إعلان

هل اقتربت الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
جنود أوكرانيون على الجبهة الشرقية، 2014.أب
جنود أوكرانيون على الجبهة الشرقية، 2014.أب
A+ A-

يكاد هذا السؤال يصبح لازمة كلّما حشدت روسيا قواتها على الحدود مع أوكرانيا. حدث ذلك في ربيع، والآن في خريف 2021. تزايد الخوف الغربي في الأيام الأخيرة من احتمال شنّ روسيا حرباً جديدة على أوكرانيا، مع حشود عسكريّة روسيّة متجدّدة بالقرب من الحدود. وحصلت بريطانيا على معلومات أميركية متوافقة مع هذه المخاوف، بحسب صحيفة "ذا تيليغراف". فقد أبلغ مسؤولون أميركيون نظراءهم الأوروبيين سراً بشأن عملية عسكرية محتملة على وقع هذه الحشود.

 

تحدث هذه التطورات في وقت يسود التوتر العلاقات الأوروبية - البيلاروسية بسبب أزمة المهاجرين على الحدود، حيث يتّهم الغرب روسيا بمساعدة الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو على تعميق الأزمة. وبينما يتّهم الغربيّون البيلاروس بتوجيه مهاجرين من العراق وأفغانستان عمداً لضرب الاتحاد الأوروبي، ينفي لوكاشنكو ذلك، لكنّه يقول إنّ رفع العقوبات عن بلاده يساعد على حلّ الأزمة. ونشرت بولونيا قوات على حدودها لمنع المهاجرين من دخول البلاد، وهو أمر رأت فيه روسيا تهديداً، فأرسلت قاذفاتها إلى الأجواء البيلاروسية. وأعلن الكرملين يوم الخميس أنّ الجيش الروسيّ اعترض طائرة تجسّس بريطانية محلّقة في منطقة البحر الأسود.

 

في وقت أرسل الرئيس الأميركي جو بايدن السفير الأسبق في روسيا ومدير وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي" ويليام بيرنز إلى موسكو، لإطلاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على المخاوف، كان وزير الخارجية أنتوني بلينكن يحذّر من أنّ شنّ الحرب سيكون "خطأً جسيماً". ردّ نائب السفير الروسي في الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي قائلاً إنّ موسكو لم تخطّط أبداً للحرب، مضيفاً أنّ بلاده لن تتّخذ هذا الخيار إلّا إذا استفزّتها أوكرانيا "أو طرف آخر". ويُتداول بالأخبار عن الحرب الجديدة، بينما لم يتوقّف النزاع بين كييف وانفصاليين موالين للروس منذ سنة 2014، حيث وصلت حصيلة ضحايا هذا النزاع إلى 14 ألفاً.

 

في الربيع، حشدت روسيا قرابة 100 ألف عسكريّ على الحدود مع أوكرانيا، قبل أن تبدأ بسحب قواتها أواخر نيسان (أبريل). وفي آب (أغسطس)، عزز حلف شمال الأطلسي (ناتو) دعمه لتطوير إمكانات أوكرانيا، خطوة وصفها بوتين بأنها "خط أحمر". وفي أوائل الشهر الحالي، قالت وزارة الدفاع الأوكرانية إنّ موسكو حشدت 90 ألف عسكري على الحدود مع البلاد. التكهنات اليوم هي بشأن ما إذا كان هذا الانتشار مجرّد عرض عضلات وتوجيه رسالة تحذيرية أم استعداداً لما هو أعظم.

 

مشهد بالغ التّعقيد

قد يصبّ الترجيح لمصلحة الاحتمال الأول، أقلّه في المستقبل القريب. وسط جائحة ضربت الاقتصاد العالمي وخنقت سلسلة الإمدادات الدولية، لا شكّ في أنّ الشهيّة غير مفتوحة على الحروب. وتواجه روسيا تحديداً موجة قاتلة من فيروس "كورونا"، تأثّرت بها خصوصاً المستفشيات البعيدة من العاصمة، حيث أصبح "الأوكسيجين الذهب الجديد" لروسيا بالنظر إلى صعوبة تأمينه. وأصبحت روسيا حالياً في المرتبة الأولى عالمياً لجهة عدد الوفيات الأسبوعية منذ بدء الجائحة. فبين 1 و7 تشرين الثاني (نوفمبر)، سجّلت روسيا وفاة 8311 شخصاً بفعل "كورونا"، متخطّية بذلك الولايات المتحدة التي سجّلت في الفترة نفسها 8101 وفاة. وهذه الأرقام مطلقة، بحيث يجعل قياسُها نسبياً إلى عدد السكان في كلا البلدين الوضعَ الصحي في روسيا أكثر سوءاً.

 

في المقابل، يمكن التساؤل عمّا إذا كانت موسكو ستشنّ حرباً كمحاولة لتصدير الأزمة الداخلية إلى الخارج، ريثما يمرّ شبح هذه الموجة من "كورونا". مدى إمكانيّة تحقّق هذا السيناريو يبقى مثار جدل بالنظر إلى صعوبة خلق تزامن بين التعبئتين الصحية والعسكرية في آن. لولا انتشار "كورونا" لأمكن القول إنّ التحوّلات الدولية مناسبة لموسكو للقيام بهذه الخطوة. فالتوتّر في أقصى مستوياته بين الغربيين، مع أزمة كبيرة بين فرنسا وبريطانيا بشأن حقوق الصيد، وبطء تعافي العلاقات الفرنسية - الأميركية عقب أزمة الغواصات مع أستراليا، إضافة إلى تدهور العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة.

 

علاوة على ذلك، وفي وقت تتلقّى هيبة واشنطن ضربات متتالية، بدءاً بانسحابها الفوضوي من أفغانستان واقتحام الحوثيين سفارتها في صنعاء، وصولاً إلى أزمة رهائنها في هايتي، لا تزال الصين الشغل الشاغل الأول للإدارة الحالية. إنّ حرباً في أوكرانيا يمكن أن تشتّت التركيز الأميركيّ الذي سينصبّ على ساحتين ملتهبتين: شرق أوروبا وشرق آسيا. لكنّ روسيا تدرك حاجة الأميركيين إليها وسط توتراتهم مع الصينيين. لهذا السبب، قد يكون بإمكان روسيا انتزاع ضمانات من الأميركيين، مثل عدم ضمّ أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو من دون اللجوء إلى حرب. لكنّ صلاحية هذه الضمانات قد تكون محدودة.

وسط هذا المشهد المعقّد، عاد وزير الدفاع الأوكرانيّ دميترو كوليبا منذ أيّام من الولايات المتحدة، حيث سمع تطميناً بأنّ واشنطن عزّزت جهودها الدبلوماسية لتحذير موسكو من شنّ حرب ضدّ أوكرانيا. ومن المتوقّع أن يتوجه كوليبا إلى بروكسل الاثنين ليلتقي بمسؤولين أوروبيين وأطلسيين من أجل مناقشة هذه التطورات. وتعزّز موسكو حملتها الدبلوماسية لنفي التهم الموجّهة إليها، محمّلة المسؤوليّة إلى الناتو على التصعيد الأخير. وهذا ما كرره بوتين خلال اتصال هاتفي الخميس مع المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها أنجيلا ميركل. وقالت روسيا أيضاً إنّ النشاط "الأطلسيّ" المتزايد في البحر الأسود شمل نشر سفينتين حربيتين أميركيتين وأربع طائرات تجسسية، بما فيها الطائرة البريطانية التي نشرت روسيا صورها. وأشارت إلى أنّ هذه التحركات طرأت خلال 24 ساعة فقط.

 

السّؤال: متى الحرب؟

الخلاف عميق بين روسيا وأوكرانيا إلى درجة إمكانية طرح سؤال عن زمان وقوع الحرب لا عن احتمالاتها. يشير بيتر ديكينسون من "المجلس الأطلسيّ" إلى مقالات الرأي التي كتبها كبار المسؤولين الروس، بدءاً ببوتين ورئيس حكومته السابق دميتري ميدفيديف خلال الصيف، والتي كانت أقرب ما تكون إلى عدم اعتراف بدولة أوكرانية. ورأى ديكينسون أنّه بمجرّد إنهاء "نورد ستريم 2" ودخوله العمل خلال بضعة أشهر، لم تعد حرب روسيا مقيّدة بالاعتماد على أوكرانيا لتصدير الغاز إلى أوروبا.

 

لأسباب متنوّعة، منها ما هو تاريخيّ واستراتيجيّ ومنها ما هو داخليّ، يمكن توقّع اندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا في أيّ وقت. الحشود العسكريّة المتكرّرة بالقرب من أوكرانيا ربّما تكون مجرّد "إعداد نفسيّ" لهذا الواقع.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم