إعلان

ما هو إرث ميركل في السياسة الخارجية؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.أب
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.أب
A+ A-

لا شكّ في أنّ ثمّة فارقاً في الإرثين اللذين ستتركهما أنغيلا ميركل داخلياً وخارجياً. في ألمانيا، لا يمكن إنكار مساهمتها في رفع المستوى المعيشي للمواطنين كما في تخطي الأزمات المالية الكبيرة. فبعد أزمة 2008 المالية، قفز الناتج القومي الألماني من ناقص 6% تقريباً إلى أكثر من +4% بعد أقل من عامين. وظلّ نموّ هذا الناتج إيجابياً حتى تفشي فيروس "كورونا" (أصبح -5% سنة 2020). ومن المتوقع أن يعاود الاقتصاد الألماني نموه الإيجابي في 2021 مع أرقام تقديرية تضعه عند +2.5%. لكن في ما خصّ موقع ألمانيا على الصعيد الدولي، يصبح الإرث الإيجابيّ أقلّ وضوحاً.

 

يتّهم البعض ميركل بأنّ سياسة اللجوء التي اعتمدتها، كما سياسة التقشّف القاسية التي فرضتها على دول متعثّرة في الاتّحاد، أدّت إلى بروز الأحزاب الشعبوية في أوروبا. ليس هذا الرأي بعيداً من الواقع، وعلى أيّ حال، دفعت ميركل نفسها جزئياً ثمن هذه السياسة مع تراجع شعبية حزبها وعدم قدرته على استعادتها مع مرور الوقت. حتى أنّ المرشّح الأوفر حظاً لخلافة ميركل في منصب المستشارية هو أولاف شولتز من "الحزب الديموقراطي الاجتماعي". لكنّها بالمقابل، حافظت على وحدة الاتحاد الأوروبي من خلال برامج الإنقاذ المالي، كما أعادت تنشيط الاقتصاد المحلي عبر استقبال اللاجئين واليد العاملة التي وفّروها.   

 

سياستها تجاه روسيا والصين

لم تتمكّن ميركل من تفادي اتّهامات حول غضّ الطرف عن ابتعاد دول مثل بولندا والمجر عن الديموقراطية الليبيرالية. بالمقابل، ترى دول البلطيق وبولندا وأوكرانيا أنّ ألمانيا لا تتفهّم هواجسها من روسيا، ومشروع "نورد ستريم 2" هو أحد الأمثلة على ذلك. ولم ترَ ميركل أي عائق أمام إنجاز هذا المشروع، حتى بعد تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني الذي استقبلته في ألمانيا لعلاجه. هي فرضت عقوبات حقوقية وديبلوماسية على روسيا لكنها فعّلت ديبلوماسيتها مع إدارة بايدن لاستئناف استجرار الغاز الروسي وقد حصلت على إعفاء من العقوبات الأميركية على الشركة الأساسية المشغلة له. ولألمانيا مشاكل كثيرة مع روسيا التي اتهمتها بقيادة حملة تضليل إعلامي ضدها وبقرصنة البوندستاغ كما باغتيال شيشاني على أراضيها سنة 2019. هذا إلى جانب ضمّ روسيا القرم سنة 2014 والحرب المستمرة في شرق أوكرانيا.

 

اعتمدت ألمانيا السياسة نفسها مع الصين. فهي استقبلت معارضين صينيين مثل الدلاي لاما وفرضت مؤخراً قيوداً إضافية على شركة "هواوي" في مسألة الاستثمار باتصالات الجيل الخامس بعد طول تردّد. لكنّ تنفيذ هذه القيود سيعتمد على الإرادة السياسية للحكومة المقبلة. وعلى الرغم من حديث برلين عن أهمية احترام حقوق الإنسان في سياستها الخارجية، لم تمنعها الاتهامات الموجهة إلى الصين في هذا الصدد من صياغة أفضل العلاقات التجارية مع بيجينغ. فالصين هي الشريك التجاري الأول لألمانيا خارج الاتحاد الأوروبي. كذلك، اصطحبت ميركل العديد من ممثلي الشركات المحلية في رحلاتها إلى الصين.

 

وعلى الرغم من مناشدات المقربين من بايدن في تشرين الثاني (نوفمبر) تجميد برلين مفاوضاتها مع بيجينغ حول "اتفاقية الاستثمار الشامل" ريثما تتسلم الإدارة الجديدة منصبها، توصل الألمان والصينيون إلى توقيع اتفاق مبدئي في كانون الأول (ديسمبر) 2020. في نهاية المطاف، تم تعليق الاتفاقية بعد فرض أوروبا عقوبات حقوقية على مسؤولين صينيين ورد بيجينغ بعقوبات أخرى على البرلمان الأوروبي.

 

إيجاد توازن بين المبادئ والمصالح؟

يرى الخبير في "مجلس العلاقات الخارجية" ماتياس ماتيس أنّ سياسات ميركل هي "ميركنتيلية"، (تلاعب ماتيس بالكلمة ليستوحيها من اسم ميركل كاتباً Merkantilism بدلاً من Mercantilism). فبحسب ماتيس، أعطت المستشارة الألمانية الأولوية وبشكل منهجي للمصالح التجارية والجيو-اقتصادية الألمانية عوضاً عن القيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والتضامن داخل الاتحاد الأوروبي. ويشير إلى أنّ حلّ الأزمة اليونانية وفرض سياسات التقشف عليها هدفا إلى حماية ملاءة البنوك الألمانية، كما أنّ غض الطرف عن التحولات التسلطية في المجر وبولونيا حصل جزئياً لحماية مصالح ألمانيا التجارية. ومنطلق العلاقات مع روسيا والصين هو نفسه.

 

يبدو أنّ آخرين يوافقونه الرأي. الباحث في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة دانيال هيغيدوس كتب أنّ دولاً مثل بولونيا والمجر تشكّل جزءاً جوهرياً من التصنيع الألماني-الأوروبي الأوسط وهي وجهة متزايدة للاستثمار الألماني المتزايد في الخارج. يشير هيغيدوس إلى أنّ ترك هذه الدول تنزلق نحو التسلط هو "وصمة عار" على إرث ميركل. لكنّه يحذّر من أنّ خلفاءها سيتحمّلون الوصمة نفسها لو لم يصحّحوا المسار. فتفكير ميركل هو جزء من تفكير نخبويّ ألماني تقليدي يحدّد المصلحة القومية، منذ إعادة التوحيد، بالشروط الاقتصادية. وهذا ما برز في النهجين تجاه روسيا والصين. فحقوق الإنسان وحكم القانون هي قيم من الجميل امتلاكها "لكنّها ليست أساسيّة لتحقيق الأرباح" بحسب كلماته.

 

العلاقات مع واشنطن

ربما كان وصول ترامب إلى البيت الأبيض اللحظة الأصعب بالنسبة إلى ميركل. بعد تلك اللحظة، سافر الرئيس باراك أوباما إلى ألمانيا ليقنعها بضرورة الترشح لولاية رابعة. وقال أوباما حينها إنّه رأى دمعة في عينيها. أدركت ميركل صعوبة السنوات التي كانت تنتظرها. لا يعني ذلك أنّ ميركل كانت مرتاحة في تعاملها مع الإدارات الأميركية السابقة. ففي 2013، تمّ اكتشاف أنّ أجهزة استخبارية أميركية تجسست على المستشارة طوال سنوات. واستدارةُ أوباما نحو آسيا لم تساهم في تعزيز العلاقات الثنائية.

حتى مع افتراض أنّ سياسة "أميركا أوّلاً" للرئيس ترامب، إضافة إلى شخصيّته، فاقمتا أزمة الثقة بين الطرفين، يشير بويان بانجيفسكي في صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى رفض ميركل عرض البيت الأبيض كي تكون أول شخص يتلقى اتصالاً من الرئيس الجديد (حينها) جو بايدن لأنّها كانت في عطلة. وأضاف أنّه ربما كان رفض الاتصال رمزياً لكنّه ليس منفصلاً عن واقع البرودة التي شهدتها العلاقات الألمانية-الأميركية خلال فترة حكمها. ويتوصّل كريستوف هاسلباخ إلى النتيجة نفسها في تقريره الذي نشرته شبكة "دويتشه فيله" الألمانية.

 

بين العالم وأوروبا

مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، ربّما تعاملت ميركل بواقعية مع ثلاث قوى تعتمد عليها في مجال أو في آخر. لكن داخل أوروبا، أمكن المستشارة أن تكون أكثر حزماً في مواقف عدّة. لقد رفضت ميركل مطالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتحقيق استقلالية أوروبية عسكريّة وماليّة، لتجد بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان وبعد صفقة الغواصات مع أوستراليا أنّه كان محقاً. حتى المرشحة السابقة لخلافة ميركل أنيغريت كرامب-كاننباور انتقدت ماكرون في البداية قائلة إنّ الاستقلالية الأوروبية غير واقعية قبل أن تغيّر لهجتها لاحقاً. وإن كانت صفقة الغواصات بين الأميركيين والأوستراليين ضربة إلى فرنسا تحديداً، لا تستطيع ألمانيا عزل نفسها عن الأزمة بين أوروبا القارّيّة والعالم الأنغلوساكسوني.

 

في النهاية، كسبت ميركل تحدّي الإبقاء على وحدة الاتحاد الأوروبي، إلى حدّ بعيد. حتى الأحزاب الشعبوية المشككة في الاتحاد لم تعد تطالب بالانفصال عنه. وحين فشلت في منع الطلاق البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، رفضت أن يكون "بريكست" بلا اتّفاق بين لندن وبروكسل. هذا الاتّفاق ليس مثالياً وقد يفرض تحدياً كبيراً على خليفة ميركل. لكنْ بالنظر إلى مروحة التحديات الخارجية التي لا تنتهي، سيكون هذا الملفّ الأقل إثارة للصداع بالنسبة إليه.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم