إعلان

هل تساعد أوروبا نفسها قبل أن يساعدها بايدن؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - أ ف ب
الرئيس الأميركي جو بايدن - أ ف ب
A+ A-

وصل الرئيس الأميركي جو بايدن إلى أوروبا حاملاً معه رسالة أمل بإعادة إحياء الشراكة العابرة للأطلسي. بعد تطلّع أوروبا إلى انتهاء ولاية دونالد ترامب تبيّن لها تدريجياً أنّ رحيل الأخير عن البيت الأبيض لم يتكفّل بحلّ المشاكل العالقة وأهمّها موقع أوروبا في الصراع بين الولايات المتحدة والصين، كما بين الولايات المتحدة وروسيا. يريد الاتّحاد الأوروبّيّ تفادي الانجرار إلى حرب باردة جديدة ومع ذلك، هو غير قادر على تحقيق الاستقلاليّة السياسيّة طالما أنه يحظى بحماية المظلّة العسكريّة الأميركيّة. غير أنّ مشاكل الاتحاد تتخطى فقط شكل العلاقة بين الطرفين.

 

يزور بايدن أوروبا على وقع استطلاع رأي يظهر أنّ انتخابه حسّن صورة الولايات المتحدة حول العالم. فقد وجد مركز "بيو" من خلال استطلاع أجري في كندا و15 بلداً في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ أنّ 62% من الناس يمتلكون "صورة إيجابيّة" عن الولايات المتحدة في 2021، وهو ارتفاع عن نسبة الـ34% التي كانت سائدة في نهاية ولاية ترامب. واعتقد 75% ممّن شملهم الاستطلاع أنّ بايدن سيتّخذ "الخيارات الصائبة في قضايا العالم" بالمقارنة مع 17% عبّروا عن هذا الاعتقاد في ما يخص ترامب السنة الماضية. ورأى 77% من المستطلعين أنّ بايدن "مؤهّل" لتولّي الرئاسة مقابل 16% لسلفه. يبقى السؤال عمّا تعنيه هذه الأرقام بالنسبة إلى قدرة بايدن على إصلاح العلاقات الثنائيّة.

 

"كيس ملاكمة"

تلقّى النظام الليبيرالي العالميّ ضربة قوية خلال السنوات الماضية مع تصاعد حجم الشعبويّة، والليبيراليّة الأوروبّيّة لم تشذّ عن تلك القاعدة. على العكس من ذلك، يمكن أن يكون النظام الأوروبّيّ المتزعزع أبرز مثل على هذا التحول في العلاقات الدوليّة. ففي نهاية المطاف، كان خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبّيّ (بريكست) المؤشّر الجدّيّ الأوّل إلى تصاعد موجة الشعبويّة في القارّة العجوز، قبل أن تبلغ تلك الموجة الولايات المتحدة حاملة معها دونالد ترامب إلى الرئاسة. لا يمكن إرجاع "بريكست" بشكل كامل إلى ظاهرة الشعبويّة، ومع ذلك، ليس بالإمكان فصله تماماً عن تلك الظاهرة التي انتشرت بشكل متفاوت في فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وغيرها. وتحكم بولونيا والمجر حكومات غير ليبيرالية، أقلّه عند المقارنة مع أنظمة الحكم في شمال القارّة أو غربها.

 

وتصف مجلّة "وورلد بوليتيكس ريفيو" الاتّحاد الأوروبّيّ بأنه أصبح "كيس ملاكمة" مناسباً للسياسيّين الانتهازيّين في العديد من دوله مع اندماج الشعور المناهض للاتّحاد بمنصّة الشعبويّة الأوسع التي تطالب بالحمائيّة وتعارض الهجرة. وفاقم فيروس "كورونا" الصعوبات أمام بروكسل في تأمين استجابة جماعيّة فعّالة خصوصاً في بداية الأزمة الصحّيّة، كما في بداية تأمين اللقاحات لدولها الأعضاء. أدّى ذلك إلى سلوك كل دولة مسارها الخاص في إنقاذ نفسها، وهو هدف مناقض لروحيّة تأسيس الاتّحاد. تأمين المجر للّقاحين الروسيّ "سبوتينك في" والصينيّ "سينوفارم" من خارج خطّة بروكسل لتوزيع اللقاحات وقبل حصولهما على ترخيص الاستخدام الطارئ من قبل "وكالة الأدوية الأوروبّيّة مثل صارخ عن ذلك. وهكذا فعلت تشيكيا وسلوفاكيا مع اللقاح الروسيّ أيضاً.

 

تراجع الثقة من الأطراف إلى المركز

يريد الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل تأسيس دور مستقلّ لبروكسل عن الولايات المتحدة وروسيا والصين. لكن ثمّة عوائق كبيرة أمامهما تتمثّل في اقتراب ميركل من مغادرة منصب المستشارية بعد ثلاثة أشهر، ومزاحمة كبيرة من قبل مارين لوبان لماكرون في استطلاعات الرأي الفرنسيّة قبل عام على الانتخابات الرئاسية. حتى تصاعد موجة "الخضر" في أوروبا التي تهدّد حضور الأحزاب الوسطية يمكن أن تغيّر في المشاهد السياسيّة الداخليّة للدول الأعضاء، وإن كانت اتّجاهات هذا التغيّر غير واضحة بعد. لكنّ الواضح لغاية الآن، أنّ تحسّن صورة الولايات المتحدة في أذهان الأوروبيين يقابله تراجع صورة الاتّحاد نفسه في أذهان الأوروبيين. وتظهر استطلاعات رأي أوروبية حديثة هذا التوجّه.

 

وجد استطلاع رأي أجري بتفويض من "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" وشمل 12 دولة من الاتّحاد الأوروبّيّ أنّ ثقة الجمهور بالمؤسّسات الأوروبّيّة تراجعت بسبب طريقة تعاملها مع جائحة "كورونا" وطريقة تأمينها الفوضويّة للقاحات المضادة للفيروس. وكان لافتاً في الاستطلاع تراجع هذه الثقة بشكل أكبر حتى داخل ألمانيا نفسها، وهذا يظهر أنّ "خيبة الأمل من الاتحاد الأوروبي قد انتشرت الآن من الطرف إلى المركز". على الرغم من ذلك، لا يزال المواطنون الأوروبّيّون يتطلّعون إلى تعاون أكبر لتعزيز دور الاتّحاد الأوروبّيّ كلاعب دوليّ في عالم لا يتّسم أساساً بالتحالفات بل بالشراكات الاستراتيجية. وتشدّد مؤسسة الرأي نفسها على أنّ اعتراف الأوروبّيّين بمركزيّة بروكسل بالنسبة إلى مستقبلهم غير كافٍ طالما أنهم يشعرون بضعف المشروع الأوروبّيّ، ولهذا السبب، يتعيّن على بروكسل إظهار قدرتها على الساحة الدولية.

 

أوروبا "المدمنة"

على الرغم من سعي بايدن إلى تعزيز الروابط الأميركيّة-الأوروبيّة، ثمة قراءة تشير إلى أنّ بايدن غير مهتمّ كثيراً بالسياسة الخارجيّة للاتّحاد الأوروبّيّ، سواء أاصطفت بجانب واشنطن أم بجانب الصين. يرى جيريمي شابيرو في مجلّة "بوليتيكو" أنّ أوروبا اليوم لم تعد جبهة مركزيّة في صراع واشنطن الجيوسياسيّ، مستشهداً بأمثلة عن عدم تشاور الأميركيين مع بروكسل في مسائل حسّاسة وعدم رفعها الرسوم عن صاردات أوروبّيّة وغيرها. وأضاف أنّ هنالك تشكيكاً أميركياً في تمكّن أوروبا المنقسمة دوماً والمتلكّئة في رفع إنفاقها الدفاعيّ و"المدمنة" على السوق الصينية، من مساعدة نفسها في المقام الأوّل قبل الحديث عن مساعدة واشنطن في تنافسها مع بيجينغ.

 

يتقاطع تحليل شابيرو مع خلاصة استطلاع رأي "المجلس الأوروبّيّ للسياسة الخارجيّة" والذي وجد أنّ الأوروبّيّين مشكّكون في استعادة واشنطن دورها القيادي على المستوى العالمي. لكن يبدو أنّ القيادة الأميركيّة شجّعت الأوروبيين بشكل أو بآخر على الاتّكالية في سياساتهم الخارجيّة. التخلّي عن هذه الصفة لن يجعل لأوروبّا موقعاً أفضل في ظلّ نظام دوليّ تعدّديّ وحسب، بل سيلبّي طموحات الأوروبّيّين في البحث عن مستقبل أكثر استقراراً ضمن المشروع القارّيّ.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم