إعلان

هل تتخلّى "طالبان" عن 'القاعدة"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
وفد من "طالبان" يستعد للتوقيع على الاتفاق مع الولايات المتحدة، 29 شباط 2020 - "أ ب"
وفد من "طالبان" يستعد للتوقيع على الاتفاق مع الولايات المتحدة، 29 شباط 2020 - "أ ب"
A+ A-

"الحرب ستشتد، وستصبح أكثر قذارة وستتواصل حتى تستولي حركة طالبان على الحكم في ما سيتبقى من كابول". ما قاله الخبير المستقل في الشؤون الأفغانية نيشانك متواني لوكالة "فرانس برس" يوافق عليه خبراء عدّة في هذا المجال. والتحذيرات بدأت منذ إطلاق إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب المفاوضات مع حركة "طالبان". قارن البعض بين الانسحاب الأميركيّ من فيتنام الذي أدّى إلى سقوط سايغون بعد سنتين والانسحاب المرتقب لواشنطن من أفغانستان والذي سيؤدّي، في مشهد مشابه على الأرجح، إلى سقوط كابول بيد الحركة.

 

"الهدف تحقق"

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أمس أنّ بلاده ستنسحب من أفغانستان بشكل نهائيّ قبل ذكرى 11 أيلول (سبتمبر). قضى اتّفاق ترامب مع الحركة بالانسحاب النهائي في 1 أيار (مايو)، لكنّ واشنطن قرّرت تمديد المهلة بضعة أشهر. برّر بايدن هذا الأمر بعدم رغبة الأميركيين بالمغادرة "بشكل متسرّع"، علماً أنّ الانسحاب سيبدأ تدريجياً مع بداية الشهر المقبل. ونصّ الاتفاق على تعهّد "طالبان" عدم السماح بتحويل البلاد إلى مقرّ لتنظيم "القاعدة" أو التنظيمات الإرهابيّة الأخرى.

 

قال بايدن أمس إنّ هذا "الهدف تحقّق"، قبل أن يهدّد "طالبان" بتحميلها المسؤولية إذا سمحت لأي إرهابي "بتهديد الولايات المتحدة أو حلفائها من الأراضي الأفغانية" متعهّداً الردّ على خطوة كهذه. وقال البيت الأبيض إنّه لا مصلحة لـ"طالبان" في السماح بأن تصبح أفغانستان دولة منبوذة أو السماح لـ"القاعدة" بترسيخ وجودها هناك. لكنّ تقييم "المصلحة الطالبانية" من خلال العدسة الأميركيّة قد لا يكون ناجحاً على المدى الطويل، وإن كان مؤاتياً للإدارة على المدى القصير.

 

عامان أو ثلاثة

أبلغ مدير وكالة المخابرات المركزية "سي آي أي" وليام بيرنز لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ وجود "خطر كبير بمجرّد قيام الجيش الأميركي وجيوش التحالف بسحب قوّاتها" على الرغم من اعترافه بأنّ بلاده ستظلّ محتفظة "بمجموعة من القدرات". ولم يكن هذا التحذير هو الأوّل من نوعه. فقد نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين في وكالات المخابرات الأميركية قولهم إنّه تمّ إبلاغ بايدن أنّ حركة ‘طالبان‘ قد تجتاح معظم أفغانستان خلال عامين إلى ثلاثة أعوام إذا انسحبت القوات الأميركية قبل توصّل أطراف الحرب إلى اتّفاق حول تقاسم السلطة.

 

وأثار قرار بايدن انقساماً غير حزبيّ في الكونغرس، إذ إنّ مؤيّدي ومعارضي القرار ينتمون إلى الحزبين. وأبدى ديموقراطيّون قلقهم أيضاً من احتمال تأثير هذه الخطوة سلباً على وضع المرأة في أفغانستان وكذلك وضع المجتمع المدني.

 

لا يتحمّل بايدن وحده المسؤوليّة في ما آلت إليه الأمور. فوكالات الاستخبارات الأميركيّة حذّرت ترامب أيضاً السنة الماضية من أنّ "طالبان" لا تنوي الالتزام بتعهّداتها، مشيرة إلى أنّها تبني تحليلها على معلومات استخبارية مقنعة. ولا تزال المؤشّرات إلى قطع "طالبان" علاقاتها مع "القاعدة" ضعيفة إن لم تكن معدومة. فمنذ فترة غير طويلة، برزت أدلة على انضواء مقاتلين في تنظيم "القاعدة في شبه القارة الهندية" إلى صفوف الحركة.

 

سيستهدفون الولايات المتحدة

من جهة أخرى، لم تتوقف الحركة عن شنّ عمليات إرهابية داخل البلاد إلّا في ما ندر خلال فترة المفاوضات. وتسيطر "طالبان" اليوم على أكبر مساحة من الأراضي الأفغانية منذ إطاحتها من السلطة سنة 2001. لكن ليست كلّ الأرقام سيّئة. في السنوات الأخيرة، لم تعد الحرب الأفغانيّة مكلفة كما كانت في البدايات: انخفض عدد القوّات الأميركيّة بأكثر من 95% كما انخفض أيضاً حجم الإصابات بين الجنود الأميركيين. بالتوازي، تقلّصت الأكلاف المفروضة على دافعي الضرائب الأميركيّين بحدود 90%. تظهر هذه الأرقام أنّ بايدن لم يكن مضطرّاً للالتزام بالانسحاب من أفغانستان. كذلك، تناقص تعاطف الشعب الأفغانيّ مع الحركة من حوالي 50% سنة 2009 إلى 13.4% سنة 2019.

 

لم يكن الأميركيّون وحدهم من تخوّفوا من استمرار الروابط بين "القاعدة" و"طالبان". منسّق فريق الأمم المتّحدة لمراقبة "داعش" و"القاعدة" و"طالبان" إدموند فيتون-براون قال إنّ الحركة وعدت "القاعدة" بأنّهما ستظلّان حليفتين وبأنّها "ستحترم علاقاتهما التاريخية".

 

حتى ترامب نفسه بدا غير مستبعد لاحتمال سيطرة الحركة على كابول، لكنّه قال إنّ "على الدول الاهتمام بنفسها" وإنّه لا يمكن الإمساك بيدي من يحتاج إلى المساعدة لفترة طويلة. لكنّ احتمال اجتياح "طالبان" لكابول ليس مشكلة أفغانيّة حصراً خصوصاً إذا ترافق أو نتج عنه تحوّل أفغانستان إلى ملاذ للتنظيمات الإرهابيّة. نقلت مجلّة "تايم" عن أحد المسؤولين الأمنيين في الإدارة السابقة قوله لترامب: "لقد أخبرناه أنّك إذا انسحبت الآن، حين يفجّر الإرهابيون ‘مول أميركا‘، فسيفجّرونه عليك".

 

روابط وطيدة

في مجلّة "ذا ديبلومات" الأميركيّة، عدّد الباحث الزائر في معهد ستيمسون الأميركيّ سوراف ساركار الروابط الطويلة بين "طالبان" و"القاعدة". فإضافة إلى العامل الأساسيّ في تشاركهما النظرة المتشدّدة للإسلام، تعهّد زعيما "القاعدة" أسامة بن لادن وأيمن الظواهري الولاء لزعيم الحركة السابق الملا عمر، كما تعهّد الظواهري الولاء لزعيمها اللاحق هيبة الله أخوند زاده. وهذا يعني أنّ جميع مجموعات "القاعدة" حول العالم ملزمة بقسم الولاء لأخوند زاده.

 

وأضاف ساركار أنّ ظهور تنظيم داعش في أفغانستان عزّز التقارب بين الحركة و"القاعدة" وأنّ الطرفين استطاعا تخطّي مقتل قياديّيهما ممّا يعني أنّ علاقتهما غير شخصيّة. وتراجعُ "طالبان" عن تحالفها مع الحركة يعني أنّ الأولى ستخسر الكثير من المجموعات المؤيّدة لها والتي قد تتحالف مع أطراف مناوئة لها.

 

علاوة على كلّ ذلك، يذكّر البعض بأنّ "طالبان" ضحّت بنظامها كي لا تسلّم بن لادن إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى أنّه حتى لو أرادت "طالبان" فعلاً التخلّي عن "القاعدة" لا يمكن التأكّد من أنّ الحركة قادرة على ذلك، خصوصاً بعد دمج الكثير من المقاتلين في قيادتها.

على الرغم من كلّ التحذيرات السياسيّة والاستخباريّة والأكاديميّة، أصرّ بايدن على خطوة الانسحاب. ما سيحدث بعد ذلك يبقى قيد المتابعة. لكنّ التداعيات السلبيّة المحتملة لهذا القرار قد لا تفاجئ كثيرين.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم