متردّداً باستقبال المزيد من طلبات الانتساب. أولاً، سيكون صعباً على بروكسل صياغة سياسة موحدة كلما ازداد عدد الأعضاء. ينطبق ذلك أيضاً على قضية القبول بالأعضاء الجدد. والخلافات بين دول غرب البلقان تظهر جانباً من هذه القضية. ثانياً، ثمة مخاوف من أنه بعد استيفاء جميع المعايير المطلوبة، قد تبتعد الدول مجدداً عن القيم الأوروبية التي تعهدت الامتثال لها. بولونيا والمجر هما المثلان الأبرز في هذا الإطار. وثمّة أيضاً مشكلة ازدواجية المعايير في سرعة قبول بعض الدول على حساب دول أخرى.

 

"قاعة انتظار"

هذه الأسباب دفعت هانس كريبي ولوك ميدلار، منظّرين سياسيين مقيمين في بروكسل، إلى الطلب من الأوروبيين اعتماد الصدق مع أوكرانيا. بناء على دعوة من مجلة "إيكونوميست"، كتب كريبي وميدلار في العاشر من الشهر الحالي أنّ مقترح ماكرون عن "مجتمع أوروبي سياسي عابر" يضم دولاً مثل أوكرانيا هو أكثر واقعية من عضوية في الاتحاد. وتحدثا عن مشروع "إي-40"، على اسم الطريق السريع الذي يربط كاليه الفرنسية بأوكرانيا، وهو مشروع أقرب إلى مجموعة العشرين بهيكليات مختلفة عن تلك التي تربط الاتحاد الأوروبي، مقترحين أن يقدّم ضمانة أمنية أقل مما تقدّمه العضوية الأطلسية لكن ترقى إلى أكثر من مجرّد إعلان نوايا.

 

ربما خضع الأوروبيون في بروكسل لضغط الوقت. لم يملكوا ترف الحديث بشفافية إلى الأوكرانيين بينما يستمر الروس بقضم أراضيهم في دونباس، ويواصل الألمان التباطؤ في تسليمهم الأسلحة الثقيلة الموعودة. أن تمتنع بروكسل عن منح كييف صفة "المرشح" إلى الاتحاد الأوروبي هي ضربة قاسية للعلاقات الثنائية خصوصاً مع فرنسا وألمانيا. رأى كريبي وميدلار أنّ عدم إطلاق وعود فارغة لأوكرانيا لن يعجب زيلينسكي لكنّ الحديث بنزاهة وشفافية عن المشاريع البديلة للاتحاد يعدّ من القيم التي تجمع "العائلة" الواحدة. إنّما على ما يبدو لم يكن بإمكان الأوروبيين مصارحة الأوكرانيين. بذلك، قد يتحقّق توقّعهما بأن تصبح أوروبا "قاعة انتظار" للطامحين.  

 

ثمّة سبب آخر يوحي بأنّ المخاوف من تحوّل الاتحاد إلى "قاعة انتظار" مخاوف واقعية. في 9 يونيو (حزيران) قالت نائبة رئيس الوزراء الأوكراني لشؤون الاتحاد الأوروبي والأورو-أطلسي أولها ستيفانشينا أنْ "لا أحد من الدول السبع والعشرين، سيقول ‘لا‘ في وجه الرئيس". وأضافت في حديث إلى "واشنطن بوست" الأميركية: "لكن ما يحصل خلف الكواليس هو إرادة واضحة في وضع العراقيل للعملية".

 

فرضيّات

من 9 إلى 23 يونيو فترة قصيرة جداً كي يحدث انقلاب في الموقف الأوروبي. أن ينتقل الأوروبيون من "وضع العراقيل" أمام طموحات أوكرانيا الأوروبية إلى إزالتها في غضون أسبوعين يثير تساؤلات عن أسباب هذا التحول الجذري، إن حصل فعلاً. قال مسؤول أوروبي رفض الكشف عن اسمه للصحيفة نفسها إنّه خلال الأسبوعين الماضيين تحرّك الأوروبيون لتوسيع الاتحاد بأسرع مما فعلوا خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. طبعاً أمكن ملاحظة تكثيف الزيارات الأوروبية إلى كييف خلال الأيام والأسابيع الماضية (فون دير لاين وماكرون وشولتس ودراغي) لكنّ ذلك لا يقدّم تفسيراً واضحاً عن سبب الموقف المستجدّ.

 

ربّما تريد أوروبا مقابل هذه الترشيح أن تطلق كييف المفاوضات مع روسيا. لن يقول الأوروبيون (الغربيون تحديداً) هذا الكلام مباشرة، لكنّهم سيكونون مسرورين إن دخلوا الشتاء وهم غير قلقين من أزمة طاقة يبدو أنّها متّجهة للمزيد من التصعيد مع روسيا. كما يمكن أن تكون الخطوة الأوروبية تعبيراً عن زيادة الضغط على روسيا كي توقف الحرب، على اعتبار أنّ أوكرانيا تواصل مسار الابتعاد عن روسيا والتوجّه صوب الغرب.

 

في الوقت نفسه، وقياساً بالمواقف الأوروبية السابقة، يبدو أنّ منح أوكرانيا صفة "المرشّح" يعفي أوروبا من انتقادات "مهادنة روسيا" بدون أن تكون مضطرّة للإسراع باستقبال كييف رسمياً في صفوفها في أي زمن قريب. في نهاية المطاف، انتظرت كرواتيا 10 أعوام لدخول الاتحاد. وانتظرت مقدونيا الشمالية 17 عاماً هذا الهدف بعد نيلها صفة "مرشّح"... ولا تزال.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم