إعلان

بيلاروسيا تتحوّل إلى "كوريا شماليّة في أوروبا"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، 13 آب 2020 - "أ ب"
الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، 13 آب 2020 - "أ ب"
A+ A-

يواجه الاتّحاد الأوروبّيّ سلسلة مشاكل جديدة مع الرئيس البيلاروسيّ ألكسندر لوكاشينكو بعدما أجبرت حكومته طائرة "رايان إير" على الهبوط في مطار مينسك لاعتقال المعارض رومان بروتاسيفيتش (26 عاماً). كانت الطائرة متوجّهة من اليونان إلى ليتوانيا حين انتشر خبر كاذب عن وجود قنبلة على متنها، ممّا اضطرها إلى الهبوط في المطار برفقة مقاتلات بيلاروسيّة. بعدها، تمّ اعتقال بروتاسيفيتش وصديقته. وصف كثر تصرّف لوكاشينكو بأنّه "قرصنة جوّيّة برعاية رسمية". المشكلة الأولى التي تواجهها أوروبا هو أنّ عدم تحرّكها سيؤدّي إلى جعل مثل هذه القرصنة أمراً عادياً وربّما متكرّراً. وبما أنّ الاختطاف حصل ضمن الأجواء الأوروبية تحديداً، يصبح واجب التحرّك على بروكسل أكثر إلحاحاً.

 

"عالقٌ في الزمن"

يوصف لوكاشينكو بأنّه "آخر ديكتاتور في أوروبا" هو الذي لا يزال ممسكاً بالسلطة منذ سنة 1994. حين كان نائباً في البرلمان البيلاروسيّ السوفياتيّ الأعلى سنة 1991، صوّت لوكاشينكو ضدّ حلّ الاتّحاد السوفياتيّ. في ذلك الوقت، كان البرلمانيَّ الوحيد الذي صوّت بهذا الاتّجاه. وعندما أصبح أوّل رئيس للبلاد، بدا "رجلاً عالقاً في الزمن" بحسب تقرير لوكالة "أسوشييتد برس"، حيث أبقى بيلاروسيا مجرّد آثار سوفياتيّة غريبة ومخيفة. إذ بينما تكيّفت الدول السوفياتيّة السابقة المجاورة مع الرأسماليّة، أبقى لوكاشينكو الاقتصاد البيلاروسيّ تحت سيطرة الدولة. لكن مع مرور الوقت، لم تستطع الشركات المدارة من الدولة مجاراة مرونة الأسواق.

 

في 2020، فاز لوكاشينكو بالانتخابات الرئاسيّة التي وصفها المعارضون والاتّحاد الأوروبّيّ بأنّها غير نزيهة، فاندلعت تظاهرات كبيرة اعتراضاً على النتائج. ولا يزال غياب الاستقرار السياسيّ سمة بارزة للمشهد الداخليّ البيلاروسيّ، مع استمرار حملات القمع بحقّ المعارضين. وتعدّ الناشطة سفيتلانا تيخانوفسكايا زعيمةَ المعارضة وهي تقيم في ليتوانيا التي أصبحت منفى طوعيّاً للعديد من المعارضين البيلاروس. وما حصل مع بروتاسيفيتش يعدّ الحلقة الأخيرة من سلسلة قمع طويلة للمتظاهرين. الفارق هذه المرّة يكمن في أنّ تداعيات تلك الخطوة تتخطّى الحدود البيلاروسيّة لتشكل خطراً على أمن الملاحة في أوروبا، وربّما أبعد. ليس أدلّ على خطوة سلوك مينسك الأخير سوى التقارير التي تحدّثت عن أنّ بيلاروسيا "تتحول إلى كوريا الشماليّة للاتّحاد الأوروبّيّ".

 

"دولة خطيرة"

يذكر الكاتب السياسي فلاديسلاف دايفيدزون في مجلة "فورين بوليسي" أنّ المعارضين البيلاروس بدأوا يشبّهون بلادهم بالصومال المشهورة بالقرصنة في البحار أو بالدولة الكورية الشماليّة المعزولة والقاتلة. حتى حين درس الأوروبّيّون فرض عقوبات جديدة من بينها "منطقة حظر جوّيّ" كامل فوق بيلاروسيا، تخوّف المعارضون من أن تدخل بلادهم مرحلة عزلة كاملة ويتسرّع تحوّلها إلى كوريا شماليّة في أوروبا.

 

ويوم الأربعاء الماضي، تحدّثت تيخانوفسكايا عبر الفيديو إلى نواب في لجنة الشؤون الخارجيّة التابعة للبرلمان الأوروبّيّ. وقالت إنّ الردّ يجب أن يتصدّى لكامل الوضع في بيلاروسيا أو ستبرز أوضاع مشابهة في المستقبل "بما أنّ لوكاشينكو يحوّل بلادي إلى كوريا شماليّة لأوروبا: غير شفافة، لا يمكن التنبؤ بسلوكها وخطيرة". ووجّه معارضون آخرون في المنفى الاتّهامات نفسها إلى رئيس البلاد.

 

لكن على الرغم من حثّ المعارضين القادة الأوروبيّيّن على اتّخاذ إجراءات بحقّ لوكاشينكو، تتمتّع بروكسل بنفوذ محدود في هذا الإطار بحسب صحيفة "فايننشال تايمس" البريطانيّة. علاقات بيلاروسيا مع جيرانها الغربيّين قليلة بينما يعتمد اقتصادها بشكل كبير على الاقتصاد الروسيّ. وتخوّف القادة الأوروبّيّون من أن يؤدّي فرض العقوبات إلى تضييق الخناق الاقتصاديّ على الشعب البيلاروسيّ. علاوة على كلّ ذلك، تعرقل الانقسامات الداخليّة فرص توصّل الأوروبيين إلى اتّخاذ خطوات موحّدة. مع ذلك، تنصح المجلّة بروكسل بفرض عقوبات على الأوليغارشيين البيلاروس لأنّهم أكثر من يسافر إلى أوروبا ولأنّهم يقدّمون الدعم لإبقاء النظام صامداً.

 

لم يكن خائفاً

خلال الفترات التي سبقت التظاهرات، حاول لوكاشينكو الانفتاح على الغرب. أتت محاولاته ضمن تأليب الروس والغرب ضدّ بعضهم البعض للاستفادة من هذه التناقضات بحسب "المجلس الأطلسي". لكن بعد اندلاع الحركات الاحتجاجيّة بات لوكاشينكو أكثر اعتماداً على موسكو. ويقول مدير "مركز أوراسيا" في المجلس نفسه جون هيربست إنّ الرئيس البيلاروسيّ لم يكن خائفاً من ردّ الفعل الغربيّ، لهذا السبب أقدم على فعلته. ويضيف أنّه خلال السنتين الماضيتين، راقب لوكاشينكو كيف اغتال الكرملين شخصيّة شيشانيّة معارضة وسمّم المعارض الروسيّ ألكسندر نافالني من دون ثمن. والأمر الأكثر إثارة للحزن بحسب تعبيره، هو الإعفاء الذي منحته إدارة بايدن للشركة الأساسيّة المشغّلة لمشروع "نورد ستريم 2" من العقوبات الأميركيّة.

 

من جهتها، حذّرت الكاتبة في صحيفة "ذا غراند آيلاند إندبندنت" الأميركيّة ترودي روبين من أنّ عدم اتّخاذ موقف صلب من الحدث الأخير، قد يدفع دولاً مثل روسيا وإيران إلى إجبار طائرات تحلّق في مجالاتها الجوية على الهبوط في مطاراتها لأسباب مشابهة. وكانت طائرة "رايان إير" قد أجبِرت على الهبوط في مينسك قبل دقيقتين فقط من دخولها المجال الجوّيّ الليتوانيّ.

 

فقدت احترامه

اللافت للنظر أنّ تشبيه بيلاروسيا بكوريا الشمالية لا ينحصر في عالم الصور البيانيّة. فمينسك هي من بين العواصم القليلة التي لا تجد حرجاً في إعلان ضرورة تطوير علاقاتها مع بيونغ يانغ. في 3 تشرين الثاني الماضي، وحين استقبل السفير الكوريّ الشماليّ في بلاده، قال لوكاشينكو: "لدينا مستوى من العلاقات منخفض بشكل غير معقول" مع بيونغ يانغ، مظهراً وجود حاجة إلى العمل بشكل أكثر نشاطاً لتعزيزها.

 

ويقول الخبير في العلاقات الأوراسية-الكورية الشمالية أنتوني رينا إنّ لوكاشينكو قد يريد تعزيز هذه العلاقات بسبب الوضع السياسيّ في بلاده، فكوريا الشماليّة لم تحظَ بالأولويّة لدى الرئيس البيلاروسيّ قبل التظاهرات. وأشار إلى أنّ مينسك تجد قيمة في أيّ استقلال سياسيّ وديبلوماسيّ، وقد تتشارك مع كوريا الشماليّة حسّ التضامن بما أنّها دولة صغيرة وخاضعة للضغط الخارجيّ.

 

يمكن أن تكون بعض الدول الغربيّة، وفي مقدّمتها ألمانيا والولايات المتحدة، مسؤولة بشكل غير مباشر عن حادثة "رايان إير" بما أنّها لم تتشدّد في سياستها الروسيّة حين استوجب الأمر ذلك. اليوم، ربّما تدفع هذه الدول ثمن تلك السياسات عبر ما قام به لوكاشنكو. لقد خسر الغرب "احترام الديكتاتور الصغير"، وفقاً لرأي هيربست.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم