إعلان

هل استوجب "القلق" بشأن أسترازينيكا كل هذه الفوضى؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
"أ ب"
"أ ب"
A+ A-

في وقت كانت أوروبا بحاجة إلى تسريع عمليات التلقيح البطيئة أصلاً، أعلنت أكثر من 12 دولة مطلع الأسبوع تعليق استخدام لقاح "أسترازينيكا" بعد إصابة عدد محدود من متلقيه بتجلطات دموية. حتى 14 آذار (مارس)، كانت نسبة التلقيح في الاتحاد الأوروبي 11% في مقابل 32% في الولايات المتحدة و38% في بريطانيا. لم تفشل أوروبا في شراء كمية كافية من اللقاحات في وقت مبكر وحسب، بل أخفقت أيضاً في توزيع ما هو متوفر لديها.

 

مع تعليق استخدام لقاح "أسترازينيكا" دخلت بروكسل في دوامة جديدة من التباطؤ. تم تسجيل حالات عدة من تجلط الدم في النمسا والدنمارك وإيطاليا والنروج وألمانيا بعد تلقي اللقاح. في البداية، أبلغت النمسا حصول بعض حالات التجلط الرئوي، لكن لدى المتقدمين بالسن. بعدها، ذكرت ألمانيا وجود حالات تجلط لدى بعض من هم دون الخمسين، ما زاد مخاوف المسؤولين الصحيين.

 

لكنّ وكالة الأدوية الأوروبية ذكرت أنه تم تسجيل 30 حالة من الانسداد التجلطي من أصل 5 ملايين شخص طُعموا باللقاح نفسه ضد "كورونا". وقالت الوكالة إن هذه النسبة ليست أعلى من المعدل العام للإصابة بالتجلطات. لهذا السبب، وجدت مجلة "إيكونوميست" أن هذا اللقاح آمن بشكل "شبه مؤكد". لكنها لم تنفِ احتمال وجود تسييس في الموضوع.

 

مؤشرات

في كانون الثاني (يناير)، أعلنت شركة "أسترازينيكا" النرويجية - البريطانية أنها لن تستطيع توفير عدد كاف من اللقاحات للاتحاد الأوروبي كما أمِلت، ما أطلق خلافاً حاداً بين أوروبا وبريطانيا وبين الدول الأوروبية والشركة المصنعة للقاح في بروكسل. نقلت صحيفة ألمانية عن مصادر لم تذكرها تشكيكها بفاعلية اللقاح لمن تتخطى أعمارهم 65. وثبت خطأ هذه المزاعم لاحقاً. وضخّم ماكرون هذا الزعم أيضاً قبل أن يتراجع عن كلامه لاحقاً، ثم يعاود الانضمام إلى لائحة الدول المعلقة للّقاح. لم تكن "إيكونوميست" الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تطرقت إلى احتمالات التسييس.

 

ذكرت وكالة "رويترز" منذ يومين أن أبعاد إقحام السياسة في هذا الملف الصحي ظهرت داخل ألمانيا وخارجها. عالم الفيروسات المشهور في تلك البلاد كريستشان دروستن قال: "نحن بحاجة لهذا اللقاح" بسبب توقعات عودة الارتفاع بالإصابات بحلول عيد الفصح، وهو ما قد يعرّض من هم فوق الستين للمخاطر. وقال أستاذ علم الفيروسات في جامعة ريدينغ البريطانية آيان جونز إنّ قصة تجلط الدم "تداولها سياسيون لا يعلمون الفارق بين فيروس وآخر". وفي حديث للوكالة نفسها حذّر من أنّ الأمر يشبه تساقط أحجار الدومينو. "أنت تحتاج إلى (دولة) واحدة أو اثنتين لإعلان أن هناك مشكلة، وعندها ستتبعها الكثير من (الدول) الأخرى. لا أعتقد أنه كان هناك أي قرارات مستقلة".

 

كبش فداء

رأى كثر أنّ البيانات المتوفرة لم تكن تستدعي فترة التعليق هذه. خبير الأمراض المعدية في جامعة كاليفورنيا سان دييغو دايفي سميث أبدى حيرته من قرار الحكومات الأوروبية وقف استخدام هذا اللقاح. وقال في حديث إلى مجلة "فوربس": "لم أرَ أي بيانات لفهم سبب توقفها (عن التلقيح)". وأضاف: "سيصاب الناس بتجلطات في الدم، لأنهم سيصابون بها مع اللقاح أو بدونه".

 

وحتى لو كان الأمر مرتبطاً ببيانات تملكها تلك الدول وحدها، وقررت بناءً عليها وقف استخدام اللقاح، فسيكون هنالك مشكلة شفافية كما أوضح. كذلك، نقلت المجلة عن شركة "باركليز" للاستثمارات تقريراً وجد أن معظم الجدل المثار حول "أسترازينيكا" ذو طبيعة سياسية وأن بعض السلطات الأوروبية "كانت تفتش عن شخص تلومه بسبب الإحباط الأساسي في عمليات التلقيح".

 

انتقادات رسمية للرسميين

للمفارقة أن الانتقادات التي وُجهت للقرارات الأوروبية لم تصدر عن خبراء صحيين وحسب، إذ علت الأصوات المنتقدة حتى من داخل المؤسسات الرسمية الأوروبية واستندت إلى إشكاليات منطقية. المسؤول في المفوضية الأوروبية سيلفان جيرو غرد، الثلثاء، متعجباً من أسس القرار: "ما نفع امتلاك مؤسسات علمية مثل (وكالة الأدوية الأوروبية) ومنظمة الصحة العالمية إذا كانت القرارات المرتبطة باللقاحات متخذة بناءً على أسس سياسية؟".

 

وتعارضت قرارات أوروبا مرتين مع الوكالة الأوروبية والمنظمة العالمية. الأولى حين قررت عدم إعطاء اللقاح لمن هم فوق 65 عاماً والثانية حين قررت تعليق جميع عمليات التلقيح. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت الثلثاء على لسان كبيرة علمائها سميّا سواميناثان أنّ منافع اللقاح أكبر بكثير من أضراره الجانبية، وأنه لم يتم رصد علاقة سببية بين اللقاح والتجلطات. وأكدت في الوقت نفسه أن التحقيقات الطبية مستمرة.

 

احتياط وحذر

رد السفير الأوروبي في المملكة المتحدة جواو فالي دي ألميدا على الانتقادات قائلاً لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إنه حين تظهر الشكوك "يسود مبدأ التحوّط".

 

يبدو أن مبدأ التحوط لم يكن مبنياً في جميع الدول المحتاطة على دراسات ومراقبات محلية. فرنسا اتّخذت قرار تعليق التلقيح بناءً على نصيحة من ألمانيا. وهكذا فعلت إيطاليا. وقال المدير العام لوكالة الأدوية الإيطالية نيكولا ماغريني إن التعليق "خطأ ذو دوافع سياسية". الأسوأ أن تعليق إيطاليا للقاح "أسترازينيكا" أتى بعد ساعات قليلة على تطمين رئيس وزرائها ماريو دراغي مواطنيه بأن لا صلة مثبتة بين التجلطات واللقاح. والأمر نفسه حدث مع وزير الصحة الفرنسي أوليفييه فيران. في المقابل، واصلت دول أوروبية مثل بلجيكا وتشيكيا وبولونيا إعطاء اللقاحات لسكانها.

 

وقالت خبيرة الأوبئة في كلية جونز هوبكينز بلومبيرغ للصحة العامة إن التوقف عن التلقيح من أجل مراجعة البيانات أمر حسن. "لكن ما يعنيه التعليق هو خسارة التقدم في حماية الناس ضد جائحة مميتة، لذلك، هنالك بعض الخسارة في ذلك". المخاوف نفسها نقلتها "نيويورك تايمز" عن الباحث البارز في الصحة العالمية في جامعة ساوثمبتون مايكل هيد: "من حق الناظمين التحقيق في الإشارات المرتبطة بالسلامة. لكن تعليق عمليات التلقيح خلال جائحة، حين يكون هنالك الكثير من حالات "كوفيد-19"، هو قرار درامي جداً كي يتم اتخاذه، وأنا لا أفهم لماذا عليك فعل ذلك".

 

كانوا محقّين

عاودت 12 دولة أوروبية استئناف عمليات التلقيح يوم الجمعة، بعدما خلصت وكالة الأدوية الأوروبية والوكالة البريطانية لتنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية إلى أن فوائد اللقاح في حماية الناس من الموت بكورونا أو دخول المستشفى تفوق مخاطره المحتملة. مع ذلك، قالت الوكالة إنه لا يزال غير ممكن استبعاد الصلة بين حالات التجلط الدموي واللقاح "بشكل قطعي"، متعهدة الاستمرار في عمليات التقصي والمراجعة بالاشتراك مع الوكالة البريطانية لتنظيم الأدوية.

 

كيف ستُخرج أوروبا نفسها من هذا التخبط في القرارات الصحية مسألة قيد المتابعة؟ لكنّ هناك دولاً خارج القارة العجوز علقت أيضاً عمليات التلقيح متبعة خطى بروكسل، الأمر الذي عرقل معركة مواجهة "كورونا" المتعثرة أصلاً حول العالم. ومشكلة التعليق أنها تخلق فراغاً يسمح بانتشار سرديات أخرى توسع الشكوك حول "أسترازينيكا" وربما حول لقاحات أخرى وفقاً لـ"فوربس". إن لم تكن السياسة قد وقفت خلف تعليق اللقاح، فقد تبيّن على الأقل أنّ الخبراء كانوا محقين في اقتراحهم لمعالجة مسألة المخاوف من سلامة اللقاح: مراقبة وتحليل البيانات عن كثب من دون وقف عمليات التلقيح، لأن حالات التجلط المتزامنة مع تلقي "أسترازينيكا" هي نادرة جداً وأندر حتى من الوفيات التي تتسبب بها الجائحة نفسها.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم