إعلان

​شنجن مدينة التكنولوجيا والتّجسّس​ تتهيأ لإطاحة هونغ كونغ

المصدر: النهار العربي خلدون زين الدين
مدينة شنجن الصينية
مدينة شنجن الصينية
A+ A-
 قبل أربعين عاماً، كانت قريةَ صيد هادئة وباتت اليوم مدينةً ذات تقنية عالية. كانت مجرد فسحة فقيرة منسية وباتت مركزاً مُهدِّدا للتفوق التكنولوجي الغربي. كانت عادية "جغرافياً" وتفوقت اليوم أو تكاد على جارتها "المُزعجة" هونغ كونغ. فيها ما يزيد على 70 ألف شركة عملاقة، وهي أول مدينة صينية تستخدم تقنية التعرف الى الوجه في الشوارع، مزودة بكاميرات عالية الدقة وحوسبة سريعة.
 
...نتحدث عن "شنجن"، من توصف صينياً بـ"مدينة المستقبل"، ويصفها الغرب متوجساً بـ"مدينة الرئيس الصيني شي جينبينغ للمراقبة والتجسس". فما سر هذه المدينة؟ أي حاضر لها وأي مستقبل؟ وبعد، السؤال يُطرح: هل تُطيح "هونغ كونغ"؟ 

مرتفعات الابتكار التكنولوجي
 
قال الرئيس الصيني شي تجينبينغ أخيراً: "يجب علينا أن ننفذ بثبات استراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار، لبناء مرتفعات للابتكار التكنولوجي والصناعي ذات تأثير عالمي". ليس في الأمر غرابة، فهذه المنطقة الجنوبية الواقعة على ضفاف نهر اللؤلؤ، تحولت مركزاً عالمياً للابتكار وريادة الأعمال. هي أشبه بـ"وادي سيليكون" صيني تقود من داخله بكين العالم.
 
وأيام قليلة احتفلت "شنجن" بعيد ميلادها الأربعين. أثناء مراسم الاحتفال، لخّص الرئيس شي جينبينغ التجارب العشر لـ"نموذج شنجن"، وهي: الالتزام بقيادة الحزب الشيوعي الصيني في بناء مناطق اقتصادية خاصة. التمسك بالنظام الاشتراكي ذي الخصائص الصينية وتحسينه. الالتزام بمبدأ التنمية المطلق. الاستمرار في الانفتاح الشامل. الالتزام بالتنمية. الإصرار على الجرأة والمحاولة، والجرأة على أن تكون الأفضل. الحفاظ على الانفتاح الشامل على العالم الخارجي. الابتكار باعتباره القوة الدافعة الأولى، والتمسك بزمام المبادرة في الثورة العلمية والتكنولوجية العالمية والتحول الصناعي والحفاظ على تمحور التنمية حول مصالح الشعب، وجعل نتائج الإصلاح والتنمية أكثر تقارباً مع احتياجات المواطنين.
 
هي نماذج عشرة أشبه بشيفرة سرية لمستقبل صيني تكنولوجي رائد. نماذج مثّلت الدافع طوال أربعين عاماً لـ"شنجن". قفزات تاريخية تحققت. تكفي استعادة الماضي للتثبت؛ كانت قرية صغيرة متخلفة فغدت مدينة عالمية بتأثير عالمي. هي اليوم مركز رئيس لنحو 70 ألف شركة تكنولوجيا عالية عملاقة، مثل شركة "هواوي" وشركة "تينسنت" و"دي جي آي". تعدّ بورصتها المحلية ثامن أكبر بورصة في العالم لجهة القيمة الإجمالية للشركات المدرجة فيها، حتى أكثر من تلك المدرجة في ألمانيا... وفيها أكثر من 13 مليون شخص يسعون الى تحقيق أحلامهم في مدينة متسامحة متعددة الثقافات.
 
تسعى الشركات العملاقة لتطوير "شنجن"، وهو ما يروق للرئيس الصيني. على سبيل المثال. شركة دي جي آي  DJI تستحوذ على 70% من السوق العالمية للطائرات الاستهلاكية من دون طيار. شركة تنسنت  Tencent تُعد أكبر منتج لألعاب الفيديو في العالم. الشركتان، بالتوازي مع شركة هواوي، وترابطها بالحكومة الصينية، تثيران مخاوف أمنية تكمن في صميم التنافس العالمي الأميركي والصيني.
 
يقول الكثير من المراقبين والمتخصصين المهتمين بعالم التكنولوجيا حول العالم، إن بإمكان أجهزة هواوي اعتراض البيانات والرسائل. وبموجب القانون الصيني، هواوي "مُلزمة بتسليم أي معلومات تجمعها إذا أرادت بكين رؤيتها". يقول المراقبون أيضاً إن "اندفاع الصين نحو التفوق التكنولوجي يسمح للدولة بالانغماس في الاستبداد الرقمي، ما يسمح لعمالقة التكنولوجيا في شنجن بإجراء مراقبة عابرة للقارات، والبحث داخل شيفرات هائلة من البيانات الشخصية (...)".
 
بلغة الأرقام
 
عام 1980، بلغ إجمالي واردات التجارة الخارجية لمدينة شنجن وصادراتها 18 مليون دولار أميركي، وعام 2019، وصل إلى 431.5 بليون دولار أميركي، بمتوسط معدل نمو سنوي 26.1%.. "وباعتبار مصالح الشعب محورَ تلك التنمية، ففي عام 2019، بلغ نصيب الفرد من الدخل المتاح لسكان شنجن 62500 يوان، بزيادة قدرها 31.6 مرة عن عام 1985، محققاً قفزة تاريخية من سداد الحاجات العادية للشعب إلى الرخاء الشامل العالي الجودة".
 
ويقول الرئيس الصيني إن "السياسة التي استمرت 40 عاماً لبناء منطقة اقتصادية خاصة لا يمكن فصلها عن المشاركة في المنفعة لجميع دول العالم، كما أنها أوجدت مساحة تنمية واسعة لجميع البلدان ومنافع التنمية المشتركة". 
 
شنجن VS هونغ كونغ
 
في إضاءة سريعة، نذكر أن هونغ كونغ كانت حتى عام 1997 مستعمرة بريطانية. بعد ذلك عادت إلى الإدارة الصينية بموجب اتفاق صيني بريطاني منحها وضع خاصاً. هي تخضع لإدارة خاصة تم الاتفاق عليها بين الصين وبريطانيا، وتتمتع بناءً على ذلك بحكم ذاتي وقوانين خاصة بها. غير أن الأمور لا تسير دائماً سيراً سلساً مع السلطات الصينية المتهمة بالتدخل أكثر من المسموح به في شؤون المدينة. هو أمر يؤدي إلى احتجاجات من فترة الى أخرى كتلك التي اندلعت صيف 2019.
 
مثل هذه الاحتجاجات تنعكس سلباً على سمعة هونغ كونغ. فهل تختفي الأخيرة لمصلحة شنجن؟ يجيب المتخصص بالشأن الآسيوي الدكتور وائل عواد المقيم في نيودلهي لـ"النهار العربي" بأنه "منذ تسليم المستعمرة البريطانية (هونغ كونغ) إلى الوطن الأم عام 1997، وإبقائها ضمن نظام مستقل، أي دولة واحدة في نظامين حتى عام 2047، والحكومة الصينية تبذل جهدها لتحقيق تكامل الإقليم مع الوطن الأم، لكن محاولاتها واجهت معارضة من السكان. وزادت الإجراءات الصينية الأخيرة من مخاوف الدول الغربية على مستقبل مركز المال العالمي. وما زاد الطين بلة، جائحة كورونا والاحتجاجات التي شلّت الحياة العادية في هونغ كونغ (...)".
 
إزاء الإجراءات الصينية "هددت الدول الغربية بفرض عقوبات على بيجينغ وإعادة النظر باتفاق نظام التأشيرات مع هونغ كونغ. ومع ذلك، لا تغير هذه الإجراءات الغربية من الموقف الصيني الصارم تجاه الإقليم". والصين ـ يتابع ـ "قادرة على إيجاد بديل للإقليم ليصبح مركزاً عالمياً، لكن الضغوط والعقوبات الأميركية والغربية سوف تؤثر في هذه الحال سلباً في الأسواق المالية والتداولات وإن لفترة وجيزة... لأن مستقبل هونغ كونغ هو مع الصين. والأخيرة توفر الآن فرصاً جديدة للاستثمار في المناطق الاقتصادية البديلة (...)". 
 
... سواء اختفت هونغ كونغ لمصلحة "شنجن" أم أرسيت علاقة تعاون وتبادل مشترك بين المدينتين، فإن الأكيد أن الهدير الآسيوي، خصوصاً الصيني منه، يُسمع عالياً في الغرب. هدير متعطش إلى حجز موقع ريادي له في مستقبل العالم. في هذه البقعة الصينية من القرية الكونية لم تعد الإقامة في حي المهمشين قدراً محتوماً. هنا، ثمة تجارب تنموية غيّرت مصائر ووضعت شعوباً على طريق المستقبل. عالم الأرقام يكسب غالباً. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم