إعلان

بايدن و"صراع العقل والقلب" في أفغانستان

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي (نائب الرئيس حينها) جو بايدن يتحدّث إلى مجموعة من الجنود المشاركين في الحرب على الإرهاب في أفغانستان، أيار 2011 - "أ ب"
الرئيس الأميركي (نائب الرئيس حينها) جو بايدن يتحدّث إلى مجموعة من الجنود المشاركين في الحرب على الإرهاب في أفغانستان، أيار 2011 - "أ ب"
A+ A-

65 يوماً هي كلّ ما يفصل واشنطن عن الموعد النهائيّ لسحب قوّاتها من أفغانستان بموجب اتّفاق إدارة ترامب مع حركة "طالبان" في 29 شباط 2020. تجد الإدارة الحالية نفسها واقعة بين مطرقة اتّفاق لم تشارك فيه مع حركة "طالبان" وسندان أزمة طويلة عجزت ثلاث إدارات سابقة عن حلّها. قال بايدن في كانون الأوّل إنّه يفضّل سحب غالبيّة القوّات الأميركيّة والإبقاء على مجموعة صغيرة هناك. قبول "طالبان" بهذه الفكرة صعب. والخيارات الأخرى أمامه شبه منعدمة، أو بحسب موقع "فوكس"، جميعها سيّئة مع أمل أن يختار "الأقلّ سوءاً" بينها.

 
 

الخيار الأوّل وفقاً لعدد من الباحثين والمسؤولين الذين تحدّث إليهم الموقع، هو الالتزام بسحب جميع القوّات الأميركيّة بحلول 1 أيّار. لكنّ الحركة ستسيطر سريعاً على العاصمة. يقول مؤيّدو هذا الخيار إنّه حتى إذا تمّ تمديد فترة بقاء القوّات العسكريّة في البلاد موقتاً، ولو لبضع سنوات، فستعود "طالبان" للسيطرة على كابول بعد انتهاء تلك الفترة. الفارق الوحيد هو أنّ القوّات الأميركيّة لن تتعرّض لهجمات الحركة بعد 1 أيّار. الخيار الثاني، وهو المطروح أكثر، التفاوض مع "طالبان" لتأجيل الانسحاب بما يفتح المجال أمام الحركة والحكومة المركزيّة للتوصّل إلى اتّفاق حول مشاركة السلطة. مع ذلك، لا ضمانة بنجاح الطرفين في المحادثات ولا ضمانة بأن تقبل الحركة بالتفاوض مع واشنطن. أمّا الخيار الثالث، أي تمديد الوجود الأميركيّ إلى ما لا نهاية، فيناقض ما يتوق إليه الأميركيّون في ظلّ انسداد أفق أيّ انتصار للولايات المتحدة في الحرب.

 

مستوى التهديد الإرهابيّ

كان بايدن مشكّكاً بفائدة زيادة القوّات الأميركيّة في أفغانستان سنة 2009 بحوالي 17 ألف عنصر إضافيّ. وقد تكون تلك التجربة غير مشجّعة كثيراً على دفعه إلى إبقاء جنوده في البلاد لفترة زمنيّة مفتوحة. في وقت سابق من الشهر الحاليّ، أصدرت "مجموعة الدراسات الأفغانيّة" التي فوّضها الكونغرس في كانون الأوّل 2019  برفع توصية حول السياسة الأميركيّة تجاه أفغانستان تقريرها النهائيّ.

 

بحسب ما كتبه أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد ستيفن وولت في مجلّة "فورين بوليسي"، وضعت هذه الدراسة أهدافاً مبهمة وغير مرتبطة جميعها بالمصلحة الأميركيّة المباشرة كحماية النساء ومنع الهجرة الجماعية وتجارة المخدّرات. الهدف الوحيد الذي يخدم مباشرة المصلحة الأميركيّة بحسب رأيه والذي ذكرته الدراسة هو منع تمتّع "القاعدة" بملاذ آمن في أفغانستان. يعتقد وولت أنّه حتى لو تمّ تحويل أفغانستان إلى نسخة عن الدنمارك بين ليلة وضحاها، فلن يمنع ذلك انطلاق تهديدات "القاعدة" من أماكن أخرى. وإضافة إلى تمكّن واشنطن من تحجيم قدرة "القاعدة" على شنّ هجمات ضدّ أراضيها انطلاقاً من أفغانستان، يتمتّع الأميركيّون بإمكانيّة ضرب قواعد تدريبيّة للتنظيم داخل البلاد لو سهّلت "طالبان" إقامتها. وانتقد وولت الدراسة لكونها تعرب عن أملها بالنجاح لكنّها لا تعد به.

 

لا يوافق الجميع على أنّ مستوى التهديد منخفض. قال القائد السابق لهيئة الأركان المشتركة الجنرال المتقاعد جوزف دانفورد خلال جلسة استماع أمام الكونغرس إنّ "التهديد قادر على إعادة تشكيل نفسه في فترة زمنية من حوالي 18 إلى 36 شهراً". ودانفورد الذي شارك في ترأس "مجموعة الدراسات الأفغانيّة" أضاف أنّ التهديد سيفرض نفسه على الولايات المتحدة وكذلك على حلفائها.

 

مطبّ أساسيّ

كانت القوات الأمنيّة الأفغانيّة في موقف دفاعيّ منذ سنة 2014 حين تمّ إنهاء المهمة القتاليّة لحلف شمال الأطلسيّ واقتصار عمله لاحقاً على تقديم التدريب والنصائح والمساعدة. بالمقابل، تختم واشنطن في تشرين الأوّل المقبل عقدين من الحرب على "طالبان" من دون نجاح يلوح في الأفق. والأسوأ من ذلك كلّه أنّ الحركة تسيطر على أراضٍ أفغانيّة اليوم أكثر ممّا كانت تسيطر عليه منذ بداية الاجتياح. يفرض ذلك ضغطاً معنويّاً على بايدن الذي قد يجد خطّة إدارة ترامب بالانسحاب أقلّ الخيارات سوءاً.

 

لكنّ قبوله بهذه الفكرة سيكون مكلفاً داخل الحزب الديموقراطيّ وخصوصاً جناحه الوسطيّ. وإذا كان تراجعه عن سياسات سلفه منذ دخوله البيت الأبيض علامة فارقة في نهجه فمن المتوقّع أن يتراجع أيضاً عن خطّة ترامب الأفغانيّة والقبول بحلّ وسط بين الانسحاب السريع في أيّار والبقاء بشكل لا نهائيّ في البلاد. لكنّ التفاوض مع "طالبان" على هذا الخيار هو مطبّ أساسيّ أمامه.

 

هو من سيكتب رسائل التعزية

تقوم الإدارة حاليّاً بمراجعة السياسة الأفغانيّة، وقد رحّبت كابول بهذا القرار في كانون الثاني الماضي، بينما وجدت الحركة أنّ الاتّفاق المعمول به هو خريطة الطريق الوحيدة لإنهاء الحرب في أفغانستان. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض جين بساكي أمس إنّ بايدن لن يكون مرتاحاً إذا حكمت "طالبان" البلاد مستدركة بأنّ الإدارة لا تزال تقوم بالمراجعة السياسيّة.

 

لا شكّ في أنّها ستكون واحدة من أصعب المراجعات بالنسبة إلى بايدن. بحسب توصيف دايفد إغناسيوس في صحيفة "واشنطن بوست" سيواجه الرئيس صراعاً داخليّاً بين القلب الذي ينصحه بإنهاء الحرب العبثيّة وعقله ومستشاريه الذين يحثّونه على التمهّل لأنّ الانسحاب سيضرّ بسمعة البلاد وأمنها القوميّ. يفضّل إغناسيوس، مجدّداً كواحد من أقلّ الحلول سوءاً، الإبقاء عل قوّة محدودة. محاربة "القاعدة" بعد مغادرة البلاد سيتطلّب تحريك المسيّرات من السعودية أو الإمارات وهو أمر يستغرق وقتاً. كذلك، يشجّع الانسحابُ المجموعاتِ الإرهابيّة على تجميع نفسها مجدّداً وشنّ حروب طويلة المدى مراهنة على تراجع أميركيّ في نهاية المطاف. ومع ذلك، يعترف الكاتب بأنّ بايدن هو الذي سيكتب رسائل التعزية إلى عائلات الجنود الأميركيّين في هذه الحرب.

 

قد تكون معرفة كيفيّة انتهاء هذا الصراع الداخليّ المفترض مسألة أيّام. لكن في جميع الأحوال، لن ينهي قرار الإدارة المعضلة الأميركيّة في أفغانستان. فحتى الخيار "الأقلّ سوءاً" بالنسبة إليها لن يعني حتماً أنّ دوّامة العنف ستنتهي. قد تتبيّن صحّة عكس ذلك تماماً.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم