إعلان

أيّ تحدّيات أمام الحزب الشيوعيّ الصينيّ بعد 100 عام على تأسيسه؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
صينيون ينظرون إلى عرض ضوئي في شنغهاي عشية الذكرى المئوية للحزب الشيوعي (ا ف ب)
صينيون ينظرون إلى عرض ضوئي في شنغهاي عشية الذكرى المئوية للحزب الشيوعي (ا ف ب)
A+ A-

احتفلت الصين اليوم بذكرى مرور 100 عام على ولادة الحزب الشيوعي الصيني. أسّس الزعيم الصينيّ الأسبق ماو تسي تونغ الحزب الذي سيسلك مساراً تصاعديّاً مختلفاً عن الأحزاب الشيوعيّة الأخرى حول العالم والتي شهدت تضاؤلاً في حجمها السياسيّ والشعبيّ إن لم يكن أفولاً كاملاً. ساعدت موسكو السوفياتية الصين في تأسيس الحزب الذي وصل إلى السلطة سنة 1949 بعد القضاء على القوميين. يصل عدد المنتسبين إلى الحزب الحاكم اليوم إلى 95 مليون شخص وهو ما يشكّل 7% من حجم السكان في الصين. من بين الأسئلة الأكثر شيوعاً في هذه المناسبة قدرة الحزب الحاكم على مواصلة مساره التصاعديّ.

 

صمود لنصف قرن آخر؟

رأى مدير برنامج سياسة الصين في جامعة جورج واشنطن دايفد شامبو أنّ الحزب الشيوعي الصيني يبدو حالياً قوياً جداً وقابلاً للديمومة، والأمر ليس مصادفة. أوضح في مجلّة "فورتشن" أنّ شي استطاع التعامل مع الأمراض التي ورثها حين استلم السلطة سنة 2012، فتخلّص من الفساد الرسمي، وتعامل بشكل فعال مع العديد من عمليات التطهير التي طالت المكتب السياسي واللجنة العسكرية الرسمية. كذلك، أعاد شي إحياء لجان الحزب الخاملة على المستوى الشعبي كما أعاد التركيز على أهمية الآيديولوجيا. وفرض شي انضباطاً أكثر تشدداً وأصدر أنظمة حزبية جديدة وأكد مجدداً سيطرة الحزب على الحكومة والجيش والاقتصاد والمؤسسات التعليمية. وأضاف شامبو أنّ محلّلي الحزب الشيوعي الصيني درسوا بشدّة عناصر التصلّب والضمور التي أصابت الاتحاد السوفياتي لتلافي الوقوع فيها.

 

يعتقد آخرون أنّ بإمكان الحزب الشيوعي الصيني أن يصمد لنصف قرن آخر على الأقل. في حديث إلى شبكة "بلومبيرغ" قال عامل اجتماعيّ مقيم في شنغهاي رفض الكشف عن اسمه: "لا أعتقد أنّ هنالك أي احتمال لإطاحة حكم الحزب الشيوعي الصيني خلال 50 عاماً بالحد الأدنى. الحزب الشيوعي الصيني متجذّر بعمق في جميع مناحي الحياة، في المجتمع بأسره". لكنّه وبشكل مفارق، يرى أنّ الحزب الحاكم يخشى التحديات الداخلية أكثر من تلك الخارجية.

 

النقاء الآيديولوجي والتغيّر الجيليّ

تطرح إعادة التركيز على الآيديولوجيا إشكاليّة دائمة في الأحزاب العقائديّة: القدرة على تطوير العقيدة لتناسب التغيّرات الموضوعيّة من جهة، والقدرة على الدفاع عما يسمّى بـ"النقاء الآيديولوجي". يولّد هذا التناقض انشقاقات حزبيّة ومحاولات انقلابيّة وغيرها. في عهد شي جينبينغ، عرف الحزب استقراراً لافتاً بموازاة السعي للحفاظ على النقاء الآيديولوجي. لكنّ ذلك لم يحل دون امتعاض البعض من منع النقاشات الداخليّة. مدى تمكّن الحزب من مواصلة السير على هذا الخيط الرفيع من أبرز الأسئلة المطروحة. لكنّ التناقضات غير محصورة داخل الحزب الحاكم فقط.

 

ثمّة متحوّلات أخرى قد لا تصبّ في صالح هذه الديمومة ومن بينها "التغيّر الجيليّ" في المجتمع الصيني الذي يتخلى تدريجياً عن القيم التقليدية لصالح المواقف الأكثر ليبيرالية، بحسب ما كتبه أندور نايثان في صحيفة "وول ستريت جورنال". نايثان، وهو أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشؤون الصينية في جامعة كولومبيا، يشير إلى أنّ أهداف الحزب الشيوعي الصيني متناقضة بحدّ ذتها: فالحزب يريد جعل الصين "دولة قوية، ديموقراطية، متحضرة، متجانسة واشتراكية عصرية". المعضلة العظيمة بحسب الأستاذ الجامعي هو أنّه من غير المرجّح قبول مواطني دولة بالغة التطوّر بالسيطرة التي يفرضها النظام عليهم.

 

الأداء الاقتصادي وحجب المشاكل

ويعيد كثر سبب نجاح الحزب الشيوعي الصيني في الازدهار طوال القرن الماضي إلى تمتّعه بقدرة عالية من المرونة والتكيّف. وسيكون التمتّع بهاتين الصفتين أكثر إلحاحاً في السنوات والعقود المقبلة إذا كان صحيحاً أنّ التحدّيات الداخلية أكبر على الحزب من التحديات الخارجية. غير أنّ القدرة على إبدائها في التوقيت الصحيح لها حدودها على الأرجح داخل الهرمية الحزبية بقيادة شي. يرى شامبو أنّ دولة تقوم على الانضباط الصارم عليها دوماً السعي إلى فرضه. إنّها لعبة "لانهائية لكن غير مجدية في النهاية من أجل الحفاظ على سيطرة شاملة". ويقترح عودة الحزب إلى سمة سياسية أكثر تسامحاً والتنازل عن بعض السيطرة، كما كانت الحال مع أسلاف شي وصولاً إلى دينغ شياو بينغ، بالرغم من استبعاده تحقق ذلك.

 

على الرغم مما سبق، يمكن توقّع تأجيل هذه المشكلة بالنسبة إلى الحزب الحاكم إذا استطاع تأمين هدفه القريب: تخطّي الولايات المتحدة كأكبر قوّة اقتصاديّة في نهاية العقد الحالي. والرهان على إمكانيّة حجب الأداء الاقتصادي الأداء الداخليّ الحزبيّ قد يكون في محلّه. وربّما يكون صحيحاً حتى مع افتراض وجود شرخ متنامٍ بين القيادة الحزبيّة من جهة والأجيال الصاعدة من جهة أخرى. لكنّ رهاناً كهذا سيكون قصير الأجل في حال أخفقت الصين بتحقيق هذا الهدف، أو في حال حقّقته لكنّها فشلت في الحفاظ عليه. وتتحدّد الإشكاليّة الأخرى في عدم قدرة الحزب، أقلّه إلى اليوم، على معالجة غياب المساواة في توزيع الثروات في دولة يفترض أن تكون اشتراكيّة حيث أنّ هذا التفاوت الطبقي أكبر ممّا هو موجود في الولايات المتحدة نفسها. كيفيّة معالجة هذا العامل المزعزع للاستقرار – مع أو بدون تخطي الاقتصاد الأميركيّ بعد سنوات – سيبقى قيد المتابعة.

 

تداول السلطة

من التحديات السياسية التي سيواجهها الحزب مسألة خلافة شي بعد سنوات. أزال الرئيس الحالي القيود على فترة تولي رئاسة الحزب. مع افتراض نجاح شي بإزالة أيّ مظاهر امتعاض من الخطوة، ستعود إلى الواجهة مشكلة اختيار الرئيس المقبل، وهي مشكلة كثيراً ما واجهت الحزب خلال الفترات الانتقاليّة. من المتوقّع أن يهدف شي إلى البقاء في الحكم طويلاً وهو لم يقترح اسم من سيخلفه. وتداول السلطة في القيادة هو "كلمة-مفتاح" بالنسبة إلى السياسات الصينية. ولا يزال انتقال السلطة مفتوحاً على جميع السيناريوهات من دون أيّ أفق واضح لقيادة الحزب.  

 

للحزب الشيوعي الصيني سجلٌّ واضح في تخطي الأزمات: من مجاعة الصين الكبرى والثورة الثقافية واحتجاجات تيانانمين وصولاً إلى الضغط على الحزب في مسألة مصدر "كورونا" وغيرها من المسائل. هل بإمكان الحزب الركون إلى نجاحه السابق في تفادي الأزمات ليتيقّن من نجاحه في مواجهة تحدّيات المستقبل؟ أم أنّ للأخير مفاجآت لا تنفع معها الخبرة التي راكمها الحزب طوال عقود؟

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم