إعلان

أيّ مسار للعلاقات بين أميركا وبريطانيا بعد الحدث الأفغاني؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يتحدث إلى الرئيس الأميركي جو بايدن قبل انعقاد قمة مجموعة السبع ، حزيران (يونيو) 2021 - "أ ب"
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يتحدث إلى الرئيس الأميركي جو بايدن قبل انعقاد قمة مجموعة السبع ، حزيران (يونيو) 2021 - "أ ب"
A+ A-

سقطت العلاقات الأميركية - البريطانية ضحيّة انسحاب الرئيس جو بايدن من أفغانستان. خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عند الساعة الحادية عشرة من ليل 31 كانون الأول (ديسمبر) 2020. بالكاد خطت بريطانيا خطواتها الأولى في المسار "الاستقلالي" الجديد حتى اصطدمت بالأزمة الأفغانية. تحدث رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن بريطانيا "عالمية" في السياسة الخارجية بعد "بريكست". كانت العلاقات مع الولايات المتحدة أكبر ركيزة لهذه السياسة الجديدة، إن لم تكن ضمانةً لبريطانيا في حال ساءت الأمور مع الاتحاد الأوروبي. الآن، تواجه لندن وضعين سيئين: علاقات مضطربة مع بروكسيل وأخرى أكثر اضطراباً على الأرجح مع واشنطن.

 

العلاقة مع بروكسيل

يوم السبت، حذّر وزير "بريكست" البريطاني دايفد فروست من علاقات متوترة طويلة المدى في حال لم يتم تطوير الترتيبات التي تحكم إيرلندا الشمالية، واصفاً الحقبة الثنائية المقبلة بأنها حقبة من "اللاثقة الباردة". على الرغم من أنّ إيرلندا الشمالية جزء من المملكة المتحدة، لا تزال الأخيرة خاضعة لبعض قواعد الاتحاد الأوروبي من أجل الإبقاء على حدود برية مفتوحة مع الجمهورية الآيرلندية المستقلة التي تشكل أحد الأعضاء السبعة والعشرين في الاتحاد. خلق بروتوكول "إيرلندا الشمالية" حواجز تجارية داخلية مع إنكلترا، اسكتلندا، وويلز. وأدخلت الحكومة البريطانية قيوداً جديدة على بعض السلع الغذائية الآتية من بريطانيا إلى إيرلندا الشمالية. أدى ذلك إلى عرقلة الإمدادات وإثارة غضب مؤيدي الوحدة في المملكة المتحدة.

 

قالت بروكسيل إنّ على لندن احترام البروتوكول الذي وقّعت عليه، بينما ردّت لندن عبر اتّهام الأولى بعدم مرونتها وبالقول إنّ الوضع غير قابل للاستدامة. هذا باختصار هو أبرز سبب من أسباب التوتّر بين الطرفين. وسط هذه المشاكل وغيرها، شكّل الانسحاب الأميركي من أفغانستان صداعاً جديداً للبريطانيين.

 

"جو النعسان"... "ترامب الصغير"

إنّ تبادل الاتهامات بين واشنطن وبروكسيل في هذا الملف حجبَ، أو يكاد، التراشق الكلاميّ بين البريطانيين والأوروبيين. ولخّص موقع "بيزنس إنسايدر" هذا التراشق حيث وبعد تجاهل بايدن مناشدات لندن لتمديد فترة الإجلاء، قال أحد الوزراء البريطانيين عن بايدن إنّه لم يكن في كامل قواه العقلية. ووفقاً لصحيفة "الصنداي تايمز"، بدأ رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بتوصيف الرئيس الأميركي بـ"جو النعسان" وهو توصيف كان يستخدمه دونالد ترامب عن منافسه الديموقراطي. بايدن نفسه وصف جونسون بـ"ترامب الصغير" السنة الماضية. على الرغم من ذلك، كان جونسون أوّل مسؤول أجنبيّ يتلقّى اتّصالاً هاتفياً من بايدن وكذلك، زيارة رسمية منه.

 

في هذا الوقت، ردت مصادر وزارة الدفاع لمجلة "بوليتيكو" قائلة إنّ المسؤولين البريطانيين دفعوا واشنطن إلى إبقاء أحد المداخل مفتوحاً في كابول وهو ما استهدفه الإرهابيون لاحقاً. نفى وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب هذا الزعم بغضب. وتجاهل بايدن الرد على اتصال جونسون لمناقشة الأوضاع في كابول لثلاثة أيام. في السياق نفسه، اتّهم مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي بريطانيا بالغرق في "وهم مزدوج" حيث فشلت وزارة الخارجية بالاعتراف بواقع تعب الولايات المتحدة ومللها من مشروع بوش التدخلي واللذين يعودان إلى إدارة باراك أوباما.

 

تفاؤل مستند إلى التاريخ؟

عُرفت العلاقات الأميركية - البريطانية طويلاً بـ"المميزة". بعد الانسحاب الأفغاني، يمكن أن يحتاج المراقبون إلى صفة أخرى. بطبيعة الحال، ليس الجميع موافقاً على أنّ الأضرار ستكون قاتلة. يقول الوكيل السابق لوزارة الخارجية لجنوب آسيا أليستر بيرت لـ"بيزنس إنسايدر" إنّ العلاقات الثنائية أقوى من أن تتأثر بالأفراد وأقوى من أن تكون قد تأثرت بالحدث الأفغاني. إلى حد ما، تشاطر تحليلات أخرى نظرة أليستر. في الواقع، إنّ نظرة تاريخية للعلاقات "المميزة" تظهر أنّ الولايات المتحدة فشلت ولفترة طويلة في التشاور مع بريطانيا حيال القرارات الكبيرة التي اتّخذتها كما تذكّر بذلك مجلّة "إيكونوميست".

 

هذا ما حصل مثلاً مع قرار ريتشارد نيكسون التخلي عن "معيار الذهب" عام 1971 وعُرفت تلك الخطوة بـ"صدمة نيكسون". وقرّر رونالد ريغان اجتياح غرينادا عام 1983 وهي عضو في الكومنولث من دون التشاور مع مارغريت ثاتشر ممّا أثار غضبها. لم يمنع ذلك المسؤولين من أن يصبحا صديقين بل "توأم روح سياسيّ". من جهة ثانية، لا يهتمّ بايدن باتفاق تجاري مع بريطانيا ويعارض علناً "بريكست" ويؤيّد "بروتوكول إيرلندا الشمالية". علاوة على كل ذلك، تتركز أجندة بايدن في الداخل لا في الخارج، وحتى في الحالة الأخيرة، ينصبّ تركيزه على آسيا لا على أوروبا وفقاً للـ"إيكونوميست".

 

مكامن قلق أخرى

ما يفاقم هذه المشاكل هو أنّ بايدن وخلال لقائه جونسون، بدا غير مدرك لكون إيرلندا الشمالية جزءاً من المملكة المتحدة وليست مقاطعة تابعة للجمهورية الإيرلندية بحسب البعض. هل بايدن غير مدرك، أو مدرك للقضيّة ويعبّر فعلياً عمّا يجول في خاطره؟ في 2020، حين سأله مراسل "بي بي سي" عن تقديم كلمات سريعة لشبكته قال: "أنا إيرلندي". كذلك، يلقي بايدن نكاتاً عن منع اللون البرتقالي من منزله، اللون الذي يشير إلى مؤيدي بقاء إيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة، كما التقى خلال استعداده للترشح رئيس "شين فين" جيري آدامز لمناقشة "إيرلندا متحدة" بحسب كلام آدامز. هذه المؤشّرات لا تترك انطباعاً جيّداً بين البريطانيّين حتى مع وضع قضيّة الانسحاب الأميركي من أفغانستان جانباً.

 

لقد فقدَ البريطانيون حوالي 450 جندياً وهم يشاركون إلى جانب الجيش الأميركي في قتال الإرهابيين داخل أفغانستان. من الطبيعي أن تشعر لندن بتخلّي واشنطن عنها في واحدة من أصعب القضايا الدوليّة. وما يزيد الطين بلّة هو أنّ عدم رغبة بايدن بطرح فكرة تمديد مهلة عمليّات الإجلاء يمكن أن تكون نابعة من اتّفاق أميركيّ-"طالبانيّ" وهذا بدوره سيطرح المزيد من الأسئلة عن المكانة التي تحتلّها بريطانيا بالنسبة إلى حليفتها التقليديّة.

 

في آب (أغسطس) الماضي، وحين كانت كارثة الانسحاب تحتلّ الشاشات، سألت رئيسة الحكومة البريطانية السابقة تيريزا ماي عمّا إذا "كنا قد اعتقدنا ببساطة أنّه توجّب علينا اتباع الولايات المتحدة مستندين إلى الحظ وآملين أن يكون كل شيء على ما يرام في نهاية المطاف؟"

 

من غير المرجّح أن يطلق الملفّ الأفغانيّ مسار طلاق بين واشنطن ولندن في أيّ وقت قريب. لكنّ ذلك لا يعني أنّ العلاقات الثنائية ستعود إلى سابق عهدها "المميّز" – أقلّه ليس في ولاية بايدن وفقاً للمؤشرات الحالية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم