إعلان

بوتين يشكر بايدن... لحظة انتصاره في جنيف؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيسان الأميركي والروسي يتبادلان التحية في جنيف - "أ ب"
الرئيسان الأميركي والروسي يتبادلان التحية في جنيف - "أ ب"
A+ A-

انتهت قمّة جنيف بفوز مبدئيّ للديبلوماسية. مدى استدامة هذا الفوز مسألة خاضعة للمراقبة. قرّر الرئيسان الأميركيّ جو بايدن والروسيّ فلاديمير بوتين إعادة سفيريهما إلى واشنطن وموسكو، منهيين بذلك "حرب السفارات" التي اشتعلت في السنوات القليلة الماضية عند كلّ أزمة. ليس واضحاً موعد عودة السفيرين بحسب ما قاله بوتين في المؤتمر الصحافيّ الذي عقده بعد اللقاء، لكنّ المهمّ أنّ الاتّفاق قد تمّ. وهذا يُحسب للرئيسين. كانت لهجة بوتين وبايدن هادئة في إشارة إلى أنّهما يريدان تأسيس بداية جديدة للعلاقات بين الطرفين. لكن في الوقت عينه، لم يتوقّع أيّ منهما انطلاقة سريعة لها.

 

أدبٌ وسقطة

حين سئل بوتين عن توقّعاته للعلاقات مع الولايات المتحدة، استعار في ما يبدو جملة من الأدب الروسيّ: "لا سعادة في الحياة. هنالك فقط سراب في الأفق. فلنقدّر ذلك". من جهته، وفي سقطة لافتة مع الإعلام، غضب بايدن من سؤال مراسلة شبكة "سي أن أن" كايتلان كولينز عن السبب الذي يجعله "واثقاً" بأنّ بوتين سيغيّر سلوكه. أجاب بايدن: "لست واثقاً من أنّ بوتين سيغيّر كلامه. ماذا بحقّ الجحيم، ماذا تفعلون طوال الوقت؟".

 

وحين حاولت كولينز طرح المزيد من الأسئلة، اقترب بايدن منها رافعاً إصبعه متابعاً: "متى قلت إنّني كنت واثقاً؟ فلنفهم الأمر بطريقة واضحة. قلتُ إنّ ما سيغيّر سلوكهم هو إذا ردّ عليهم سائر العالم وقلّص مكانتهم في العالم. لست واثقاً من أيّ شيء. أنا فقط أذكر واقعاً". عاد بايدن ليعتذر لاحقاً عن انفعاله. لكن في المضمون، يتّفق الرئيس الأميركيّ مع نظيره الروسيّ حول عدم الرهان كثيراً على مستقبل إيجابيّ للعلاقات. ربّما يخدم خفضُ سقف التوقّعات الدولتين كلتيهما بما أنّ العديد من نقاط التوتّر يمكن أن تدهور العلاقات مجدّداً.

 

"فاز الجميع"؟

في هذا الإطار، يعتقد ناشر مجلّة "ناشونال إنترست" جايكوب هايلبران أنّ كلا الرئيسين خرج فائزاً من قمّة الأمس. فبايدن أظهر أنّه تمكّن من التحكّم بالأمور على المسرح الدوليّ، كما أنّ بوتين يهتمّ بهذا الجانب. وفاز كلاهما أيضاً بمجرّد تفادي الانزلاق إلى نوع من "الدراما". كذلك، انتقد هايلبران المتشدّدين الأميركيّين تجاه روسيا والذين قالوا إنّ بايدن أهدى بوتين "طاعة" بمجرّد لقائه به. غير أنّ بايدن أبدى مفهوماً واقعيّاً لما يمكن تحقيقه في القمّة، كما عزّز دعم مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسيّ قبل لقاء بوتين بحسب الكاتب.

 

يؤمن بايدن بدور فريقه الديبلوماسيّ في الاستعداد للّقاءات الدوليّة، بينما اعتقد سلفه بأنّه قادر على التعامل مع نظرائه الدوليّين بفعل خبراته التفاوضيّة في عالم الأعمال. وكان متوقّعاً أيضاً ألّا يقع بايدن في الأخطاء التي ارتكبها ترامب خلال قمّة هلسينكي عندما شكّك بوجود أسباب تدفع روسيا إلى التدخّل في الانتخابات الرئاسية، قبل أن يتراجع عن ذلك لدى عودته إلى واشنطن. مع ذلك، يصعب إسقاط الانتقادات التي طاولت بايدن. فتعزيز دور مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسيّ قبل لقاء بوتين ربّما لم يذهب أبعد من الإطار المشهديّ وعدسات التصوير. الخلافات بين مجموعة السبع واضحة تجاه كيفيّة التعامل مع الصين ويمكن أن تمتدّ أيضاً إلى النظرة تجاه روسيا.

 

فعبر رفض إدارته فرض عقوبات على الشركة المشغّلة لمشروع "نورد ستريم 2"، قدّم بايدن هديّتين لا هديّة واحدة إلى بوتين: ضمان استمرار مشروع مربح للروس مادّيّاً واستراتيجيّاً، وتعزيز الخلاف بين الأوروبيين. فهنالك ثماني دول أوروبية ترفض "نورد ستريم 2" لأنّه يعطي الروس نفوذاً في شرق القارّة. حتى الرئيس الأوكرانيّ قال إنّه كان من الأفضل أن تتشاور واشنطن مع كييف قبل عقد القمّة. في الواقع، لم يتشاور بايدن حتى مع حلفائه الأوروبيين قبل إعلان نيّته ملاقاة بوتين.

 

خبرة ومقارنة وتسخيف

تعامل بوتين مع أربعة رؤساء أميركيّين طوال فترة تولّيه السلطة خلال العقدين الماضيين. تمكّنه هذه الخبرة من التحدّث إلى بايدن بأريحيّة. من جهة ثانية، يمكن بوتين الاستناد إلى الأوضاع الداخليّة الأميركيّة للقول إنّ الولايات المتحدة لا تستطيع تلقين روسيا دروساً في حقوق الإنسان وفي طريقة التعامل مع المعارضين. بالفعل، قال بوتين خلال إجابته على أسئلة الصحافيّين في هذا الشأن، إنّه أراد تفادي فوضى داخليّة شبيهة بتلك التي صدرت عن مجموعة "حياة السود مهمة" بعد مقتل جورج فلويد. "ما رأيناه كان فوضى، اضطراباً، انتهاكات للقانون، إلخ. نشعر بالتعاطف مع الولايات المتحدة الأميركيّة، لكنّنا لا نريد أن يحصل ذلك على أرضنا وسنبذل قصارى جهدنا لمنع ذلك من الحدوث". وشكّك أيضاً بشرعيّة اعتقال ومحاكمة مقتحمي الكابيتول في السادس من كانون الثاني (يناير) الماضي. من غير المستبعد أن تعني كلمة "تعاطف"، في القاموس الروسيّ، "الشفقة".

 

لكنّ بايدن ردّ على المقارنة واصفاً إيّاها بـ"السخيفة"، قائلاً إنّ هنالك فرقاً بين اقتحام الكابيتول وقتل شرطيّ وبين أشخاص ينظّمون مسيرة نحو المبنى ويقولون "أنت لا تسمح لنا بالتحدث بحرّيّة"، في إشارة إلى ما تفعله السلطات الروسيّة مع معارضين يطالبون بحرّيّة التعبير.

 

قد يهدأ تبادل الاتّهامات قريباً بشأن الأوضاع الحقوقيّة في كلا البلدين لمصلحة القضايا الثنائيّة والدوليّة التي تكتظّ بها الأجندة المشتركة. وعلى أيّ حال، يبدو أنّ روسيا قد اعتادت على الاتّهامات بانتهاك حقوق الإنسان، خصوصاً أنّها لم تعد تستدعي ردود فعل غربيّة قياساً بالسابق. فبعد تسميم المعارض ألكسي نافالني، لم توقف ألمانيا مشروع نقل الغاز الروسيّ إلى أراضيها.   

 

عن "الشكر"

في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن الخرق الديبلوماسيّ، يبدو أنّ بوتين حقّق هدفه الأوّل من القمّة. في مجلّة "تايم" الأميركيّة، كتب براين بينيت أنّ بايدن أعطى بوتين المسرح الدوليّ الذي سعى إليه عبر إظهار أنّ الولايات المتحدة وروسيا دولتان متساويتان. ولفت بينيت النظر إلى شكر بوتين نظيره الأميركيّ لأنّه قام بالمبادرة لعقد هذه القمّة، ممّا يعني أنّ الأخيرة تمّت بطلب من الأميركيّين لا الروس. وهذه نقطة مهمّة بالنسبة إلى بوتين الذي يقول لجمهوره إنّ روسيا أصبحت لاعباً دوليّاً تطلب الولايات المتحدة عقد قمّة معها. بهذا المعنى، ربّما يشكّل "شكر" بوتين نظيره الأميركيّ على "مبادرته" الانتصار الشكليّ، لكن المهمّ، الذي تاق إليه الرئيس الروسيّ منذ فترة.  

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم