إعلان

بينها إيران وتركيا... ملفات تُصعّب تحوّل أوروبا إلى قطب عالميّ

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحافي في طهران، 4 تشرين الأول 2017 - "أ ب"
الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحافي في طهران، 4 تشرين الأول 2017 - "أ ب"
A+ A-
ثمّة الكثير من المحطّات التي تدفع المراقبين إلى التساؤل عن مكانة الاتّحاد الأوروبّيّ في النظام الدوليّ المقبل. يتوقّع قسم كبير من هؤلاء أن يتحوّل هذا النظام إلى القطبيّة الثنائيّة حيث تتنافس الولايات المتّحدة والصين على زعامة العالم. يتمنّى الباحث الاقتصاديّ البارز دارون أجيم أوغلو أنّ تسيطر الرباعيّة القطبيّة على النظام العالميّ.

ويذكر إضافة إلى واشنطن وبيجينغ، الاتّحاد الأوروبّي ومجموعة من عشر دول ذات اقتصادات ناشئة. يشير أجيم أوغلو في موقع "بروجكت سنديكايت" إلى أنّ سيطرة القطبين التقليديّين على العالم ستقلّص حظوظ تسوية مسائل ملحّة مثل حقوق الإنسان والتغيّر المناخيّ. بالنسبة إليه، إنّ عالماً تتنافس فيه واشنطن وبيجينغ لن يكون مستقرّاً، وهو غير حتميّ وغير مرغوب به.

 
الشعبويّة
قبل البحث في إمكانيّة ظهور القطب الرابع (مجموعة العشر)، يُفترض التساؤل عن قدرة الاتّحاد الأوروبّيّ على فرض نفسه كقوّة سياسيّة دوليّة إضافة إلى قوّته الاقتصاديّة. تعاني بروكسل من انقسام بين دول جنوب الاتّحاد وشماله، حيث يشكّل الأخير مجموعة الدول الأكثر ثراء وقوّة. كان هذا الخلاف جزءاً من العوامل التي أدّت إلى صعود الشعبويّة وأدخلت تغييرات في المشهد السياسيّ الداخليّ، كما حصل في ألمانيا وهولندا وإيطاليا. وصلت الشعبويّة منذ فترة إلى سقفها الأعلى قبل أن يتسطّح المنحنى الخاص بمسارها. أغلب الظنّ أنّ ذلك يعود إلى انتشار جائحة "كورونا".

لكنّ هذا التحوّل لن يدوم طويلاً بحسب الباحث في معهد "تشاتام هاوس" پيپين بيرغسون الذي يعتقد أنّ جائحة "كورونا" لن تلغي الشعبوية في أوروبا. قريباً، ستعود إلى الواجهة القضايا الشائكة التي تمثّل تربة خصبة لنموّ وتوسّع الشعبويّين مثل الهجرة والاندماج الأوروبّيّ. ويتوقّع بيرغسون استفادة أحزاب اليمين الشعبويّ في هولندا من تأسيس بروكسل صندوق إنعاش اقتصاديّ يمكن أن يُنظر إليه على أنّه خطوة على مسار تأسيس اتّحاد ماليّ. والهجمات الإرهابيّة الأخيرة التي وقعت في فرنسا إضافة إلى نفاد صبر الشعوب الأوروبّيّة من الإغلاق العام ستزخّم الشعبويّة مجدّداً، مع ما يعنيه ذلك من استئناف بروكسل مواجهة أزماتها السابقة.

 
"بريكست"
عند التطرّق إلى التجانس السياسيّ في الاتّحاد الأوروبّي، يصعب تجاهل الضربة التي وجّهتها بريطانيا إليه مع تصويتها على الخروج من الاتّحاد (بريكست) سنة 2016. اعتقد البعض أنّ اتّجاه التصويت كان ظرفيّاً وأنّه بمرور الوقت وتوفّر الفرصة لإعادة تقويم هذا الخيار، سيتراجع البريطانيّون عنه. صحيحٌ أنّ بريطانيا لم تنظّم استفتاءً ثانياً، لكنّ استطلاعات الرأي أظهرت أنّ البريطانيّين تراجعوا ببطء شديد عن آراءهم بالتوازي مع تعثّر مفاوضات الخروج.

وجد استطلاع رأي لشركة "يوغوف" في أواخر أيلول أنّ 50% من البريطانيّين يعتقدون بأنّ الخروج من الاتّحاد كان خطأ، مقابل 39% يقولون إنّه كان الخيار الصائب. وتوسّعَ الهامش إلى 8 نقاط مئويّة بين الطرفين في شهر أيلول فقط. وذكرت مجلّة "إيكونوميست" منذ أيّام أنّ معسكر البقاء يتقدّم على معسكر المغادرة بتسع نقاط. لكن بين سنتي 2018 و 2019، وفي معدّل ستّة استطلاعات رأي، ظلّ 88% ممّن صوّتوا لصالح البقاء مقتنعين بآرائهم و 86% ممّن صوّتوا لصالح الخروج مقتنعين بآرائهم. لكنّ من لم يصوّتوا في 2016، باتوا يفضّلون البقاء بنسبة 53% مقابل 26%. هل يمكن إيجاد تفسير هذا التغيّر في "التعب" الذي تركته المفاوضات التي لم تتوصّل إلى نتيجة؟ وهل يمكن أن يمنع فشل المفاوضات دولاً أخرى من الاقتداء ببريطانيا كما كان الاحتمال قائماً مع إيطاليا؟

هذه أسئلة قد لا تجد جواباً قبل نهاية الجائحة واستئناف الحياة السياسيّة والاجتماعيّة الطبيعيّة في أوروبا. غير أنّ التجانس الذي يبحث عنه الاتّحاد الأوروبّيّ لا يقتصر على التلاحم بين دوله وإيمانها بقيم ومنظومة اقتصاديّة واحدة وحسب.

 
نقطة ضعف أخرى
السياسة الخارجيّة هي واحدة من أبرز نقاط ضعف الاتّحاد حتى في القضايا التي تتعلّق مباشرة بمصالح دوله. الأزمة مع تركيا هي أحدث مثل على ذلك. أجّلت بروكسل مراراً فرض عقوبات على أنقرة بسبب سياساتها التوسّعيّة شرقيّ المتوسّط. وحين طالبت قبرص واليونان القوى الأوروبّيّة البارزة بالوقوف معها لم تلقَ سوى الخيبات، علماً بأنّ هاتين الدولتين وقفتا إلى جانب الاتّحاد حين قرّر فرض عقوبات على بيلاروسيا بناء على تعهّد بفرض العقوبات على تركيا في كانون الأوّل. وأظهرت الإجراءات التي فرضتها بروكسل أمس على أنقرة أنّها كانت رمزيّة إلى حدّ بعيد. 
وعلّقت صحيفة "كاثيميريني" اليونانيّة على القرار الأوروبّيّ بالإشارة إلى أنّه كان "أبعد بكثير من الجواب الصلب الذي أرادته أثينا". واتّهمت تكتّل برلين-روما-مدريد بالإصرار على تأجيل القرارات الجدّيّة، موجّهةً انتقاداً إلى موقف فرنسا الذي "أضعف" موقفي اليونان وقبرص بما أنّ باريس تردّدت في الإصرار على إجراءات أكثر جوهريّة.

عجزُ أوروبا الواضح عن حماية قبرص واليونان من السياسات التوسّعيّة التركيّة يطرح تشكيكاً جدّيّاً بقدرة الاتّحاد على لعب دور القطب البارز في أيّ نظام دوليّ مقبل. ربّما تنتظر أوروبا شهر آذار حتى تفرض عقوبات أقسى بسبب اعتمادها على انطلاق إدارة بايدن المقبلة في عملها السياسيّ. لكنّ هذا الانتظار يؤكّد دواعي التشكيك ولا يلغيها. وتعاملُ الاتّحاد الأوروبّيّ مع إيران هو ملفّ آخر يبيّن أيضاً محدوديّته كقطب عالميّ.

 
مشكلة شخصيّة؟
ظلّت بروكسل تدافع عن الاتّفاق النوويّ وتعارض نظرة إدارة ترامب إلى طهران حتى الانتخابات. وبعدما تأكّد فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسيّة، دعا وزير الخارجيّة الألمانيّ هايكو ماس إلى تطوير الاتّفاق ليشمل برنامج الصواريخ البالستيّة الإيرانيّة وسلوكها الإقليميّ، معرباً عن عدم ثقة برلين بطهران. ومهما تعدّدت تفسيرات هذا الموقف الألمانيّ المفاجئ، يصعب استبعاد نظرة أوروبا السلبيّة إلى ترامب كجزء أساسيّ من دفاع بروكسل عن الاتّفاق النوويّ.

أتى ذلك في ظلّ إبداء فرنسا موقفاً أكثر تشدّداً تجاه إيران خلال المفاوضات. علاوة على كلّ ما تقدّم، اعترف مفاوض أميركيّ سابق بأنّ الاتّفاق النوويّ الأوّليّ نجح لأنّه كان ثنائيّاً أكثر منه سباعيّاً، وأنّ طهران وواشنطن اتّفقتا على 95 في المئة منه قبل أن تعرضاه على الاتّحاد الأوروبّيّ الذي وافق عليه. في جميع الأحوال، إنّ عدم قدرة زعماء الاتّحاد الأوروبّيّ على الفصل بين مشاعرهم الخاصّة تجاه الرئيس الأميركيّ وبين صياغة استراتيجيّة موضوعيّة تجاه إيران لا ينبئ باحتمالات كبيرة في تحوّل أوروبّا إلى لاعب سياسيّ مؤثّر في موازين القوى الدوليّة.

أراح فوز بايدن بالرئاسة الأميركيّة قيادات بروكسل لأنّه سيمتّن العلاقات العابرة للأطلسيّ التي شهدت اهتزازات كبيرة في عهد ترامب. لكنّ هذه "المفاجأة السارّة" ستحرمها أيضاً من فرصة إيجاد دور مستقلّ خاصّ بها على الساحة الدوليّة. حتى مشاكلها الخاصّة مثل تلك التي تواجهها مع تركيا يبدو أنّها ترميها على واشنطن لحلّها. وهذا لا ينبئ بمستقبل سياسيّ مشرق للاتّحاد، أقلّه في المدى القريب. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم