إعلان

هل يضمّ بوتين الدونباس قبل 2024؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
A+ A-

كلّ المؤشرات تدلّ إلى وجود نيّة لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بضمّ منطقة الدونباس إلى روسيا، كما فعل سابقاً مع شبه جزيرة القرم. آخر مؤشّر إلى ذلك، المقالة التي نشرها بوتين في 12 تموز (يوليو) على موقع الكرملين جاء فيها: "لقد أصبحتُ على قناعة متزايدة بأنّ كييف ببساطة لا تحتاج إلى دونباس. أوّلاً، لأن سكان هاتين المنطقتين لن يقبلوا أبداً بالقواعد التي جرّبوا (المسؤولون في كييف) ولا يزالون يجرّبون فرضها عبر القوّة، الحصار والتهديدات".

 

وفي حزيران (يونيو) الماضي، كتب بوتين مقالة أخرى في صحيفة "داي تسايت" الألمانية أشار فيها إلى أنّ انفصال أوكرانيا عن روسيا كان مأساة، مشدّداً على رؤية الكرملين في اعتبار تظاهرات 2014 انقلاباً أدّى إلى ظهور انقسامات في أوكرانيا تبعها انفصال القرم. ومع أنّ بوتين نشر مقالته في الذكرى الثمانين للهجوم النازيّ على الاتحاد السوفياتي، والجزء الأكبر منها تركّز على الدعوة إلى نسيان الماضي بين الطرفين وتعزيز شراكتهما الاقتصادية، رأى الكاتب الأوكراني ألكسندر ديمشنكو أنّ محور هذه الدعوة هو حضّ أوروبا على نسيان أوكرانيا.

 

إنّ الحشد العسكري الروسي الضخم على الحدود مع أوكرانيا، الربيع الفائت، والتوترات الغربية - الروسية في البحر الأسود بالقرب من شبه جزيرة القرم تضاعف عوامل التصعيد الذي قد ينتهي بتحرّك روسيّ لضم الدونباس، كما حصل في 2014 مع القرم. لكنّ كلّ هذه التطورات والخلافات الاستراتيجية حول موقع أوكرانيا من الصراع الروسيّ - الأطلسيّ، على الرغم من أهميتها، قد تلعب دوراً ثانوياً في تأجيج التوتّر. في السنوات القليلة الماضية، وتحديداً منذ سنة 2018 تاريخ سنّ قانون إصلاح النظام التقاعدي في روسيا، انخفضت شعبية بوتين إلى أدنى مستوياتها. وكانت هذه الشعبية قد وصلت إلى رقم قياسي بلغ 88% بعد ضمّ القرم. لكنّ استعادة بعض من الشعبية المفقودة لا يمكن أن تفسّر كل الصورة.

 

"الرجل - القوي الضعيف"

تيموثي فراي، وهو أستاذ السياسة الخارجية في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في جامعة كولومبيا، قدّم صورة مناقضة إلى حد كبير لما يقدّمه المراقبون حين يتحدثون عن صورة الرئيس الفائق القوة الذي يحكم الكرملين. كتب فراي مقالة في عدد أيار/حزيران (مايو/يونيو) من مجلّة "فورين أفيرز" تمّت مواءمتها من كتابه "الرجل - القوي الضعيف: حدود القوة في روسيا بوتين" (2021)، ليظهر أنّ الرئيس الروسيّ ليس كلّيّ القوة وفقاً للسردية الشائعة.

 

فهو كجميع الأوتوقراطيين، يواجه تهديدات مزدوجة من انقلاب تشنّه النخب في دوائر القرار، أو من ثورة شعبية. كما تصبح أدوات بوتين التي استخدمها للتوفيق بين الأهداف المتناقضة القاضية بإرضاء النخب كي لا تنقلب عليه، وبإرضاء الشعب كي لا يثور عليه، أقلّ فاعلية. ففي الدول غير الديموقراطية، كان احتمال أن يتعرّض القادة للإطاحة على يد النخب ضعفي احتمال تعرضهم للإطاحة على يد الشعب وفقاً لدراسة شملت فترة 1945 و2012. وأضاف فراي: لقد أضعف بوتين المؤسسات كالمحاكم والأحزاب والبيروقراطيين حتى لا تستطيع تقييده، وهذا يعني أنّه لم يعد باستطاعته الاعتماد عليها كي تولّد النموّ الاقتصادي وتحل النزاعات الاجتماعية أو تسهّل خروجه السلميّ من السلطة.

 

ويواجه بوتين أيضاً معضلة أخرى في السياسة الخارجية. قد تؤدّي سياسة متجرّئة إلى رفع شعبيته في المرحلة الأولى. لكن مع ازدياد العقوبات، ونفور المستثمرين الأجانب من روسيا، سيتدهور الوضع الاقتصادي مجدداً مطلقاً حالة من استياء شعبي. ولا يرى فراي في ازدياد القمع ضد المعارضين أمراً إيجابياً لبوتين، لأنّ هذه الظاهرة تجعله معتمداً عليها بما أنّها تديم المشكلات التي خلقتها في المقام الأول، كما تجعله معتمداً أكثر على الأجهزة الأمنيّة، وهو أمرٌ سلبيّ على المدى البعيد في حسابات الحفاظ على موقعه.  

 

إيجابيات ومحاذير

انطلاقاً من هذه النقاط، قد يكون ضمّ الدونباس خطوة ضرورية لبوتين من أجل تعزيز تماسك النظام أو شبكة الحكم التي أسّسها طوال عقدين من الزمن. تسمح خطوة كهذه بتشتيت أنظار الروس عن المشكلات الاقتصادية وبإرضاء نخب أمنية وعسكرية تطمح، كما بوتين، إلى استعادة أمجاد روسية سابقة. بذلك، يطيل بوتين فترة ولاء قسم من حكومته له، مع ما يعنيه الأمر من تجديد لجزء وازن من أدوات حكمه. ويمكن لهذه الخطوة أن تخفّف من حدّة الاستياء الشعبيّ، وهو بدوره يخفّف الضغط أيضاً على الأجهزة الأمنية. بهذا المعنى، يكون بوتين قد قلّص "التهديد المزدوج" الذي كتب عنه فراي. لكن لهذه الخطوة محاذيرها أيضاً.

 

حين وصلت شعبية الرئيس الروسي إلى 88%، لم يكن ضمّ القرم العامل الوحيد في هذه النتيجة. كان ارتفاع سعر برميل النفط العالمي أساسيّاً في ترسيخ رخاء اجتماعي أعطى الروس ترف دعم سياسة خارجية متشدّدة. والعودة المستقبلية إلى هذه الأسعار المرتفعة لبرميل النفط صعبة، إن لم تكن مستحيلة. بذلك، سيكون استرجاع جزء من هذه الشعبية بعد عملية محتملة في شرق أوكرانيا محدوداً زمنياً. لكنّ ذلك قد لا يمنع بوتين من اللجوء إلى "نافذة الفرصة" هذه في نهاية المطاف. ربّما يحصل هذا الأمر قبل فترة قصيرة من انتخابات 2024.

 

من خلال الأرقام التي قدّمها فراي بناءً على استطلاعات رأي، انخفض عدد الروس الذين يؤيدون ولاية خامسة لبوتين من 70% في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، إلى 48% في شباط (فبراير) 2021. لا تعني هذه الأرقام – إن صحّت وثبتت – أنّ هناك خطراً على بوتين في خسارة الانتخابات الرئاسية. لكن بالمقابل، إنّ فوزاً باهتاً للرئيس الروسيّ سنة 2024، لن يلبّي طموحه فعلاً، هذا إن لم يظهره في موقع ضعف.

 

من الناحية النظرية، لا يحتاج بوتين في الوقت الحالي إلى التحرّك عسكريّاً في الدونباس، مع وجود احتمال كبير في أن يرتدّ عليه الأمر سلباً على المدى البعيد. يمكن قراءة التحرّكات العسكريّة والمقالات السياسيّة للرئيس الروسيّ اليوم على أنّها إعداد نفسيّ للداخل والخارج لتقبّل تحقّق هذا الهدف في المستقبل، وليس بالضرورة أن يكون في المستقبل القريب.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم