إعلان

لماذا خسرت أميركا في أفغانستان؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
عناصر من الجيش الأميركي في ولاية هلمند الأفغانية، 2006، (الصورة عن موقع الجيش الأميركي)
عناصر من الجيش الأميركي في ولاية هلمند الأفغانية، 2006، (الصورة عن موقع الجيش الأميركي)
A+ A-

هو السؤال الذي شغل ولا يزال اهتمام كثر. كيف يمكن لدولة عظمى تتمتّع بالتفوّق التكنولوجيّ والعدديّ ألّا تهزم مجموعة من المقاتلين كانت قد أطاحتها سريعاً من الحكم سنة 2001؟ في محاولات الأجوبة، تتداخل المقارنات التاريخية مع الأسباب الموضوعية للنهاية الأميركية شبه الكارثية في أفغانستان. توصف تلك البلاد بأنها "مقبرة الإمبراطوريات". فيها، خسرت الولايات المتحدة وقبلها الاتحاد السوفياتي وقبلهما الإمبراطورية البريطانية. وهذه مجرّد أمثلة حديثة.

 

لكن يصعب أن يكون في الجغرافيا السياسية قَدر محتوم. إلى جانب صعوبة التضاريس الأفغانية، لا بدّ من وجود أخطاء ترتكبها القوى الكبرى تجعل الخسارة النهائية محقّقة. وقعت الولايات المتحدة في سلسلة عثرات بدأت بالرؤية العامة ومرّت بالتخطيط فالتنفيذ ثمّ التقييم. وبدلاً من أن تعالج كلّ سبب على حدة، راحت واشنطن تؤجّل المشكلات حتى تراكمت بالشكل الذي بدت عليه الأمور مؤخراً.

 

التّفسير الكلاسيكي

السبب الأوّل الذي يمكن وصفه بـ"الكلاسيكيّ" هو تمتّع عناصر "طالبان" بالمعنويّات على عكس الجنود الأفغان. يعتقد كارتر مالكاسيان، مستشار رئيس هيئة الأركان الأميركية جوزف دانفورد، أنّ هذا السبب هو الأهمّ. مالكاسيان الذي خدم في أفغانستان بدأ يطرح هذا السؤال على نفسه منذ سنة 2009 حتى قال له أحد علماء الدين في قندهار منذ سنتين إنّ "طالبان تقاتل من أجل الإيمان، من أجل الجنة... الجيش والشرطة يقاتلان من أجل المال". وأضاف أنّ عناصر طالبان "مستعدون لخسارة رؤوسهم من أجل القتال... كيف يمكن للجيش والشرطة منافستهم؟". 

 

علاوة على المسألة الإيمانية، يرى مالكاسيان أنّ وجود الأميركيين نفسه في أفغانستان أثار شعوراً بالهوية الأفغانية التي شملت الفخر القوميّ والتاريخ الطويل في مقاتلة الأجانب. ويضيف: "قدرة "طالبان" على ربط قضيتهم بالمعنى نفسه لكون (المرء) أفغانياً كان عاملاً جوهرياً في هزيمة أميركا".

 

مع ذلك، لا يفسّر هذا العامل سبب انخفاض تعاطف الأفغان مع "طالبان" خلال السنوات الماضية. ففي 2009، وصلت نسبة التعاطف إلى 56% ثمّ إلى 40% سنة 2010 فـ29% سنة 2011. وفي 2005، قال 85% من الأفغان إنّ ظروفهم أفضل ممّا كانت عليه خلال حكم "طالبان"، وقال 87% منهم إنّ إطاحة الحركة من الحكم صبّ في مصلحة بلادهم، بينما رأى 77% منهم أنّ البلاد على المسار الصحيح. ووجد 60% منهم حينها أنّ الهجمات على الجنود الأميركيين غير مبرّرة. برزت تلك الآراء في وقت لم تكن ظروف الأفغان في أفضل أحوالها مع 60% من المنازل بدون كهرباء، و70% لم يتخطوا التعليم الثانوي، ومدخول نصف العائلات لا يتخطى 500 دولار سنوياً.

 

إذاً، لا يمكن حصر الخسارة الأميركيّة بإرادة "طالبان" القتالية وقدرتها على اجتذاب المقاتلين الشباب باسم الدين والقوميّة. فهذه المبرّرات كانت حاضرة في العقد الأوّل الذي تلى هزيمة "طالبان"، لكنّها على ما يبدو لم تكن فعّالة في تجنيد المقاتلين، أو على الأقلّ، في دفع الأفغان إلى النظر بسلبيّة تجاه الأميركيين. في الواقع، قد لا يلعب هذا العامل دوراً أساسيّاً حتى في الخسارة الأميركية للحرب في أفغانستان.

 

أربعة أسباب أخرى

يقول الأنثروبولوجي والخبير في الشأن الأفغاني لويس دوبري إنّ هنالك أربعة أسباب مكّنت الأفغان من تحدّي الاجتياحات الأجنبية، بصرف النظر عن القوّة العسكريّة: بقاء القوات الأجنبية في أفغانستان لفترة طويلة، تعيين زعيم غير شعبي، ارتكاب أعمال عنيفة ضد المدنيين، تقليص الدعم المادي لرؤساء القبائل في الأقاليم. يرى البعض أنّ هذا ما حصل مع الأميركيين خلال السنوات العشرين الماضية، خصوصاً مع تركيزهم على دعم كابول وتجاهل دعم الأقاليم ورؤساء القبائل إلى حدّ كبير.

 

وثمة اعتقاد بأنّ الولايات المتحدة لم تفهم تاريخ أفغانستان لجهة كونها تجمّع أقليات عوضاً عن كونها دولة واحدة. فالبشتون والطاجيك والهزارة والتركمان والبلوش والأوزبك عارضوا لفترة طويلة تأسيس نظام مركزيّ. وهذا ما وضع حجر عثرة أمام تعهّد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن ببناء دولة أفغانية مستقرّة بعد إطاحة "طالبان". المشكلة الأساسيّة التي وقع فيها الأميركيّون، خصوصاً في ولاية بوش الأولى، هي ظنّهم أنّ أفغانستان عبارة عن "دولة - أمّة" وهي ليست كذلك، بل أقرب إلى "دولة - مدينة" و"إقطاعات قبلية" متغيّرة.

 

من جهتها، أشارت المديرة المعاونة لبرنامج آسيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش" باتريسيا غوسمان إلى الأذى الذي تعرّض له الأفغان على يد الأميركيين (ويد أطراف الصراع كافّة)، ما غذّى حلقة العنف وعزّز قدرة "طالبان" على التجنيد. وكتبت غوسمان عن لقاءات عقدتها مع مواطنين أفغان طوال العقدين الماضيين، وقد أخبروها عن عدد القتلى الأبرياء بسبب الغارات الأميركية وعن تحوّل اقتحامات ليلية إلى إعدامات سريعة طالت أشخاصاً ذوي حظّ عاثر لمجرّد عيشهم في مناطق متنازع عليها. ومع التعذيب الذي تعرض له المحتجزون، بات لهؤلاء دافع أكبر للانتقام.

 

كذلك، شعر قسم كبير من الأفغان بالتهميش بعيداً من كابول. صحيح أنّ هؤلاء لا يبدون تعاطفاً مع "طالبان"، لكن بسبب فساد الحكومة المركزية وإهمالها عمليات الإنماء، لم يعد سكان الأقاليم يعيرون كبير اهتمام بمصير الحكومة في مواجهة "طالبان". من هنا، يمكن فهم سبب سقوط مناطق كثيرة بيد الحركة بمجرّد بدء الولايات المتحدة انسحابها من البلاد. فالجنود الأفغان قد لا يكونون راغبين بالدفاع عن حكومة فاسدة، وهذا ما يفسّر ربّما اضطرار ألف جنديّ للهرب إلى طاجيكستان منذ أسابيع قليلة، بالتوازي مع سقوط مناطق بيد "طالبان" حتى من دون قتال. وطريقة مغادرة أفغانستان عزّزت صورة الدولة التي لا تهتم بحلفائها.

 

انظروا إلى الجارة

وثمّة سبب آخر قد يكون الأهمّ في الهزيمة الأميركية: دعمُ باكستان المستمرّ لـ"طالبان". على أبواب زيادة واشنطن قواتها في أفغانستان سنة 2009، قال السفير الأميركي في كابول خلال مراسلة سرية تم تسريبها إنّ "قوات إضافية لن تنهي التمرد ما دامت أنّ ملاذات باكستان باقية. ستبقى باكستان أعظم مصدّر منفرد لغياب الاستقرار الأفغاني ما دامت الملاذات الحدودية باقية، وباكستان تنظر إلى مصالحها الاستراتيجية على أنها تُخدم بالشكل الأفضل من خلال جار ضعيف". لكنّ واشنطن فضّلت تجنّب الدخول في خلاف مباشر مع حليف تقليديّ، وهو ما يمكن أن يكون قد كلّفها الكثير.

 

تضافرت مجموعة أسباب أدّت بالولايات المتحدة إلى الخروج من أفغانستان خالية الوفاض. مع ذلك، لم يكن الوضع مأسوياً إلى هذا الحدّ في السنوات القليلة التي سبقت الانسحاب. بفضل عدد قليل من الجنود الأميركيّين، تمكّنت واشنطن من إبقاء كابول صامدة أمام الهجمات وإبقاء "طالبان" مقيّدة إلى حدّ ما، وكان ذلك كافياً جداً للعديد من الأفغان الذين لم يطالبوا بأكثر من ذلك. كما كان عدد الإصابات بين الجنود الأميركيين قد انخفض كثيراً في السنوات القليلة الماضية.

 

لكنّ بايدن لم يكن من مناصري هذه الحرب، ووجد في وصوله إلى البيت الأبيض فرصة لتحقيق هدفه بصرف النظر عن تداعيات سياسته التي ستفقد واشنطن الهدف شبه الوحيد الذي حقّقته وهو تعزيز أوضاع الأفغانيات. ربّما باتت هذه العوامل خلف الإدارات الأميركية المتعاقبة، بعدما أضحت النتيجة حتمية وغير قابلة للتصحيح. على الرغم من ذلك، لا يعفي الانسحاب العسكري الولايات المتحدة، وعلى الأرجح إدارة بايدن، من سؤال ملحّ آخر: ماذا ستفعل واشنطن إذا سيطرت "طالبان" مجدداً على كابول ومكّنت "القاعدة" من تجميع نفسها؟ هل تعيد إرسال جنودها إلى هناك مرة أخرى، كما فعلت في العراق؟

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم