إعلان

أدلجة التنافس الأميركيّ-الصينيّ وضمانات عدم الانفجار

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
القمة الافتراضية التي جمعت الرئيسين جو بايدن وشي جينبينغ في تشرين الثاني الماضي - "أ ف ب"
القمة الافتراضية التي جمعت الرئيسين جو بايدن وشي جينبينغ في تشرين الثاني الماضي - "أ ف ب"
A+ A-

تريد الولايات المتحدة والصين إدارة علاقاتهما بالحدّ الأدنى من المرونة والسلاسة الضامنتين لعدم الانزلاق نحو صدام عسكريّ. للدولتين مصلحة في ذلك. الأميركيّون راغبون بكسب الوقت لإعادة ترميم شرخهم الداخليّ وتلميع صورتهم للعالم وللحلفاء الغربيّين، بينما يسعى الصينيّون إلى مواصلة صعودهم من دون أيّ مفاجآت عسكريّة بانتظار الضمور البطيء لكن الحتميّ للقوّة الأميركيّة بحسب توقّعاتهم. على الرغم من تلاقي المصلحتين، يجد الطرفان صعوبة في تخفيف التوتّرات، بصرف النظر عن جهودهم حيال ذلك، وفي مقدّمها جهود الرئيسين جو بايدن وشي جينبينغ.

 

من بين العقبات التي تعيق التقارب الثنائيّ كيفيّة تصوير واشنطن وبكين لقاعدة تطوّر العلاقات الدوليّة، إن لم يكن للنظام الدوليّ ككلّ. تشدّد الأولى على أنّ مستقبل عالم مسالم مرتكز بالضرورة إلى الديموقراطيّة. إنّها القيمة التي تربط الحكومات في تحالفات مستدامة وتحقّق رفاهية الشعوب وازدهارها وفقاً لهذا التصوّر. قمّة الدول الديموقراطيّة التي دعت إليها إدارة بايدن مؤخّراً خير تجسيد للتطلّع الأميركيّ.

 

الرؤية الأميركيّة

جمعت واشنطن يومي الخميس والجمعة قرابة مئة دولة ومنظّمة غير حكوميّة وشركات ومنظّمات خيريّة لبحث صياغة "أجندة تأكيديّة للتجدّد الديموقراطيّ وللتصدّي لأعظم التهديدات التي تواجهها الديموقراطيّات اليوم من خلال التحرّك الجماعيّ". لقيت القمّة انتقادات من الداخل والخارج معاً.

 

الأكاديميّ في دراسات السياسة الخارجيّة والدفاعيّة في "معهد كايتو" تيد كاربنتر انتقد معايير الدعوات الموجّهة إلى الدول. دُعيت بولونيا إلى القمّة لكنّ المجر لم تتلقّ دعوة مماثلة، بالرغم من الميول الأوتوقراطيّة المتزايدة لدى الدولتين كلتيهما وإن بوتيرة مختلفة. الفارق أنّ الأولى أكثر اعتناقاً لسياسة المواجهة الأميركيّة مع روسيا بعكس الثانية. ودعت واشنطن البرازيل والهند للمشاركة بصرف النظر أيضاً عن زيادة "الممارسات التسلّطيّة" فيهما خلال السنوات الأخيرة. لكنّ واشنطن لا تريد أيّ تهاون من قبل الدولتين في مواجهة موسكو وبكين، وبناء على هذا الأساس تمّت الدعوة بحسب رأي كاربنتر.

 

من جهتهما، وصف سفيرا روسيا أناتولي أنطونوف والصين تشين غانغ سماح الولايات المتحدة لنفسها "بتحديد أيّ دولة تعدّ ديموقراطيّة وأيّ دولة ليست مؤهّلة لهذا الوضع بأنّه "يكشف عن عقليّة الحرب الباردة".

جوهر المشكلة بالنسبة إلى روسيا والصين ليس أحقّيّة التحديد أو معايير الدعوة وحسب. بطبيعة الحال، لا تستثني الصين نفسها من خانة الدول الديموقراطيّة. فـ"الديموقراطيّة الصينيّة تتمتّع بمستوى أعلى من الجودة والفاعليّة" بالمقارنة مع الديموقراطيّة الغربيّة، بحسب وكالة "شينخوا".

لكن على الصعيد العمليّ، تعتقد موسكو وبكين أنّ الديموقراطيّة وسيلة لمحاربتهما أو لاحتوائهما. بالنسبة إلى بكين تحديداً، إنّها أيديولوجيا هادفة علاوة على التدخّل في شؤونها الداخليّة، إلى حرمانها من حقّها الطبيعيّ في الصعود السلميّ.

 

لن تكون الصين الدولة الوحيدة "المتضرّرة" من قمّة للديموقراطيّة، في حال وقوع هذا الضرر. الولايات المتّحدة نفسها قد تشهد آثاراً سلبيّة بسبب القمّة إذا ما صحّ تحليل أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة هارفارد والكاتب السياسيّ في مجلّة "فورين بوليسي" ستيفن والت: لو كانت الصين القلق الأساسيّ للأميركيّين فالتركيز على الديموقراطيّة سيوفّر للصين فرصة لتطوير علاقاتها مع دول لن تعيد تنظيم ترتيباتها السياسيّة "لإسعاد العم سام"، كما كتب. وإن كانت المشكلة الأولى هي التغيّر المناخيّ أو "كورونا"، فستكون مهمّة الأميركيّين تعزيز التعاون مع كلّ الدول، لا تقسيم العالم بين دول "جيّدة" و"سيّئة". وثمّة خطر في أن يساهم عدم إصدار القمّة أيّ نتائج ملموسة بتعزيز تصوّر أنّ الديموقراطيّة نفسها لم تعد تناسب أهدافها وفقاً لرأيه.

 

بهذا المعنى، إنّ قمّة بقيادة أميركيّة هدفها تقييد الصين وتمكين واشنطن قد تخرج بنتائج عسكيّة من دون إزالة ألغام التوتير في العلاقات الثنائيّة. لكنّ تقسيم العالم بين دول "جيّدة" و"سيّئة" بناء على المعيار الديموقراطيّ بعيدٌ من أن يكون عنصر التفجير الوحيد في تلك العلاقات. فالصين نفسها ترى أنّ العالم في صراع بين "الرأسماليّة" و"الاشتراكيّة".

 

الرؤية الصينيّة

يشير الحزب الشيوعيّ الصينيّ إلى أنّ "نجاحنا المستمرّ في تكييف الماركسيّة مع السياق الصينيّ وحاجات زمننا مكّن الماركسيّة من اتّخاذ وجهة نظر أمام عيون العالم، وأحدث تحوّلاً كبيراً في التطوّر التاريخيّ العالميّ والصراع بين الأيديولوجيّتين المختلفتين والنظامين الاجتماعيّين للاشتراكيّة والرأسماليّة بطريقة تفضّل الاشتراكيّة".

 

يعيد هذا الصراع العالم إلى منطق الحرب الباردة الذي ترفضه الصين. في نهاية المطاف، كان الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتيّ صراعاً بين الرأسماليّة والاشتراكيّة تبيّن أنّه ما كان بالإمكان أن ينتهي إلّا بانتصار إحدى هاتين العقيدتين على حساب الأخرى. بعبارة ثانية، كان إيجاد تسوية بين هذين النظامين شبه مستحيل. والأهمّ أنّ الصراع كاد أن ينتهي بحرب نوويّة (أزمة صواريخ كوبا).

 

من المحتمل ألّا تكون الصين في طور محاولة إعادة إحياء اشتراكيّة عالميّة ذات خصائص صينيّة. على الأقلّ، يعتقد البعض أنّ الرئيس شي جينبينغ لا يريد "تصدير" النموذج الصينيّ إلى الخارج. لكنّ ناتاشا قسام ودارين ليم من الجامعة الأستراليّة الوطنيّة يعتقدان بصعوبة الارتقاء على الصعيد الدوليّ "من دون بيئة عالمية مؤاتية تمكّن (الدول الصاعدة) من تحقيق السلطة والازدهار والمكانة". لهذا السبب، "تريد الصين إعادة صناعة العالم وفقاً لرؤيتها"، أقلّه في المؤسّسات الدوليّة التي ترتكز أهدافها إلى حقوق الإنسان والقيم الليبيراليّة.

 

من ناحية ثانية، اعترف مستشار شؤون الأمن القوميّ في إدارة بايدن، جيك سوليفان ومساعده كيرت كامبل في كتابات سابقة لتولّيهما منصبيهما أنّ "الصين قد تقدّم في نهاية المطاف تحدّياً أيديولوجيّاً أقوى ممّا فعل الاتّحاد السوفياتيّ، حتى ولو لم تسعَ صراحة إلى تصدير نظامها". يشرح الباحث في "معهد بروكينغز" ليندزي فورد هذه الخشية بالإشارة إلى أنّ "بكين لا تحتاج إلى بناء نسخ كربونيّة من نظامها لممارسة التأثير. "إنّها تحتاج ببساطة إلى تشجيع تبنٍّ أكبر للمؤسّسات والأدوات التي تعزّز سلطتها".

 

تضاف تلك الخشية إلى اللاوعي الأميركيّ الجماعيّ بشأن الأحداث التي رافقت تمدّد الاشتراكيّة العالميّة خلال الحرب الباردة. وعلى الرغم من أنّ الرأسماليّة الليبيراليّة التي تعتمدها الولايات المتحدة مرّت وتمرّ في مدّ وجزر على مستوى الأداء، أظهر استطلاع رأي حديث لـ"غالوب" أنّ معظم الأميركيّين (60 في المئة) ينظرون بـ"إيجابيّة" إلى الرأسماليّة بينما يملك 38 في المئة منهم هذه النظرة إلى الاشتراكيّة.

 

تآكل الضمانات

إنّ تأطير الصراع الثنائيّ أيديولوجيّاً، أكان لجهة كونه ديموقراطيّاً/أوتوقراطيّاً (السرديّة الأميركيّة) أو رأسماليّاً/إشتراكيّاً (السرديّة الصينيّة) من شأنه إضعاف الضمانات التي يسعى الطرفان إلى تعزيزها من أجل تفادي الاصطدام الكبير. طبعاً ليس التأطير الأيديولوجيّ بحدّ ذاته وصفة وحيدة للانفجار. فالأساس هنا لما يسمّيه الواقعيّون بلعبة تنازع على السلطة بين جميع القوى العظمى ذات محصّلة صفريّة، حيث أنّ هذا التنازع واقع حكماً بصرف النظر عن طبيعة النظام الذي تعتنقه هذه القوى.

 

مع ذلك، ليس بالإمكان تجاهل مدى تسريع أدلجة التنافس اصطدام الجبّارين في نهاية المطاف. فالنظرة "المانويّة" إلى العالم تعمّق الاستقطاب الأيديولوجيّ الذي بدوره يذكي "وجوديّة" الصراعات حول ملفّات قد لا تتعلّق مباشرة بالأمن القوميّ لأيّ من البلدين. بهذه الطريقة، تصبح القمم المشتركة أو حتى الأجندات الداخليّة لكلّ من واشنطن وبكين أقلّ قدرة ممّا يؤمل منها على ضغط مكابح التصعيد.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم