إعلان

نظريّات بايدن الأفغانيّة ومذكّرات روبرت غيتس

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن - "أ ب"
A+ A-

كُتب وسيُكتب الكثير عن أسباب الإخفاق الأميركي في أفغانستان. طبعاً إنّ كلمة "إخفاق" هنا تحمل معنى فضفاضاً، كما أنّ حجم الإخفاق ليس ثابتاً في كلّ مراحل الحرب كما في كلّ المجالات. ولم تكن الولايات المتحدة نفسها تملك هدفاً واضحاً في أفغانستان كي يتمّ، بناءً على أساسه، تقديم تعريف دقيق لهذه الكلمة. هل كانت تريد فقط إطاحة "طالبان" من السلطة وجلب مرتكبي هجمات 11 أيلول/سبتمبر إلى العدالة؟ إذا كان هذا هو الهدف، فقد نجحت واشنطن جزئياً في 2001 حين طردت الحركة من الحكم، وفي 2011 حين اغتالت أسامة بن لادن. هل أراد الأميركيون بناء دولة ديموقراطية في أفغانستان؟ لا شكّ في أنّ تلك الدولة شهدت تطوّراً كبيراً عن أيّام حكم "طالبان" لجهة تأسيس استحقاقات انتخابية دورية، بالرغم من العيوب الكثيرة التي شابتها.

 

هل رامَ الأميركيون أن يزرعوا القيم الليبرالية في أفغانستان؟ لم يفشل الأميركيون فعلاً في تحقيق هذا الهدف. حصلت الأفغانيات على حقوقهنّ التعليمية وحق الوصول إلى أرفع المناصب، كما هي الحال على سبيل المثال مع منصب السفير الأفغاني في الولايات المتحدة، وقبلها إلى الأمم المتحدة، والذي تتبوّأه عديلة راز. وأظهرت استطلاعات رأي كثيرة كيف أنّ غالبية الأفغان ترفض حكم "طالبان"، وفي هذا العامل برهان قويّ على أنّ أفغانستان تقبّلت إلى حدّ بعيد الأفكار الليبرالية. ماذا لو كان كلّ الهدف الأميركيّ منع شنّ هجمات إرهابية جديدة ضدّ الولايات المتحدة انطلاقاً من أفغانستان؟ لا ريب في أنّ واشنطن نجحت نجاحاً قاطعاً في ذلك.

 

يتبيّن انطلاقاً من هذه المعايير، أنّ الإخفاق الأميركيّ في كابول لم يكن شاملاً على الإطلاق. طبعاً، المأزق الأساسيّ الذي أوقعت الولايات المتحدة نفسها فيه هو أنّها لم تستطع منع "طالبان" من إعادة تجميع نفسها. يرى البعض أنّ ذلك الخطأ كان ناجماً عن التراخي الذي أصاب الأميركيين بعد اغتيال بن لادن. مع ذلك، لم يكن باستطاعة "طالبان" أن تعاود اجتياح أفغانستان بهذه السرعة لولا أخطاء ارتُكبت في السنوات الأخيرة، وخاصّة في الأشهر الأخيرة.

 

ترامب يفتتح سلسلة الأخطاء

بدأت سلسلة الأخطاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بمجرّد إعلان الأخير رغبته بالانسحاب قبل الذهاب للتفاوض مع "طالبان"، كسبت الأخيرة اليد العليا تلقائياً في المحادثات. تبيّن ذلك حين ماطلت الحركة في القبول بفتح حوار مع حكومة كابول التي اعتبرتها "دمية" بيد الأميركيين. ولم تقبل بذلك إلا بعد التوقيع على الاتفاق مع واشنطن في 29 شباط (فبراير) 2020 حين تعهّدت بإطلاق المحادثات الأفغانية - الأفغانية في آذار (مارس) 2020. تأجّلت المحادثات الداخلية إلى أيلول (سبتمبر) 2020 بسبب عوامل متعلّقة بالخلاف بين أشرف غني وعبد الله عبد الله حول نتائج الانتخابات الرئاسية (تمت تسوية الخلاف في أيار/مايو 2020) وبسبب خلاف آخر حول تبادل السجناء.

 

بعد حلّ المسألتين، انطلقت المحادثات في وقت كانت الولايات المتحدة والعالم قد دخلا وقتاً مستقطعاً بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية. دخل بايدن البيت الأبيض، وازدادت الأمور سوءاً. الأخطاء التي ارتكبها ترامب في مقاربته للملف الأفغاني – ومنها اعتبار أنّ "الحرب في أفغانستان" هي من "الحروب التي لا تنتهي" بالرغم من إنكار مراقبين عديدين لهذا التوصيف، وإعطاؤه "طالبان" اليد العليا في المفاوضات – كرّرها بايدن مضيفاً إليها سلسلة أخطاء أخرى.

 

سراب

يبدو أنّ بايدن رأى في وصوله إلى البيت الأبيض فرصة "للانتقام" بعدما حاول إقناع رئيسه باراك أوباما سنة 2009 بعدم زيادة القوات الأميركية، لكن من دون نجاح. لأسباب عدّة، يظهر أنّ بايدن أراد تطبيق فكرته لمجرّد أنّها فكرته بصرف النظر عن نتائجها. ومن السهولة بمكان على أيّ رئيس أميركيّ الاكتفاء بتنفيذ الخطة التي وضعها سلفه، فإن ساءت الأمور ألقى اللوم عليه، وإن سارت كما يجري كسب جزءاً من الإشادة إن لم يكن الجزء الأكبر منها. هذا ما حصل حين سُئلت كلينتون مرة عن تداعيات انسحاب القوات الأميركية من العراق سنة 2011، ما أدى إلى بروز "داعش"، فردّت بأنّ القرار يعود إلى عهد بوش الابن. أصرّ بايدن على استكمال الانسحاب الأميركيّ من أفغانستان، لكنّه فاقم أضرار ذلك الانسحاب حين أهان فريقه المسؤولين الأفغان ولاموهم لأنّهم لم يعمدوا إلى إقامة حوار جدي مع "طالبان"، علماً أنّ الأخيرة كانت تطالب بشروط أقرب إلى دفع الحكومة للاستسلام. كان ذلك واضحاً في رسالة وجّهها وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى الرئيس أشرف غني اتّسمت بالتهديد، حتى أنّ مراقبين لفتوا النظر إلى أنّها استخدمت لهجة طالب مدرسة جامح لا رئيس دولة.

 

راقبت "طالبان" كلّ ذلك، وعلى الأرجح تناهى إلى مسامعها إعلان بايدن خلال حملته الانتخابية أنّه "سيتحمّل صفر مسؤولية" لو تدهورت الأمور بعد سحب القوات الأميركية من أفغانستان. ولكي يفاقم بايدن أخطاءه ذهب إلى تبريرها بشكل يُظهر نقص اطّلاعه على الأمور، أو اطّلاعه على ظاهرها فقط. قال بايدن أمام الصحافيين إنّ عديد الجيش الأفغاني أكبر بكثير من حجم مقاتلي "طالبان" (300 ألف مقابل 70 ألفاً)، وإنّهم أفضل تدريباً وتجهيزاً. وصف الباحث في "مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات" توماس جوسلين في موقع "لونغ وور جورنال" هذه التبريرات بالسراب.

 

التّحذيرات التي تم تجاهلها

يستشهد جوسلين بتقرير للمفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) الذي وثّق المشكلات الكثيرة للجيش الأفغاني الذي اعتراه الفساد والاستنزاف وسوء الإدارة، وقضية "الجنود الأشباح" أو الجنود الذين كانوا على قائمة الرواتب لكنهم لم يكونوا موجودين فعلاً. وأصدر "سيغمار" تحذيراً بأنّ "قوات الأمن الأفغانية ليست قادرة بعد على تأمين دولتها الخاصة"، على الرغم من إنفاق 75 مليار دولار عليها. إذاً، الواقع الأفغاني لا تلخّصه الأرقام النظرية التي أدلى بها بايدن ومقرّبون منه. كذلك، حين كان المسؤولون الأميركيون يشدّدون على أن "لا حل عسكرياً" للموضوع، كانت "طالبان" و"القاعدة" تعدّان "حلّهما العسكريّ" بحسب جوسلين. ويضيف أنّ بايدن لم يدرك أنّ الحروب "لا تخاض على الورق"، مستخلصاً أنّ الإخفاق كان استخبارياً - عسكرياً لأنّه لم يستشرف استعداد "طالبان" العسكري لخوض حرب جديدة، لكنّه كان أيضاً إخفاقاً للمنطق السليم.

 

في مقابل مقاربة "الحرب على الورق" التي اعتنقها بايدن، بحسب جوسلين، كان الباحث في "معهد المشروع الأميركي" مايكل روبين يتّهم بايدن بأنّه "يرى أفغانستان كعرض پاور پوينت". وانتقد أيضاً نظريّة بايدن عن "الأفضل تجهيزاً وتدريباً"، مشيراً إلى أنّ "الزخم هو كلّ شيء".

 

غيتس مجدداً

هذا ما يحدث حالياً في أفغانستان إلى حدّ بعيد. تنتصر "طالبان" بفعل الزخم الذي تستغلّه، والذي خلقه الانسحاب الأميركيّ تحت جنح الظلام، والذي لم يعرف به حلفاء واشنطن الغربيون أو الأفغان إلّا في وقت متأخّر وأحياناً من الصحف. أدّى كلّ ذلك إلى انهيار معنويات الجيش الأفغانيّ. نظريّات بايدن الحربيّة أدّت إلى مفاقمة المشكلة، وحوّلت عدم الانتصار العسكريّ الأميركيّ، أو انسداد الأفق، إلى هزيمة مجّانيّة.

 

وسط كلّ هذه الفوضى، لن يكون مستغرباً تذكّر كثر ما قاله وزير الدفاع السابق روبرت غيتس في مذكّراته سنة 2014 عن بايدن: "لقد كان مخطئاً تقريباً في كل قضية بارزة (من قضايا) الأمن القومي والسياسة الخارجية خلال العقود الأربعة الماضية". قد يكون أيّ رئيس معذوراً لارتكابه أخطاءً كثيرة في السياسة الخارجية. لكنّ عذر بايدن أضعف. فهو قضى حوالي 12 عاماً في رئاسة أو نيابة رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، إضافة إلى دوره في هذا المجال خلال توليه نيابة الرئاسة الأميركية بين 2009 و 2017. يبدو أنّ الخبرة التي راكمها طوال ذلك الوقت لن تنقذ أفغانستان ولا الولايات المتحدة من الهزيمة التاريخية.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم