إعلان

التّقارب الفرنسي - الروسي كنتيجة حتميّة للتّباعد الفرنسي-الأميركي

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
بوتين في ضيافة ماكرون، 2017 - "أ ب"
بوتين في ضيافة ماكرون، 2017 - "أ ب"
A+ A-

ثمة حاجة لوقت إضافي طويل من أجل معرفة ما إذا كانت المكالمة الهاتفية بين الرئيسين جو بايدن وإيمانويل ماكرون، الشهر الماضي، قد مهّدت الطريق لمصالحة شاملة بين الطرفين، على خلفيّة أزمة الغواصات. حالياً، ما من أدلة كافية تبيّن أنّ الخلاف الكبير بين الأميركيين والفرنسيين قد يصطلح من خلال مكالمة هاتفية، حتى لو اتفق الطرفان على إظهار أنّ بايدن هو الذي قام بالمبادرة لإصلاح ذات البين.

 

"سذاجة"

بعد الاتصال، طالب ماكرون أوروبا "بالتوقف عن أن تكون ساذجة" تجاه الولايات المتحدة. جاء كلامه خلال مؤتمر صحافيّ في باريس إلى جانب رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، بعد إتمامهما صفقة بيع فرقاطات فرنسية إلى أثينا بقيمة 3.51 مليارات دولار. أوضح ماكرون أنّ باريس وواشنطن كانتا "حليفتين وصديقتين تاريخيتين على مستوى القيم". لكنّه شدّد على ضرورة أن يرى القادة الأوروبيون "أنه لأكثر من 10 أعوام، ركّز الأميركيون على أنفسهم، وقد أعادوا توجيه مصالحهم الاستراتيجية نحو الصين والهادئ". وأضاف أنّه إن كان يتوجّب على بروكسل عدم التصعيد مع واشنطن، فينبغي عليها بالمقابل أن تدافع عن نفسها أيضاً.

إذا ترسّخ الخلاف السياسيّ بين الطرفين، وإن مع افتراض أنّه لن يأخذ شكل التوتّر الدبلوماسي الصاخب الذي طرأ بعد اتفاق "أوكوس"، فمن المنطقيّ توقّع فرنسا وهي خارجة للبحث عن أحلاف جديدة على المسرح الدولي. حتى فرنسا أجرت استدارتها الخاصّة نحو منطقة الهادئ منذ خمسة أعوام. على أيّ حال، وفي سنة انتخابية محتدمة، يمكن رؤية المطلب "الاستقلالي" على لائحة البرامج الانتخابية لأبرز المرشّحين الرئاسيين. وثمّة ما يفوق ذلك على مستوى هذه البرامج.

 

"ماكرون المعتدل"

من الوعود الانتخابية المطروحة ما يجعل ماكرون يبدو معتدلاً في السياسة الخارجية بالمقارنة مع مرشّحين آخرين. فأقصى اليمين واليسار، (إريك زيمور وجان لوك ميلانشون) يطالبان بحلّ حلف شمال الأطلسيّ (الناتو). مارين لوبان من اليمين المتطرف أيضاً والأقرب إلى مواجهة ماكرون في المرحلة الأخيرة من الانتخابات، تريد كذلك سحب فرنسا من "الناتو". اليمين الوسط في فرنسا المنشغل مؤخراً في خلافاته الداخلية كما في تفادي تهم الفساد، هو الوحيد الذي يريد البقاء في حلف شمال الأطلسي. هذا قبل أزمة الغواصات. أمّا بعدها، فقد أعلن أحد مرشّحيه، كزافييه برتران، احتمال بروز تداعيات على المعاهدة الأطلسية. حتى "الاشتراكيون" من اليسار الوسط يرون أنّ "الناتو لا يؤمّن ضمانة كاملة".

يبدو المشهد الفرنسيّ العام مؤاتياً لماكرون. ببساطة، يطلق هذا المشهد العنان لأفكاره "الاستقلالية" بشأن دور باريس على الصعيد الدولي. بهذا المعنى، إنّ أيّ ابتعاد فرنسيّ تدريجيّ عن الولايات المتحدة في السياسة الدولية يعني حكماً اقتراباً فرنسياً من روسيا. الأسباب التي تفسّر هذه المعادلة ليست بالقليلة. عودة أولاً إلى المشهد السياسيّ الفرنسيّ.

 

بين السّياسة والجغرافيا

جميع الأطراف البارزة في هذا الطيف تؤيّد علاقات جيّدة إلى ممتازة مع روسيا، وفي مقدّمتها اليمين المتطرف الذي يطالب أيضاً برفع العقوبات الأوروبية عن موسكو. حتى اليمين الوسط لا يمانع مبدئياً تحسين هذه العلاقات. اليسار الوسط هو الطرف الذي يبدو أكثر تحفّظاً في هذا السياق.

من ناحية ثانية، تفرض الجغرافيا - السياسية نفسها على فرنسا. بعكس الولايات المتحدة المعزولة جغرافياً عن العالم بفعل وقوعها على ساحلي الأطلسي والهادئ، لدى فرنسا جار روسيّ قادر على تشكيل تهديد أمنيّ سريع على كامل القارة الأوروبية. علاوة على ذلك، يرى ماكرون أنّ الجغرافيا تربط فرنسا وروسيا. فهو تحدّث مراراً عن رؤيته إلى أوروبا تضمّ المدن كافة من ليشبونة (البرتغال) إلى فلاديفوستوك (أقصى شرق روسيا). من غير المستبعد وجود اعتقاد لدى ماكرون البراغماتيّ بأنّ ربط فرنسا وروسيا بجغرافيا ومصير مشترك يمكن أن يجعل من الأخيرة دولة أقل عدوانيّة. تبقى مسألة "نورد ستريم 2".

حين يلاحظ ماكرون أنّ بايدن نفسه الذي خاض حملته الانتخابية على أساس التشدّد مع روسيا أعفى مشروعاً استراتيجياً لموسكو من العقوبات الأميركية، فسيتساءل عن مبرّر حمل باريس وحدها تقريباً لواء "معاداة" موسكو وبشكل شبه مجّانيّ.

ومن المفيد بمكان التذكير بأنّ أوّل رئيس دولة أجنبيّة تلقّى دعوة رسمية من ماكرون لزيارة فرنسا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بالفعل، خصّص الرئيس الروسيّ حينها استقبالاً "ملوكيّاً" خاصّاً لنظيره الروسيّ. كانت مناسبة الدعوة افتتاح معرض بارز لمرور 300 عام على افتتاح بطرس الأكبر العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا. ولبطرس الأكبر رمزيّة خاصّة لروسيا، وهو بالتأكيد واحد من أفضل أبطال روسيا بالنسبة إلى بوتين، إن لم يكن أفضلهم على الإطلاق.

 

مجرّد فرصة

حذّر الباحث البارز في "مركز التقدم الأميركي" ماكس بيرغمان من عدم مسارعة واشنطن إلى ترميم العلاقات مع الفرنسيّين. فماكرون قادر على توسيع تواصله مع روسيا بشكل يقوّض جهود الولايات المتحدة في توحيد العلاقات العابرة للأطلسي. وأضاف الباحث نفسه في موقع "وور أون ذا روكس" أنّ فرنسا ترى في التواصل مع روسيا عاملاً يمكن أن يليّن سلوكها ممّا يطمئن قليلاً دول أوروبا الشرقية.

طبعاً لا تتمتّع هذه الدول بالأمل نفسه. بل ربّما هي تلخّص التطلّع الفرنسيّ نحو علاقات أفضل مع روسيا، تماماً كما تلخّص فرنسا التطلّع الأوروبي نحو علاقات أفضل مع الولايات المتحدة – بكلمة واحدة: "السذاجة". لكن بصرف النظر عن التوصيف، لن تقف دول أوروبا الشرقية عائقاً أمام التقارب الفرنسيّ-الروسيّ. نادراً ما تمكّنت هذه الدول من تغيير سياسات الأوروبيين الغربيين تجاه روسيا، وأوكرانيا أوضح مثل.

بلا أدنى شكّ، جاء إغضاب واشنطن لباريس في أسوأ توقيت ممكن للأميركيين. لكنّه ربّما سرّع حدثاً كان على وشك التفاعل عاجلاً أم آجلاً. لدى ماكرون كلّ الدوافع للمضيّ قدماً نحو روسيا. "أزمة الغواصات" ستكون فرصة لتحقيق طموحه القديم، لا السبب في ذلك.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم