إعلان

البحر الأسود كفتيل تفجير بين موسكو والغرب

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
مدمرة بريطانية راسية في ميناء جورجيّ على البحر الأسود استعداداً لإجراء تدريبات مشتركة، بعد أيام على إعلان روسيا أنها أطلقت طلقات تحذيرية وألقت قنابل على مسارها جنوب جزيرة القرم - "أ ف ب"
مدمرة بريطانية راسية في ميناء جورجيّ على البحر الأسود استعداداً لإجراء تدريبات مشتركة، بعد أيام على إعلان روسيا أنها أطلقت طلقات تحذيرية وألقت قنابل على مسارها جنوب جزيرة القرم - "أ ف ب"
A+ A-

شكّل البحر الأسود خلال الأسابيع القليلة الماضية مسرح مواجهات بين روسيا والقوى الغربية. في 23 حزيران (يونيو)، قالت وزارة الدفاع الروسية إنّ إحدى مقاتلاتها ألقت أربع قنابل على مسار المدمرة البريطانية "أتش أم أس ديفندر" بينما أطلقت سفينة تابعة لحرس الحدود طلقات تحذيرية. وكانت المدمرة على بعد 19 كيلومتراً من ساحل القرم. لكن الحكومة البريطانية نفت الكلام الروسي عن الحادث كما عن حصول أي إطلاق نار تحذيري أو إلقاء قنابل.

 

وقال مراسل لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" كان موجوداً على متن المدمرة إنها تعرضت لمضايقة روسية وقد شاهد أكثر من 20 مقاتلة روسية تحلق فوقها وزورقين روسيين يبحران على بعد 100 متر. وفي 24 حزيران (يونيو)، اتهمت هولندا مقاتلة روسية بسلوك "غير آمن" مع إحدى فرقاطاتها. وفي أوائل الشهر الحالي، ضايقت مقاتلات روسية المدمّرة الأميركية "يو أس أس روس" التي كانت تشارك في تدريبات "نسيم البحر 2021".

 

بوتين يهدد

"نسيم البحر" عبارة عن تدريبات مشتركة سنوية بين أوكرانيا والولايات المتحدة. لكن ما يميز نسختها الحالية هو مشاركة أكبر عدد من الدول فيها منذ تاريخ إطلاق التدريبات قبل حوالي ربع قرن. فقد شاركت 32 دولة من ست قارات عبر 5 آلاف جندي و 32 سفينة و40 مقاتلة و 18 عملية خاصة. بينما في 2019، ضمّت التدريبات 19 دولة فقط. وانطلقت هذه التدريبات في 28 حزيران (يونيو) ومن المقرر أن تنتهي اليوم.

 

يبدو أنّ روسيا أمرت بقصف أجسام تمثّل سفناً عدوانية وبإجراء تجارب لمنع دخول مقاتلات جوية إلى منطقة تعتقد روسيا أنّها تابعة لفضاء نفوذها. لكنّ الناطق باسم بالبنتاغون جون كيربي قال لمجلة القوات الجوية إنّ ما تقوم به روسيا لا يعرقل التدريبات.

 

سنة 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم. لا تعترف القوى الغربية بتلك الخطوة. بالمقابل، ترى روسيا أنّ المياه والأجواء المحيطة بالقرم تقع ضمن حدودها. على سبيل المثال، كانت "أتش أم أس ديفندر" البريطانية تبحر من أوديسا في جنوب أوكرانيا إلى جورجيا فاضطرت أن تمر جنوبي شبه الجزيرة على بعد أقل من 12 ميلاً بحرياً عن الشاطئ. وقالت المملكة المتحدة إن مدمرتها مرت عبر المياه الأوكرانية في مسار عبور شائع الاستخدام ومعترف به دولياً. وأشار مصدر لـ"بي بي سي" إنّ هدف بريطانيا لم يكن افتعال صراع بل التأكيد على حقها بالملاحة في المياه الدولية. وكما كانت الحال مع بريطانيا إزاء التشديد على حرية الملاحة في المياه الدولية، كذلك بالنسبة إلى الأميركيين. فقد أعلن النقيب الأميركي كايل غانت إنّ الهدف من "نسيم البحر 2021" هو "أن نثبت للعالم أنّ البحر الأسود هو بحر دولي" وأنّه "ليس مملوكاً لأي دولة بمفردها".

 

هذا الخلاف القانوني والسياسي يهدّد بإشعال المنطقة. وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سلوك بريطانيا والولايات المتحدة بالاستفزازي قائلاً إنّه كان بإمكانه إغراق السفينة وأنّ هذه النتيجة لم تكن لتطلق الحرب "لأنّ الطرف الآخر يدرك أنّه لا يستطيع الفوز".

 

وتعليقاً على تدريبات "نسيم البحر"، قال الرئيس الأوكرني فولوديمير زيلينسكي إنّها تأكيد على أنّ بلاده لن تكون وحيدة في مواجهة الاعتداءات الروسية. لطالما تخوفت روسيا من انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وترى في التدريبات الأخيرة إشارة إلى استعداد غربي لقبول كييف ضمن صفوف الحلف، أو على الأقل، إشارة إلى استعداد أطلسي للدفاع عنها حتى ولو لم تنتمِ رسمياً للحلف. لكنّ وزارة الدفاع الأوكرانية أعلنت أنّ قراصنة مرتبطين بالسلطات الروسية هاجموا الموقع الإلكتروني للقوات البحرية الأوكرانية يوم أمس الجمعة ونشروا تقارير مزيفة عن "نسيم البحر".

 

نظرة خاصة إلى بريطانيا

يعتقد خبير الشؤون الاستراتيجية البحرية في جامعة جورجيا وكلية الحرب البحرية جايمس هولمس أنّ التحركات العسكرية في البحر الأسود كما في البحر الأبيض المتوسط هي جزء من التنافس الاستراتيجي على أطراف أوراسيا. فبحسب نظرية نيكولاس سبايكمان، يجب على من يرغب بالسيطرة على "إطار الأرض" وهو المنطقة الساحلية التي تفصل البحار والمحيطات عن العمق القاري لأوراسيا (ريملاند) أن يسيطر على الامتدادات الهامشية كما هي الحال في هذين البحرين. بخلاف ذلك، لن تستطيع القوى البحرية المهيمنة الوصول إلى "إطار الأرض".

 

ربّما وجّهت روسيا رسائل عدّة، أكان للغربيين بالإجمال، أم لكلّ قوة غربية بارزة على حدة. فحتى الحرب العالمية الأولى، كانت المملكة المتحدة الإمبراطورية المائية الأولى المهيمنة على العالم قبل سطوع نجم الولايات المتحدة. لهذا السبب، إنّ مضايقة روسيا للمدّمرة البريطانية لا تخلو من الرمزية. فقد نُسب كلام للناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف جاء فيه أنّ بريطانيا عبارة عن "جزيرة صغيرة لا أحد ينتبه إليها". نفى بيسكوف هذا الكلام المنسوب إليه، لكنّ هذه التصريحات باتت شائعة إلى حد ما في البرامج الروسية المخصصة للأحاديث الجيوسياسية، بحسب مراقبين للشأن الروسي. يعزّز هذا المناخ ما قاله بوتين نفسه عن إمكانية إغراق المدمرة من دون أن يستطيع الطرف الآخر الرد. وبعد الخروج من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، شدّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على "بريطانيا العالمية" في إشارة إلى بدء البلاد استعادة شيء من دورها القديم. لا تفوت هذه التوصيفات المسؤولين في الكرملين. حتى أنّ بريطانيا رغبت على حدّ تعبير مدير مركز كارنيغي-موسكو ديمتري ترينين أن تخرق "خطاً روسياً أحمر" بعد أيام قليلة على انعقاد قمّة جنيف التي جمعت بايدن وبوتين.

 

على الرغم من جهود بايدن في تخفيف التوتر مع روسيا (قمة جنيف وتفادي فرض عقوبات) تبقى مساعي الرئيس الأميركي مجرّدة من الفاعلية بسبب عقدين على الأقل من تآكل الثقة بين الطرفين. هذا التآكل قد يشكّل مادّة متفجّرة في العلاقات الثنائيّة. ويبدو أنّ البحر الأسود هو المكان الأمثل حالياً لتفاعل مادّة كهذه.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم