إعلان

هل يفكّر بايدن في "بيع" أوكرانيا إلى بوتين؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيسان الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين يستعدان لبدء المحادثات في قمة جنيف، يونيو 2021 - "أ ب"
الرئيسان الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين يستعدان لبدء المحادثات في قمة جنيف، يونيو 2021 - "أ ب"
A+ A-

"السيّد الرئيس (جو بايدن)، لماذا لسنا في "الناتو" بعد؟". كان ذلك سؤال الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي الذي وجّهه خلال مقابلة إعلاميّة إلى نظيره الأميركيّ شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. لن يجد زيلينسكي أجوبة مباشرة عن هذا السؤال. نظرياً، يتعلّق الموضوع بإصلاحات سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة. عملياً، هو يتعلّق بعدم رغبة الغربيّين في صدام مع روسيا.

 

إنّ احتشاد القوّات الروسيّة على الحدود الأوكرانيّة ربما يدفع الغربيين إلى تنفّس الصعداء لقبولهم بتبريد مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) لفترة طويلة. ففي حال وقوع اعتداء عسكري على أي دولة عضو في الحلف، سيتوجب على كلّ الدول الأعضاء الدفاع عنها وفقاً للمعاهدة. والرغبة بتدخّلات عسكرية كهذه، إذا كانت موجودة في الأساس، هي عند حدودها الدنيا اليوم. مع ذلك، انتهى الغرب في سياسته إلى عدم إرضاء روسيا وأوكرانيا معاً.

 

"ركن" أوكرانيا في منطقة رماديّة

قالت وزارة الخارجية الروسيّة مؤخراً إنها سعت للحصول على ضمانات من الغرب بأنه سيتوقّف عن أي نشاطات عسكرية في أوكرانيا وشرق أوروبا، وسيقبل بعدم توسيع الناتو. وأضافت أن الرد من الغرب لم يكن واعداً. بالمقابل، يرى الأوكرانيون أن النيات الغربية في الدفاع عن أوكرانيا لو تعرضت للهجوم غير مطمئنة. تدرك أوكرانيا واقعاً بأنه ما من معاهدة دفاعية تربطها مع الغرب. لكنّ استبعاد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للتدخل العسكريّ مجاناً ليس مريحاً لكييف. على الأقل، كان بإمكان المسؤولين الأميركيين والبريطانيين الاستناد في تصريحاتهم إلى "غموض بنّاء"، وترك كل الاحتمالات على الطاولة حتى ولو كانت الدولتان لن تتدخلا عسكرياً في نهاية المطاف إذا تعرّضت أوكرانيا للاجتياح. لكن على الأرجح، ليس هذا الإعلان فقط هو ما يقلق كييف.

 

من نقاط الخلاف الروسي - الأوكراني طريقة تفسير اتفاقية "مينسك-2". ترى أوكرانيا أن الانتخابات في منطقتي لوغانسك ودونيتسك يجب أن تجري بعد الانسحاب الروسي واستعادة سيطرتها على الحدود. بينما تقول روسيا إنها ليست متورطة أساساً في النزاع. اتخذت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن سلسلة خطوات لتدفع كييف باتجاه القبول باتفاقية مينسك وفقاً للشروط الروسية. فبعد قمة جنيف بين بايدن وبوتين، نصحت نائبة وزير الخارجية فيكتوريا نولاند أوكرانيا بقبول وثائق مينسك، بما فيها "الاستقلالية السياسية" لمنطقة دونباس. وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول)، دعمت نولاند مجدداً اتفاقية مينسك، هذه المرة من روسيا، وما تشمله من "وضع خاص" للمنطقة. وفي أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن نولاند ومدير وكالة "سي آي أي" وليام بيرنز الذي زار روسيا أيضاً تحدّثا عن تنفيذ الاتفاقية و"الوضع الخاص" للدونباس.

 

لهذه الأسباب رأى الباحث في مؤسسة "جيمس تاون" فلاديمير سوكور أن بايدن قدم تنازلات جوهرية لبوتين في الدفع باتجاه تطبيق مينسك وفقاً للتفسير الروسي. وذكر الباحث أن واشنطن أخضعت سياستها الأوكرانية للسياسة الروسية. ولذلك، قررت "ركن" أوكرانيا في منطقة رمادية بين الغرب وروسيا. لكنّ السؤال يبقى عما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقي أوكرانيا في تلك المنطقة الرمادية، أم أنها ستتخلّى عنها لتصبح تماماً في المنطقة الروسية.

 

بالون اختبار

لم يكن سوكور الوحيد الذي لفت إلى تنازلات أميركية في الملف الأوكراني لمصلحة روسيا. في 19 نوفمبر، دعا الأكاديمي في مؤسسة "راند" صمويل شاراب الإدارة الأميركية إلى تغيير نهجها، بما أنها لا تملك الكثير من النفوذ لتغيير حسابات بوتين. وكتب في مجلة "بوليتيكو" أنّ "أفضل أمل لنا" هو دفع كييف إلى القيام بالخطوة الأولى في تنفيذ اتفاقية مينسك، على الرغم من اعترافه بأنّ الاتفاقية فرضتها روسيا على أوكرانيا بقوة السلاح. في تعليق على هذا المقال، أشار الباحث في "معهد أبحاث السياسة الخارجية" ستيفن بلانك إلى وجود "اعتقاد على نطاق واسع في الحكومة الفيدرالية أنّ المقال عبارة عن بالون اختبار طرحه أعضاء إدارة بايدن لتبرير صفقة استباقيّة مع بوتين على حساب أوكرانيا".

 

ليس ضرورياً أن يكون مقال شاراب بالون اختبار رسمياً للسياسة الأميركية المستقبليّة مع روسيا وأوكرانيا، بل يمكن أن يعبّر عن رأي الكاتب حصراً. لكنّ ذلك لا يغيّر واقع أنّ الكثير من الخطوات الأميركية تثير ريبة المسؤولين في أوكرانيا. مقال وزير الدفاع الأوكراني دميتري كوليبو في مجلّة "فورين أفيرز" يوم العاشر من ديسمبر الحالي تحت عنوان "لا تبيعوا أوكرانيا" قد يجسّد أفضل تعبير عن تلك الريبة.

 

ربّما تنطلق إدارة بايدن من حسابات قاسية لخّصها الباحث في "مركز كارنيغي-موسكو" ألكسندر بونوف، حيث لا يريد الأميركيون الحرب في أوروبا، لأنها يمكن أن تؤدي إلى خسارة أوكرانيا واضطرارهم للعودة من موقع ضعف إلى روسيا لحل الأزمة. ومع استحالة الردّ بالقوّة وغياب فاعلية العقوبات الإضافية، ستبدو الولايات المتحدة ضعيفة للمرة الثانية في عام واحد، عقب انسحابها من أفغانستان. في هذه الظروف، من الأفضل العمل على اتفاقيّتي مينسك أو اتفاقيات أخرى بحسب بونوف.

 

"ستتركوننا نموت؟"

ليس مؤكداً ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من تحسين صورتها الرادعة عبر تسوية مع روسيا على حساب أوكرانيا. من المرجّح أن يفاقم هذا النوع من التسويات "جراح" واشنطن التي تكبّدتها وهي تنسحب من أفغانستان. على أيّ حال، تبدو كييف مستعدة نفسياً للاحتمال الأسوأ – أكان اختيار واشنطن تركها في المنطقة الرماديّة أو حتى تحت النفوذ الروسي. منذ أيام قليلة، وفي حديث إلى مجلّة "نيوزويك" الأميركية، قال مصدر مقرّب من الحكومة الأوكرانية فضّل عدم الكشف عن اسمه: "لم يقل الأميركيّون والجميع أيّ شيء عن إرسال قوّات إلى أوكرانيا. لقد قالوا فوراً إنّهم سيعزّزون الجناح الشرقيّ للناتو. ماذا يعني ذلك؟ ستعزلوننا، ستتركوننا نموت؟".   

ولم يختلف حديث السفير الأوكراني في بريطانيا فاديم بريستايكو في توقعاته المتشائمة: "أعتقد شخصياً أنّ أوكرانيا قد تصبح ضحية صفقة كبيرة بين الكبيرين".

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم