إعلان

هل يقود ماكرون أوروبا في المرحلة العصيبة المقبلة؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
 الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوجبه كلمة متلفزة إلى الشعب الفرنسي ، آذار 2021 - "أ ب"
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتوجبه كلمة متلفزة إلى الشعب الفرنسي ، آذار 2021 - "أ ب"
A+ A-

منعطف أساسيّ ينتظر الاتحاد الأوروبي في مسيرته السياسيّة. صدمة الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان، وتردّي علاقته بالصين مؤخراً، والانتخابات الألمانية المقبلة، تجتمع في توقيت واحد لتفرض على الأوروبيين الاستعداد لاتّخاذ قرارات مفصليّة. طبعاً هنالك مشكلات أخرى مثل العلاقات السياسيّة المتوتّرة مع بريطانيا بفعل "بروتوكول آيرلندا" ومشكلة التضخّم، علماً أنّ الأخيرة ليست محصورة في الاتحاد.

 

عددٌ من الخيارات مطروح أمام بروكسل أبرزها: تأسيس قوّة عسكريّة وهي فكرة تحمّس لها كثيراً الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، وإنشاء "مبادرة حزام وطريق" خاصة بها، وهو ما أعلنته منذ يومين المفوّضيّة الأوروبيّة تحت اسم "البوابة العالمية". إنّ نجاح هذه المبادرات أو فشلها يتعلّقان جزئياً بالموقع الذي تريده أوروبا لنفسها في المرحلة المقبلة.

 

على مسافة واحدة من الجبّارين؟

بالنسبة إلى "البوابة العالمية"، لم يكن المشروع في الأساس منفصلاً عمّا طرحته مجموعة السبع في بريطانيا منذ شهرين، لتأسيس مبادرة تواصل عالميّ في مواجهة المبادرة الصينية. في ذلك الوقت، وقبل تفجّر الفوضى الأفغانيّة والخلافات الأميركية - الأوروبية حول الموضوع، استوحت مجموعة السبع مبادرتها من شعار بايدن الانتخابي "إعادة البناء بناءً أفضل" لتطلق مشروع "إعادة بناء العالم بناءً أفضل". ولا هي منفصلة أيضاً عن عقود مشابهة وقّعتها بروكسل منذ سنوات قليلة مع اليابان والهند حول النقل والطاقة والترابط الرقمي، وهما دولتان على تباين استراتيجيّ مع الصين.

 

أحد الأسئلة الأساسية المطروحة على بروكسل اليوم بعد الانسحاب من أفغانستان: هل ستبتعد أكثر عن الولايات المتحدة وتتّخذ موقفاً وسطياً بين واشنطن وبيجينغ؟ رجّح مراقبون مواصلة الاتحاد الأوروبي بحثه عن التوازن في العلاقات بين القطبين لأسباب اقتصادية، ولتفادي الانجرار نحو صراع جيو-سياسيّ قاسٍ. هذا على الأقلّ في المدى القريب.

 

اليوم، قد تجد بروكسل تحقيق التوازن أسهل. فبحسب المنظور الأوروبي، أميركا هي التي تبتعد عن أوروبا لا العكس، كما أنّ واشنطن نفسها بدأت ترسل مؤشّرات إلى استعدادها للتقرب من بيجينغ. يخفّف هذا التطوّر من العبء على أوروبا كي تفتّش عن مصلحتها في ساحة دوليّة ضبابيّة. بانتظار توضّح هذه الصورة، قد يكون الحفاظ على مسافة متساوية بين الطرفين أحد الخيارات الأولى لدى أوروبا.

 

ينتظر تبلور المعطيات نتائج الانتخابات التشريعية في ألمانيا بعد أقلّ من أسبوعين، حيث يجد حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نفسه في موقف صعب. لكن بصرف النظر عن هوية الفائز، من المتوقّع بالتوازي مع الفترة الانتقالية في ألمانيا أن يكون لفرنسا الدور الأبرز في توجيه الدفة الأوروبية. وبإمكان ماكرون الاستناد إلى زخم الفوضى الأفغانية من أجل الترويج لرؤيته... وصوابية أفكاره.

 

"بصيرة مذهلة"

في عدد 4 أيلول (سبتمبر)، تبيّن مجلّة "إيكونوميست" البريطانية تطوّر النظرة الأوروبية إلى ماكرون. حين تحدّث الأخير في 2017 عن ضرورة تحقيق "السيادة الأوروبية" و"إمكانية التحرك باستقلالية"، قوبل كلامه بالتوتر في ألمانيا التي نظرت إليه كديغوليّ آخر يحاول تقويض حلف شمال الأطلسيّ والحلول مكان الولايات المتحدة كضامن للأمن الأوروبي. للمفارقة، كانت فرنسا أوّل من سارع إلى إجلاء مواطنيها وبعض الأفغان بدءاً من أيّار (مايو)، حتى أنّ السفارة الفرنسيّة في أفغانستان حذّرت مواطنيها، قبل شهر من سقوط كابول، من أنّ فرنسا لن تعود قادرة على ضمان خروجهم الآمن. حينها أيضاً، اتُّهمت فرنسا بالانهزامية.

 

بعد الانسحاب الفوضوي، تابعت المجلّة، بدأ الأوروبيون يعترفون بصحة أفكار ماكرون. السفير البريطاني السابق في فرنسا لورد ريكتس قال إنّ خطط الفرنسيين أظهرت "بصيرة مذهلة". واقترح وزير الدفاع البريطاني انضمام قواته إلى تحالفات مختلفة. وقال المرشّح المحافظ لخلافة ميركل أرمين لاشيت إنّ الانسحاب كانت "أعظم كارثة واجهها الناتو منذ تأسيسه". وهذا اعتراف ضمنيّ من الأوروبيين بأنّ ماكرون كان على حق.

 

إمكانات استخباريّة وتحليليّة

في هذا الوقت، أعلنت فرنسا، الخميس، أنّها تمكّنت من اغتيال زعيم تنظيم "داعش" في الصحراء الكبرى عدنان أبي وليد الصحراوي الذي وصفته بأنّه "العدو الرقم واحد" في تلك المنطقة. وأمر الصحراوي بقتل ستة عمال إغاثة فرنسيين، إضافة إلى زملائهم النيجريين السنة الماضية، كما كان مسؤولاً عن هجوم في 2017 قُتل فيه أربعة جنود أميركيين وأربعة آخرون من النيجر. لن يغيب إنجاز أمنيّ فرنسيّ بهذا المستوى عن بال كثر، خصوصاً إذا تبيّن أنّ فرنسا تمكّنت من جمع المعلومات عن مكان وجود الصحراويّ باستقلاليّة عن الأميركيّين.

 

فتقرير الـ"إيكونوميست" نفسه أشار إلى حاجة الفرنسيّين الأمنيّة للولايات المتحدة في منطقة الساحل. لا يعني اغتيال الصحراوي أنّ فرنسا حقّقت الاستقلاليّة الاستخباريّة، وهو أمر غير مطلوب أساساً في عالم مكافحة الإرهاب، لكنّه على الأقلّ مؤشّر إلى أنّ باريس حقّقت خرقاً مهمّاً في هذا المجال.

 

وبالحديث عن المكاسب الاستخباريّة، ثمّة تحليل آخر يظهر سبب تمتّع فرنسا بـ"البصيرة" وبقدرتها على توقّع انهيار حكومة كابول بدءاً من أيّار (مايو) الماضي. بحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، تقاسم الأميركيون والفرنسيون المعلومات الأمنية نفسها. لكن ما ميّز باريس عن واشنطن تمتّع مسؤوليها بقراءة غير عاطفية لتلك المعلومات. وأشاد مسؤول فرنسيّ رفيع بمحلّليه قائلاً إنّ فارقاً في التحليل لا في المعلومات صنع الفرق، حيث استعدّ الفرنسيّون للسيناريو الأسوأ. وقال محلّلون آخرون للصحيفة عينها إنّ بقاء فرنسا بعيداً نسبيّاً من الحوادث يجعل المقاربة الموضوعيّة أكثر احتمالاً، وإنّ الأميركيين غرقوا في "التفكير الرغبويّ" القائم على تطمينات غير صحيحة من الجيش الأفغانيّ، وعلى إيمان واشنطن باستثمارها في ذلك الجيش. 

 

استحقاق ماكرونيّ

يصعب الجدال في أنّ فرنسا حقّقت إنجازات بارزة في سياستها الدوليّة خلال الأشهر القليلة الماضية. وماكرون المستفيد الأوّل. في خطاب "حالة الاتحاد" الذي ألقته الأربعاء، أعلنت رئيسة المفوّضيّة الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن سعي أوروبّا لتعزيز إمكاناتها العسكريّة بعد انهيار الحكومة الأفغانية. وسيترأس ماكرون "قمة حول الدفاع الأوروبي" خلال رئاسة فرنسا للتكتّل بدءاً من السنة المقبلة. لا شكّ في أنّ الآذان الأوروبية ستكون أكثر إصغاءً لماكرون هذه المرّة.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم