إعلان

ما أهداف كيم من "مفاجأة أكتوبر" الصاروخية؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
الصاروخ الضخم الذي استعرضه كيم جونغ أون منذ يومين - "أ ب"
الصاروخ الضخم الذي استعرضه كيم جونغ أون منذ يومين - "أ ب"
A+ A-
"مفاجأة أكتوبر" أو "مفاجأة تشرين الأول" هي عبارة يتداولها الإعلاميّون والسياسيّون الأميركيّون على نطاق واسع في الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات الرئاسية وهي تشير إلى توقّعات ببروز حدث سياسي في تشرين الأوّل يؤثّر على مسار الاستحقاق الرئاسيّ. أبرز مثل على ذلك، كانت التوقعات التي أطلقها كثر في الأسابيع القليلة الماضية عن أنّ الزعيم الكوري الشماليّ كيم جونغ أون يحضّر "مفاجأة تشرين" للولايات المتحدة. وهذا ما حدث.
 
في عرض عسكري بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الحزب الحاكم، استعرضت كوريا الشمالية منذ يومين صاروخاً بالستياً جديداً عابراً للقارات على منصة ضخمة جداً. بحسب "وكالة الصحافية الفرنسية"، اتّفق المحللون على أنّه أكبر صاروخ بالستي يعمل على الوقود السائل في العالم. والمنصة المتحركة مكونة من عربة ذات 22 عجلة وهي أكبر بكثير من المنصات الصينية السابقة المؤلفة من 16 عجلة، حتى أنّ مراقبين قالوا إنّ العربة "قد تكون مخيفة أكثر من الصاروخ نفسه".
 
المفاجأة الحقيقية
يصعب التأكّد حالياً ممّا إذا كان الصاروخ حقيقياً أو على وجه التحديد عَمَلياً، بالنظر إلى ضخامته والتي قد تجعله غير قادر على إيصال حمولته إلى وجهتها. وأعرب مسؤول أميركيّ عن خيبة أمله لرؤية كوريا الشمالية "تواصل منح الأولوية لبرنامجها المحظور للصواريخ النووية والبالستية". لكن ما حدث لم يكن مفاجئاً. هدّد كيم في كانون الأول 2019 بتطوير سلاح استراتيجي قبل نهاية 2020. كما اتّخذت كوريا الشمالية عدداً من الخطوات التصعيدية من بينها تفجير مكتب التواصل مع جارتها الجنوبية.
 
علاوة على ذلك، كانت صور الأقمار الاصطناعية قد بدأت تُظهر أواخر أيلول منصة نقل صواريخ وفقاً لموقع "نورث 38" المتخصص في مراقبة شؤون كوريا الشمالية. يضاف إلى كل ما سبق أنّ رئيس المجتمع الاستخباري الأميركي لتحليل شؤون كوريا الشمالية ماركوس غارلوسكاس ومسؤول الاستخبارات البارز في قسم شمال شرق آسيا في القيادة الأميركية الهندو-باسيفية بروس بيري كتبا في "المجلس الأطلسي" في الأول من الشهر الحالي أن المفاجأة الحقيقية ستكون في ألّا يستعرض كيم سلاحاً استراتيجياً جديداً.
 
ما تريده كوريا الشمالية
شدد كيم على أن الصاروخ يرتبط بالقدرات الردعية لبلاده. كما تجنّب ذكر ترامب بالاسم. وأبدى استعداده للحوار مع سيول بعد انتهاء وباء "كورونا". لكن الرسالة المقصودة وصلت إلى من يعنيه الأمر في الولايات المتحدة. سواء أفاز ترامب أو بايدن في تشرين الثاني المقبل، سيكون على الإدارة المقبلة أن تتعامل مع كوريا شمالية قادرة على تهديد البر الأميركي. هذا التهديد ليس جديداً. لدى بيونغ يانغ صاروخ "هواسونغ 15" الذي تمت تجربته بنجاح سنة 2017 ويستطيع الوصول إلى أي نقطة في الولايات المتحدة تقريباً. ويبدو أنّ الصاروخ الجديد هو نسخة مكبّرة عنه.
 
من الناحية الثانية، يشكل هذا الاستعراض تهديداً للأميركيين خلال أبرز استحقاق سياسي لديهم. أكثر من ذلك، وبحسب بعض الباحثين، كان العمل جارياً على هذا الصاروخ منذ فترة طويلة. تنقل شبكة "بلومبيرغ" عن الباحث في شؤون كوريا الشمالية ومؤلف كتاب "كيم جونغ أون والقنبلة: النجاة والردع في كوريا الشمالية" أنكيت باندا قوله إنّ بناء هذا النظام الصاروخي كان على قدم وساق خلال المفاوضات الديبلوماسية بين بيونغ يانغ وواشنطن.
 
بالحد الأدنى، تريد كوريا الشمالية أن تفرض ضغطاً على الإدارة المقبلة كي ترفع ثمن تخليها عن ترسانتها النووية والبالستية. فعلى طريق تطوير أسلحتها الاستراتيجية، سلك كيم طريقاً طويلاً حتى أوصل بلاده إلى موقعها الحالي. نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن المحلل البارز في "اتحاد العلماء الأميركيين" قوله إنّ الاستعراض العسكري أبرز العديد من الخيارات التي بات بإمكان كيم اللجوء إليها، مؤكداً في الوقت عينه أنّ الترسانة الظاهرة ليست ترسانة والده.
وترى الصحيفة أنّ كيم عاد إلى تكتيكاته القديمة بفرض الضغوط العسكرية على واشنطن، من أجل إيصال الأميركيين إلى أمر واقع مفاده أن كوريا الشمالية أصبحت بالفعل دولة في النادي النووي. وأشارت إلى أنّ مراقبين أميركيين باتوا مقتنعين بهذا الواقع، لكنّ كيم يريد أن يصل هذا الاقتناع إلى صنّاع القرار.
 
سيفرض نفسه
في المناظرتين التاليتين اللتين يُتوقع أن تتطرق إحداهما إلى السياسة الخارجية الأميركية، سيفرض العرض العسكري الكوري الشمالي نفسه على النقاش بين بايدن وترامب. في الواقع، لا يملك أي من الطرفين جواباً واضحاً على كيفية التعامل مع المسألة الكورية الشمالية. فبايدن كان نائباً للرئيس الذي لم يسجّل أيّ خرق في هذا الملفّ. في عهد ترامب، وصلت الدولتان إلى حافة الحرب قبل أن تفتحا مساراً ديبلوماسياً خفف حدة التوترات كما التجارب البالستية قبل أن تصل واشنطن وبيونغ يانغ مجدداً إلى حائط مسدود.
 
وفيما يفتخر ترامب بأنّه أسّس رابطاً شخصيّاً مع كيم مكّنه من تخفيف التوتّر فوق شبه الجزيرة الكورية، يقول منتقدوه الديموقراطيون إنّه "يحابي" المتسلّطين. ويضيفون أنّ ترامب أعطى كيم الشرعيّة بمجرّد القبول بالجلوس معه إلى طاولة واحدة. وأصبح كيم أول زعيم كوري شمالي يجلس إلى جانب رئيس أميركي في فترة خدمته لولايته.
 
ماذا بعد الانتخابات؟
وجّه كيم رسالة إلى ترامب تمنى له فيها الشفاء العاجل من إصابته بفيروس "كورونا". حتى الاستعراض العسكري، وإن لم يكن خالياً من الرسائل القاسية، فيه نوعٌ من محاولة عدم إغضاب أو إحراج ترامب. يقول أستاذ الدراسات الدولية في جامعة سيول ليف-إريك إيزلي لصحيفة "نيويورك تايمز" إنّ استعراض السلاح الاستراتيجي الجديد يوفر منافع سياسية داخلية بدون المخاطر المتأتية عن استفزازات الاختبار الصاروخي. لكن بعد الانتخابات قد يعود كيم إلى خطواته القديمة: "نظام كيم مركّز على التحديات الداخلية وينتظر الانتخابات الرئاسية الأميركية قبل البدء بدورة أخرى من الاستفزازات والديبلوماسية".
 
لكن يبقى السؤال عما إذا كانت هنالك ضمانات بألا تنفلت حلقة أخرى من التوتير والتهدئة إلى صدام عسكري بين القوتين النوويتين. التحديث السريع لترسانة كيم يجعل أي ضمانات بالغة الهشاشة. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم