إعلان

هل تملأ الصين الفراغ الأميركيّ في أفغانستان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستضيف نظيره الأفغاني أشرف غني، 2014 - "أ ب"
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستضيف نظيره الأفغاني أشرف غني، 2014 - "أ ب"
A+ A-

قرّر الرئيس الأميركيّ جو بايدن سحب جميع القوّات الأميركيّة من أفغانستان بحلول 11 أيلول. صحّة خياره بالنسبة إلى الداخل الأفغانيّ تبقى خاضعة للنقاش. لكنّ جميع المراقبين، أكانوا مؤيّدين أو مناوئين للقرار، يتوقّعون الأسوأ. تريد الإدارة التفرّغ لشرق آسيا كي تحدّ من الصعود الصينيّ. الانسحاب من أفغانستان جزء من هذه الاستراتيجيّة.

 

"ضربة"

لا ترتاح الصين إلى وجود قوّات أميركيّة في "فنائها الخلفيّ". لكنّها مع ذلك، نظرت بإيجابيّة إلى مساهمة الأميركيّين بتحسين الاستقرار في تلك المنطقة. بذلك، شكّل الوجود العسكريّ الأميركيّ في أفغانستان "معضلة" بالنسبة إلى الصين. بدأت التقارير تتحدّث عن إمكانيّة إرسال بيجينغ قوّات لحفظ السلام إلى أفغانستان إذا تدهورت الأوضاع الأمنيّة. وتخشى الصين من إمكانيّة انفلاش التطرّف إلى إقليم شينجيانغ المحاذي لأفغانستان. علاوة على ذلك، ثمّة خشية من انتقال الجريمة العابرة للحدود وتهريب الأسلحة وتجارة المخدّرات إلى الداخل الصينيّ.

 

يرى البعض أنّ الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان "ضربة" للصين، بما أنّ "طالبان" ترفض الحوار الداخليّ ومن المرجّح ألّا تقبل الحركة بالاستثمارات الصينيّة في البلاد مفضّلة عوضاً عن ذلك استعادة الحكم والسيطرة على كامل أفغانستان. وسينتج عن الفوضى مصاعب إضافيّة لباكستان ممّا يؤثّر على الممرّ الذي يربط إسلام آباد بـ"مبادرة الحزام والطريق" وفقاً لهذا التحليل.

 

استبقت الصين منذ سنوات إمكانيّة انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان فعملت على نسج علاقات متعدّدة مع القوى الداخلية. استضافت بيجينغ وفوداً عدّة من "طالبان" للتباحث في مستقبل البلاد، حيث بدأت العلاقات بطريقة سرّيّة قبل أن تتحوّل إلى العلن. بالمقابل، حافظت الصين على تواصلها مع الحكومة الأفغانية وقدّمت لها تدريبات ومساعدات خلال السنوات الماضية. كيفية نظر "طالبان" إلى السياسة الصينيّة في أفغانستان، قد لا تتّضح قبل أيلول. إذا قرّرت الحركة اجتياح العاصمة الأفغانية بعد الانسحاب الأميركيّ فهذا يعني أنّها ستخاطر بعلاقاتها مع بيجينغ مقابل استعادة الحكم بشكل كامل. والعكس صحيح.

 

فرصة

لم تكن أفغانستان في صلب اهتمامات الصين الاستثماريّة في آسيا لفترة طويلة من الزمن. لكنّ أفغانستان مستقرّة تعني الكثير بالنسبة إلى "مبادرة الطريق والحزام". إنّ جرّ "طالبان" البلاد إلى حرب أهليّة بعد الانسحاب الأميركيّ يعني أنّ استقرار "المبادرة" قد يتعرّض للاهتزاز. هذا من دون ذكر احتمال إعادة الحركة نسج علاقات مع مقاتلين من الأويغور وتأمين الملاذ لهم في أفغانستان. بالتوازي، إنّ تمتّع حركة "طالبان" بنفوذ في الحكم ليس من دون "إيجابيّات" بالنسبة إلى الصين. يعني هذا التطوّر أنّ باكستان، منافسة الهند، ستتمتّع بنفوذ أكبر في البلاد. قدّمت باكستان الدعم لمقاتلي الحركة في معظم سنوات الحرب. لهذا السبب، تنظر الهند إلى "طالبان" على أنّها "وكيل" باكستان في أفغانستان التي ترى فيها نيودلهي ممرّاً إلى آسيا الوسطى يمكّنها من تفادي المرور عبر إسلام آباد. وقد وصل الأمر بالهند إلى تمويل ميناء تشابهار في إيران قرب أفغانستان لتحقيق هذا الهدف. ولم تُخضع الإدارة الأميركية السابقة هذا الميناء للعقوبات وذلك حفاظاً على العلاقات مع كابول ونيودلهي. لكنّ الانسحاب الأميركيّ اليوم من كابول، بصرف النظر عن التداعيات، قد يعرّض العلاقات الأميركيّة-الهنديّة للخطر.

 

تصبّ هذه التوقّعات في مصلحة الصين بشكل كبير. وانخراط بيجينغ السياسيّ وربّما الاقتصاديّ في كابول يعدّ ضربة أخرى للمصالح الأميركيّة. فالصين تعمل بشكل حثيث على إدخال أفغانستان والنيبال إلى "مبادرة الطريق والحزام" الأمر الذي سيقوّض مباشرة المصالح الجيوسياسيّة للولايات المتحدة والهند معاً. وتحتوي البلاد على حوالي 1 تريليون دولار من الموارد المعدنيّة التي جذبت الاستثمارات الصينيّة والتي تعدّ الاستثمارات الأجنبيّة الأوسع في البلاد.

 

من جانب آخر، ليس مستبعداً أن يلجأ الرئيس الأفغانيّ أشرف غني إلى الصين لحماية نفسه من هجوم "طالبان" المرتقب بعد الانسحاب الأميركيّ. تعزّز ذلك طريقة تعامل الإدارة الحاليّة بشكل استعلائيّ مؤخّراً. وسبق للصين أن استضافت الرئيس الأفغانيّ مرّات عدّة من بينها في 2014، حين شكلت بيجينغ الوجهة الخارجيّة الأولى للرئيس المنتخب حديثاً في ذلك الوقت. وقد طالب حينها بالمزيد من الدور الصينيّ في البلاد. لكن مع تعاظم هذا الدور تدريجيّاً، واجهت الصين انتقادات بأنها تستفيد من "رحلات مجانية" على الجهود الأميركيّة لزرع الاستقرار في البلاد. بمعنى أنّه حين كانت الولايات المتحدة تتكلّف عسكريّاً وبشريّاً لمحاربة "طالبان"، استفادت الصين من البيئة التي وفّرتها واشنطن من أجل توسيع استثماراتها. ربّما يؤمّن الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان فرصة لبيجينغ لا للتخلّص من تلك الصورة وحسب، بل ربّما لتظهير نفسها كصانعة سلام بعدما فشل الأميركيّون في تحقيق ذلك على مدى عشرين عاماً.

 

الخيارات صعبة

بطبيعة الحال، تحتاج الصين إلى باكستان التي تصفها بأنّها "صديقتها في جميع الفصول" كي تضغط على "طالبان". لكن مدى تمتّع باكستان بنيّة وقدرة ممارسة النفوذ على "طالبان" يبقى مسألة غامضة. فالأخيرة ترى في رحيل الأميركيّين باباً لاستعادة حكمها الذي خسرته سابقاً. علاوة على ذلك، تساهم مغادرة الأميركيّين البلاد فرصة لتعزيز سرديّتها المتطرّفة حول إلحاقها الهزيمة بـ"الإمبراطوريّة الأميركيّة" كما هزمت "القاعدة" في السابق الاتّحاد السوفياتيّ. لا يخدم تقاسم السلطة مع كابول هذه السرديّة، بعدما وصفت "طالبان" الحكومة الأفغانيّة بأنّها "دمية" بيد الأميركيّين.

 

ليس واضحاً حجم الاستعداد الصينيّ للتدخّل عسكريّاً في أفغانستان لو فشلت باكستان في مهمّتها. فأفغانستان هي "مقبرة للإمبراطوريّات" وبالتأكيد لا تريد بيجينغ تكرار تجربة الغوص في المستنقع نفسه الذي أغرق السوفيات والأميركيّين. فهل تعمل على إيجاد حلّ للأزمة الأفغانيّة عبر هيكليّة إقليميّة متعدّدة الأطراف تشمل روسيا تفادياً لتحمّل وزر هذا المأزق بشكل منفرد؟ أم أنّ كثرة اللاعبين الإقليميّين تنتج فوضى لا تناسب الصين التورّط فيها؟ قد لا تلوح في الأفق أجوبة سهلة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم