إعلان

"طالبان" ترسم بالسّلاح خريطة أفغانستان الجديدة

المصدر: النهار العربي
خلدون زين الدين
تدريبات للجيش الافغاني
تدريبات للجيش الافغاني
A+ A-
 تطرد أفغانستان من تسمّيهم غزاة لتتفرغ لحروبها الداخلية. ترسم خريطتها "بريشة" السلاح والدم. هنا، حكومة واهنة وحركة متشددة، وفي عود على بدء، محافظات تسقط وحدودُ داخلٍ تتبدل في ما وُصفت دوماً بـ "مقبرة الإمبراطوريات". وصف وثّقه التاريخ، وليس من عادة التاريخ أن يكذب.
 
أدمنت البلاد طقس الهجمات والجنازات. صورتها راهناً لم تتبدّل؛ بقيت في إطار الطقس هذا. نظام الرئيس الأفغاني أشرف غني يعجز عن صد هجمات "طالبان". خبرة الحركة وازنة في اختراق الولايات والثكنات. عليه، تتبدل خريطة السيطرة العسكرية بتبدل عقارب الساعة. الكفة تميل للحركة على حساب الحكومة بعد الانسحاب الأميركي. صَحَّت التوقعات، وتوسعت رقعة سيطرة "طالبان" على مناطق استراتيجية في وسط البلاد ومناطق أخرى شمالية وحدودية. يُقال إنها باتت تحكم سيطرتها على ثلث البلاد. في المقابل، يتراجع نفوذ الحكومة أو ما تسميها "طالبان" "إدارة كابول". 
 
في مثال على ذلك، القوات الحكومية تخلّت عن مركز منطقة دولت آباد الواقعة في إقليم فارياب شمال البلاد. فر عناصر المركز إلى منطقة أندخوي المجاورة، فيما بقي مصير أكثر من عشرة أفراد من عناصر الأمن غير واضح بسبب تعطل شبكة الاتصالات، حسبما ذكر عبد الأحد علي بيك، عضو مجلس الإقليم.
 
منطقة دولت آباد ظلت تحت الحصار لمدة ثلاثة أعوام، ولم يكن باستطاعة القوات الحصول على دعمٍ لوجستي إلا جواً، كما أنّ الدعم الأرضي كان مستحيلاً، بسبب سيطرة مسلحي "طالبان" على كل الطرق المؤدية إلى المنطقة، بحَسب علي بيك.
وفي إقليم غزني الواقع في جنوب شرقي البلاد، اجتاح مسلحو الحركة نقطتي تفتيشٍ في منطقة آب باند. اشتباكات عنيفة دارت، في وقت حذر عارف رحماني، عضو في البرلمان عن غزني، من احتمال انهيار المناطق إذا فشلت الحكومة في إرسال دعم جوي.
اشتباكات مماثلة سُجلت في غير منطقة أفغانية، وثمة مؤشرات تشي بالمزيد. المراقبون للمشهد الأفغاني يجزمون بأشهر قليلة فاصلة على سيطرة تامة لـ"طالبان" في "مقبرة الإمبراطوريات".
 
انسحاب وأسباب أمنية
تأتي تطورات الميدان المتوقعة، توازياً مع تواصل الانسحاب الأميركي من البلاد. الجيش الأميركي أعلن أخيراً أنه أتمّ نحو 44 في المئة من عملية سحب قواته من أفغانستان. في البال، تحديد الرئيس الأميركي جو بايدن تاريخ 11 أيلول (سبتمبر) المقبل موعداً نهائياً لسحب جميع القوات.
القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" أعلنت عن رفضها كشف المزيد من التفاصيل حول عملية الانسحاب الجارية من أفغانستان، ونسبة القوات المُعادة وتلك الجاري نقلها إلى أماكن أخرى.
وفي بيانٍ خاص، قالت القوات الأميركية: "لن نعطي من الآن فصاعداً نسبةً محددةً لعملية الانسحاب من أفغانستان لأسبابٍ أمنية"، مشيرة إلى أنّه منذ قرار الرئيس بايدن بالانسحاب من أفغانستان "حولت الولايات المتحدة أكثر من 13 ألف قطعة من العتاد إلى الإتلاف، وسلّمت رسمياً ست منشآت للجيش الأفغاني. واشنطن سحبت أيضاً ـ وفق البيان - ما يعادل 500 حمولة من طائرة الشحن C-17 من المواد والعتاد من أفغانستان".
 
لاعبون كثر
أغلب الظن أن الخروج الأميركي سيترك فراغاً يغري لاعبين آخرين بملء جزء منه. باكستان لاعب طبيعي على المسرح الأفغاني. إيران استعدت كذلك لهذه المرحلة. تركيا أبدت الاستعداد لدور أفغاني. موسكو معنية هي الأخرى لأنها لا تستطيع تناسي أمن تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان. اللعبة معقدة. لا ننسى الصين هنا أيضاً، هي جارة الجغرافيا وثمة ملفات كثيرة تتداخل بين بكين، باكستان أفغانستان وصولاً إلى الهند. 
 
بين كل الدول تلك، ثمة ما يميز باكستان. كلام كثير قيل عن ترعرع "طالبان" في الحضن الباكستاني. باكستان تنفي ذلك مراراً، لكن لا شك ـ برأي المراقيبين ـ في أن العديد من الأفغان، ممن انضموا في بادئ الأمر إلى صفوف الحركة، تلقوا تعليماً في المعاهد الدينية في باكستان.
الأخيرة هي أيضاً واحدة من ثلاث دول فقط، اعترفت بـ"طالبان" حينما وصلت الى السلطة في أفغانستان في منتصف التسعينات وحتى عام 2001. وكانت باكستان آخر دولة تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع "طالبان".
 
السّلطة والدور
لا تنظر حركة "طالبان" إلى نفسها باعتبارها مجموعة متمردة. ترى نفسها حكومةً تنتظر دورها لممارسة السلطة. الحركة تشير إلى نفسها على أنها "إمارة أفغانستان الإسلامية"، وهو اسم أطلقته على حكومتها من عام 1996 حتى إطاحتها عقب هجمات أيلول (سبتمبر) 2001. أما الآن، فلدى الحركة هيكل "ظل" متطور، وفيه مسؤولون يديرون الخدمات الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
 
يقول المراقبون إن حركة "طالبان" اختارت عمداً أن تجعل مفهومها "للحكم الإسلامي" مبهماً. ويرى بعض المحللين أن ذلك عبارة عن محاولة متعمدة لتجنب الاحتكاكات بين التيارات المتشددة وتلك الأكثر اعتدالاً. "هذا جهاد، وهو عبادة. فنحن لا نقوم بكل هذا إلا لوجه الله ولإعلاء شريعته. وسنحارب كل من يقف ضدنا"، يقول أحد قادة الحركة. 
...استناداً إلى ذلك، يُطرح السؤال: هل تتمكن "طالبان" من التعايش مع من يعارضها الرأي والتوجه داخلياً؟ كيف ستستثمر فائض القوة مع كسبها السلطة مجدداً، وهو سيناريو ليس ببعيد وفق المحللين؟ الأكيد أن عودة "طالبان" إلى السلطة تمثل اختبارها الأكبر، واختبار من هم في جوارها الإقليمي أولاً. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم