إعلان

كيف عرّى بوتين عجز أوروبا؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - "أ ب"
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - "أ ب"
A+ A-

الأجواء السلبيّة تخيّم فوق الاتّحاد الأوروبيّ. أطاحت أزمة توفير اللقاحات بالكثير من سمعته. لم يُخفق في إدارة التفاوض مع شركات اللقاحات بشكل ناجح وحسب، بل فشل أيضاً في حسن توزيع ما توفّر منها. الولايات المتّحدة التي حكمها رئيس وُصف بالمعادي للعلوم تحقّق نجاحاً نسبيّاً في هذا الملفّ. لكنّ المشكلة الأمضى تكمن في أنّ بريطانيا، الجارة المنفصلة حديثاً عن عضويّة الاتّحاد، تسبقها بفارق كبير في هذا الإطار. وبات بإمكان رئيس وزرائها بوريس جونسون الذي وُصف هو الآخر بالشعبويّ، أن يتباهى بحنكته السياسيّة وحسن تعامله مع الجائحة و"إنقاذ" بلاده من بيروقراطيّة بروكسل في أكثر لحظات بلاده حساسيّة.

 

إلى جانب الملفّ الصحّيّ، تواجه بروكسل مشكلة أخرى تتعلّق بكيفيّة التعامل مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. يريد الأوروبيون دمج مسألة حقوق الإنسان في سياستهم الخارجيّة. وضعَ تسميم ثمّ اعتقال المعارض الروسيّ ألكسي نافالني هذا الهدف على المحكّ. بات الأوروبيون أمام تحدّي الحفاظ على مبادئهم من دون التسبّب بقطيعة مع الكرملين. طبعاً كلمة "أوروبّيّين" فضفاضة جدّاً هنا. فهي تدلّ إلى أنّ جميع حكومات الاتّحاد تملك رؤية واحدة لهذا الموضوع، وهذا غير دقيق. وليست هذه المرّة الأولى التي يفتقد فيها الاتّحاد إلى سياسة متجانسة تجاه أحد الملفّات. ولعلّ السلوك التركيّ في شرق المتوسّط هو أبرزها. وشكّل التعامل مع روسيا نقطة خلاف أساسيّة حتى منذ ما قبل اعتقال نافالني، قبل أن يعمّقها الحدث الأخير.

 

انقسامات عميقة

أمّنت عمليّة الاعتقال فرصة لألمانيا كي توقف العمل بمشروع خط أنابيب "نورد ستريم-2" لنقل الغاز من روسيا. يسمح هذا الخط بتفادي روسيا دفع رسوم الترانزيت إلى دول في أوروبا الشرقية ومن بينها أوكرانيا. على الرغم من الاعتراضات الأوروبية المتكرّرة ومن اعتقال نافالني، لم تغيّر برلين موقفها. ولا يزال هنالك فقط حوالي 70 كيلومتراً لم يتمّ إنجازها من أصل 1230 كيلومتراً، بينما تبلغ كلفة المشروع أكثر من 11.5 مليار دولار. فرضت إدارة الرئيس الأميركيّ السابق دونالد ترامب عقوبات على المشروع، بينما يرى الرئيس الحاليّ جو بايدن أنّ خطّ الأنابيب "صفقة سيئة لأوروبا". وتقوم الإدارة الحاليّة بمراجعة المشروع لتقرّر ما إذا كانت سترفع العقوبات عنه.

 

كذلك، دعا الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ألمانيا يوم الاثنين لإيقاف المشروع ردّاً على السلوك الروسيّ الأخير، لكن من دون جدوى. ماكرون بدوره ليس معارضاً للانفتاح على روسيا، بل كان أحد أهمّ مطلقي هذه المبادرة. ففي صيف 2019، عبّر ماكرون عن رؤيته إلى أوروبا تمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك في أقصى الشرق الروسي. ووقفت النمسا أيضاً إلى جانب ألمانيا في مسألة "نورد ستريم-2" قائلة إن المشروع هو لكلّ أوروبا. عملياً، تعبّر دول شرق الاتحاد الأوروبّيّ أكثر من غيرها عن القلق من النفوذ الروسيّ. يفسّر ذلك بشكل كبير سبب غياب سياسة متجانسة لبروكسل تجاه القضيّة. وهذا ما دفع موسكو إلى تهديد أوروبا بقطع العلاقات معها إذا فرضت عقوبات عليها بسبب نافالني.

 

"افتقار للذكاء"

في حديث إلى مركز "كارنيغي"، يقول المستشار البارز في شركة "نوير" القانونية ومقرها ميونخ جون كورنبلوم إنّ على بروكسل استخلاص العبر من السبعينات حين لم ينجح تقارب الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي إلّا بعدما هدّد الغرب بتقويض مصالح موسكو الحقيقية. حينها، قبِل الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف باتفاقية هلسينكي التي عزّزت الحقوق المدنية في الدول الشيوعية بعدما توضّح أن الغرب لن يتنازل عن برلين وأنّ واشنطن كانت مستعدة لإعادة إطلاق العلاقات مع الصين. وأضاف أنّه حين تقبل ألمانيا اليوم بالضرر الذي قد يتسبب به "نورد ستريم-2" على الحلفاء، وحين يرضخ "حلف شمال الأطلسي" لنشر روسيا صواريخها على حدود بولندا، "يدرك بوتين أنّ الوضع تحت السيطرة".

 

وكان لمديرة برنامج قسم الشؤون الدولية في "مؤسسة كوربر" الألمانيّة ليانا فيكس رأي مشابه، إن لم يكن أكثر قسوة تجاه السياسات الأوروبّيّة. وقالت لـ "كارنيغي" إنّ المقاربة الأوروبية لروسيا ليست ضعيفة وحسب بل ينقصها الذكاء، داعية إلى التشدّد في تنفيذ قوانين الاتّحاد بشأن تبييض الأموال حيث أظهرت بعض الفضائح أنّ الأموال الروسيّة غير الشرعيّة تدفّقت بسهولة إلى البنوك الأوروبية. وحثّت بروكسل أيضاً على لَبْرلَة نظام تأشيرات الدخول كي تسمح للمواطنين الروس العاديّين بصياغة علاقات وثيقة مع الجيران الأوروبيين.

 

"فلترقد بسلام"

وسط كلّ الفوضى الأوروبّيّة في التعامل مع روسيا، برز حدث آخر أظهر حجم تخبّط بروكسل في سياستها الأمر الذي تسبّب بإحراج كبير لها منذ أقلّ من أسبوعين. في الخامس من شباط، زار الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتّحاد الأوروبّيّ جوزيب بوريل العاصمة الروسيّة. قبل الزيارة، برزت أصوات معترضة على هذه الخطوة لأنّها أتت بعد اعتقال نافالني. قال بوريل تعليقاً على الاعتراضات: "لا نستطيع القول: ‘أنا لا أحبك، سأبقى في زاويتي"، وهي إشارة إلى أنّ التواصل مع الروس ضروريّ. وذكر أنّ إيقاف مشروع خط أنابيب الغاز ليس الطريقة المثلى لحلّ الخلاف، علماً أنّ المفوّضيّة الأوروبّيّة لم تكن "داعماً كبيراً" للمشروع كما أوضح.

 

لكنّ الأزمة لم تندلع قبل الزيارة وإنّما خلالها وبعدها. حين كان بوريل واقفاً إلى جانب وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافيّ مشترك، وصف الأخير بروكسل بأنّها "شريك غير موثوق به". كلّ ما فعله بوريل كان إظهار ابتسامة حزينة. من هنا، نشر كبير مراسلي مجلّة "بوليتيكو" في أوروبا ماثيو كارنيتشينغ انتقاداً لاذعاً لأوروبا متمنّياً لسياستها الخارجيّة "أن ترقد بسلام".

 

وذكر كيف تعالت الأصوات الأوروبية المطالبة بإقالة بوريل، بينما سألته النائبة البلجيكيّة في البرلمان الأوروبي أسيتا كانكو عما حصل "لرجولة" (تعبير ملطّف) الاتّحاد الأوروبّيّ. ردّ كارنيتشينغ بأنّ الاتّحاد لا بملك "الرجولة" ولا الاستراتيجيّة المتجانسة تجاه أيّ ملفّ وأنّ جريمة بوريل هي إسقاطه القناع عن عجز أوروبا بسبب مسارها المعقّد في صناعة القرار وتضارب مصالح أعضائها. أمّا نصيحته الأخيرة لأوروبا كي تؤخذ على محمل الجدّ فهي ضرورة "تبنّيها موت طموحاتها في السياسة الخارجيّة والمضيّ قدماً".

 

لزيادة الطين بلّة، وخلال وجود بوريل في موسكو، طردت روسيا ثلاثة ديبلوماسيّين أوروبّيّين ردّاً على "مشاركتهم" في التظاهرات المؤيّدة لنافالني وفقاً للاتّهام الروسيّ. في الوقت نفسه، ظهر المعارض الروسي في قفص زجاجيّ وهو يواجه اتّهامات جديدة. تلقّى بوريل ضربة ديبلوماسيّة قويّة خلال زيارته روسيا. قد يعتقد بعض الأوروبّيّين أنّ بوريل غير مؤهّل لمواجهة شخصيّة ذات باع طويل في العمل الديبلوماسيّ مثل لافروف. لكنّ بوريل قد لا يمثّل في نهاية المطاف سوى مرآة لترهّل صناعة القرارات الخارجيّة في بروكسل.

الكلمات الدالة