إعلان

تعثّر انتخابي لحزب ميركل... المستقبل مقلق

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، شباط 2020 - "أ ب"
المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، شباط 2020 - "أ ب"
A+ A-

"هذه ليست أمسية انتخابات جيّدة بالنسبة إلى الاتحاد الديموقراطي المسيحي". بنبرة متشائمة وبوجه متعب، أطلّ أمين عام الحزب بول زييماك أمام المراسلين بعدما أظهرت استطلاعات الخروج خسارة حزبه في الانتخابات المحلّيّة التي جرت أمس الأحد.

 

بعد انطلاقة ألمانيّة قويّة نسبياً في مواجهة جائحة "كوفيد-19"، عانت برلين لاحقاً في كبح موجات التفشي بسبب تردّدها في فرض الإغلاق. الانتخابات التي شهدتها أمس ولايتا بايدن-فورتمبرغ وراينلاند-بفالتس غربيّ البلاد كانت بشكل من الأشكال استفتاء على صوابيّة الخيارات التي اتّخذها حزب المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في مواجهة "كورونا". وجاءت النتائج مخيّبة لآمال ذلك الحزب المحافظ بعدما خسر في الولاية الأولى أمام "الخضر" وفي الثانية أمام حليفه في الحكومة الائتلافية الفيديرالية "الحزب الديموقراطي الاجتماعيّ".

 

خسارة قياسية

في نقيض لأجواء الخيبة التي ظهرت على محيّا زييماك، قال الرئيس المشارك لحزب "الخضر" روبرت هابيك إنّ هذه "بداية قوية لسنة انتخابية قوية". وبايدن-فورتمبرغ هي ولاية ذات قوّة اقتصادية كبيرة بفعل تركّز صناعة السيارات فيها. وهي الولاية الألمانية الوحيدة التي يسيطر عليها "الخضر" منذ حوالي عقد من الزمن. بالمقابل، تعدّ راينلاند-بفالتس المكان الذي صنع فيه المستشار ورئيس "الديموقراطي المسيحيّ" السابق هيلموت كول اسمه بعدما كان رئيساً لحكومة الولاية في سبعينات القرن الماضي.

 

مع ذلك، خفّف الرئيس الجديد للحزب الحاكم أرمين لاشيت من وقع الخسارة مشيراً إلى أنّ الانتخابات المحلية "تحمل طابعها الخاص جداً" معترفاً بشعبية رئيس وزرائها وينفريد كريتشمان. وعلى الرغم من أنّ "الخضر" حزب يساريّ، يتمتع كريتشمان بشعبية بين الناخبين الوسطيين أيضاً. لكن الأرقام التي حققها "الديموقراطي المسيحيّ" في بايدن-فورتمبرغ (حوالي 24%) راينلاند-بفالتس (حوالي 26%) تعبّر عن نتائج منخفضة بشكل قياسيّ لحزب ميركل في هاتين الولايتين. وتراجع في الأولى بحوالي 3% وفي الثانية بحوالي 6% عن انتخابات 2016. ولم تكن هذه النتيجة متوقعة في ألمانيا قبل إجراء الانتخابات، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

 

بالمقابل، حصل "الديموقراطيّ الاجتماعيّ" على حوالي 35.5% من الأصوات في راينلاند-بفالتس أمّا "الخضر" فقد حصد 31.4% تقريباً من الأصوات. من جهته، واجه الحزب اليمينيّ المتطرّف "البديل لأجل ألمانيا" خسارة قوية في الولايتين بالمقارنة مع انتخابات 2016 إذ فقد حوالي ثلث الدعم الشعبيّ الذي ناله هناك منذ خمس سنوات. وحاز ما معدّله 9% من الأصوات في كلّ منهما.

 

"ممكنة جداً"

ستكون ألمانيا على موعد مع الانتخابات التشريعية العامة في أيلول المقبل. للمرّة الأولى منذ 16 عاماً، لن تكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مرشحة. سيتعيّن على "الديموقراطيّ المسيحي" ترشيح شخص جديد إلى منصب المستشاريّة. من المتوقّع أن يتنافس على هذا المنصب الرئيس الحالي للحزب أرمين لاشيت وحاكم ولاية بافاريا ماركوس شودر الذي يمثّل "الشقيق الأصغر" للحزب الحاكم وهو "الاتحاد المسيحي الاجتماعي". بدأ الشك يخيّم فوق حظوظ لاشيت في خلافة ميركل. وقد تزداد هذه الشكوك لو استمرت النتائج السيئة للحزب الحاكم في الانتخابات المحلية المقبلة.

 

أما على المستوى العام، فلا يزال "الديموقراطي المسيحي" متفوقاً بشكل كبير على منافسيه في استطلاعات الرأي المختلفة. في نظرة أولية، تتوقع مجلة "بوليتيكو" أن يتكوّن الائتلاف الحاكم المقبل بعد انتخابات أيلول من "المسيحي الديموقراطي" وشقيقه "المسيحي الاجتماعي" إضافة إلى "الخضر" بدلاً من "الديموقراطيّ الاجتماعيّ" الذي يعدّ شريكاً أساسياً اليوم في الحكم. على الرغم من ذلك، ومع تآكل شعبية تكتل يمين-الوسط في الأسابيع الأخيرة بسبب فضائح فساد ونقمة متزايدة من البطء في التلقيح وإجراءات الإغلاق، يمكن أن يتشكل تحالف جديد يزيح "المسيحي الديموقراطي" من السلطة. هذا ما تتوقعه المجلة نفسها إذا استمر المنحى السياسي على حاله.

 

وقال مرشح "الحزب الديموقراطي الاجتماعي" أولاف شولتز لمنصب المستشارية إنّ نتائج الانتخابات أظهرت أنّ حكومة من دون الحزبين المحافظين ممكنة. وأضاف: "ممكنة جداً".

 

ما الذي حصل خلال الأشهر الماضية؟

أبطأت ألمانيا رفع الإغلاق ومع ذلك كانت الإصابات ترتفع مجدداً منذ كانون الثاني. وإلى جانب البطء في عمليات التلقيح، برز بطء أيضاً في إجراء الفحوصات السريعة والمجانية. وأظهر استطلاع رأي لشركة "يوغوف" الأسبوع الماضي أنّ 35% من الألمان راضون عن استراتيجية الحكومة في مواجهة الجائحة. لكن في أيلول 2020، وصلت تلك النسبة إلى 63%. وتحلّ ألمانيا في المرتبة العاشرة دولياً من حيث إجمالي عدد الإصابات مع أكثر من 2.5 مليون حالة وفي المرتبة التاسعة على مستوى الوفيات الإجمالية مع حوالي 74 حالة وفاة. لكنّها تحل في المرتبة الثالثة والأربعين من حيث نسبة الوفيات إلى عدد السكان مع تسجيل 881 وفاة بالمليون.

 

لم يكن تدهور الأوضاع الصحية في المانيا بسبب تفشي فيروس كورونا ناجماً عن سوء الحظ، بل عن السياسات الداخلية في برلين كما شرحت آنا سوربرَي في صحيفة "نيويورك تايمز" الشهر الماضي. فقد برزت توترات بين ميركل والحكام الإقليميين المترددين في إعادة فرض القيود خوفاً من خسارة شعبيّتهم. وظنّ هؤلاء أنّ ميركل تريد فرض الإغلاق في استعراض للقوة.

 

فضائح

واجه "الديموقراطي المسيحي" انتكاسة كبيرة الأسبوع الماضي مع تقارير عن شخصيّات حزبية استفادت من عقود بيع كمامات طبية ممّا أجبر عدداً من النواب على تقديم استقالاتهم خلال الأيام القليلة الماضية.

 

واعترف النائب في حزب ميركل نيكولاس لوبل أنّه انخرط في تعاملات تجارية أدت إلى استفادة شركته من حوالي 300 ألف دولار عبر التوسط في عقود بيع للكمامات. وبمجرّد اعترافه، تقدّم لوبل باستقالته الأسبوع الماضي. والأمر نفسه حصل مع زميله جورج نوبلين عن "المسيحي الاجتماعي" عقب اتهامات بتوسّطه في عقد شراء كمامات لصالح الدولة الألمانية وقد استفاد بـ 660 ألف يورو بسبب هذا التوسّط، وفقاً للاتهامات التي نفاها. واستقال مارك هوبتمان من حزب ميركل بعد اتّهامات بقبوله حوالي 17 ألف يورو كي تروّج صحيفته لعطلة نهاية أسبوع في أذربيجان. نفى هوبتمان الاتّهام لكنّه أعلن استقالته حماية لعائلته من المضايقات كما. وتحوم الشبهات أيضاً حول نائبين آخرين من الحزب نفسه لتلقيهما أموالاً من أجل الترويج لأذربيجان.

 

يمكن أن تكون هذه الفضائح قد ساهمت في تراجع شعبيّة المحافظين أمس. لكنّها قد لا تؤثّر على الانتخابات المحلية المقبلة. سيظلّ عنوان "كورونا" سائداً خلال المرحلة المقبلة تاركاً تداعيات ثقيلة على أداء "الاتّحاد الديموقراطيّ المسيحيّ". قد يكون مستقبل الأخير على المحكّ لو لم تتدارك برلين استراتيجيّة مواجهة الجائحة منذ اليوم.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم