إعلان

ماذا تعني سيطرة "طالبان" على أسلحة أميركية؟

المصدر: "النهار العربي"
جورج عيسى
مقاتلون من "طالبان" يسيطرون على مركبة "همفي" - "أ ب"
مقاتلون من "طالبان" يسيطرون على مركبة "همفي" - "أ ب"
A+ A-

"كلّ ما كان عليه فعله هو ترك الجنود هناك حتى يصبح الجميع خارجاً – مواطنونا، أسلحتنا – ثمّ تقصف القواعد (العسكرية)، لدينا خمس قواعد، وتقول وداعاً!" هكذا انتقد الرئيس السابق دونالد ترامب خلَفه جو بايدن أمام حشد من مناصريه في ألاباما يوم 22 آب/أغسطس بسبب طريقة إدارته الانسحاب من أفغانستان والذي وصفه بالـ"الاستسلام". وتحدّث ترامب عن قصف القواعد العسكرية خوفاً من سقوط تجهيزات عسكرية أميركية بين أيدي الحركة. وفي وقت لاحق، قال ترامب إنّ حركة "طالبان" وضعت يدها على أكثر من 80 مليار دولار من الأسلحة الأميركية التي تركها الجنود وراءهم بعد مغادرة البلاد.

 

تغيّرات جذريّة

ردّ الكاتب في الشؤون العسكرية سيباستيان روبلان من خلال شبكة "أن بي سي" على هذه الادّعاءات مظهراً أنّ تلك الأرقام هي مجموع ما أنفقه الأميركيون على الجيش الأفغاني بما في ذلك الرواتب والوقود والبزات العسكرية والتدريبات وغيرها. أما التجهيزات العسكرية التي حصل عليها الجيش الأفغاني منذ 2001 فقد بلغت 18 مليار دولار. حتى ذلك الرقم لا يبيّن الصورة بشكل كامل لأنّه يعبّر جزئياً عن أسلحة فُقدت في المعارك، حيث وصلت الخسائر في بعض الأحيان إلى 100 عربة في الأسبوع. وشدّد على أنّ هدف واشنطن كان مساعدة كابول على مواجهة "طالبان" لا مواجهة دول أخرى، ولهذا السبب، هي لم تسلّمها أسلحة كبيرة كالمقاتلات والصواريخ البالستية وتلك المضادة للطائرات.

 

في هذا الوقت، ذكر الكاتب السياسي محمد جواد موسوي زاده أنّ صوراً انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت وجود شبهات حول شاحنات مقطورة تنقل تجهيزات عسكرية من أفغانستان إلى إيران. وأشار إلى تقارير غير رسمية تحدّثت عن شراء طهران عربات "همفي" ومركبات مدرّعة من الحركة بهدف إجراء أبحاث وهندسات عكسية عنها. وتستفيد "طالبان" من بيع هذه المركبات عبر الحصول على أموال خارجية لدعم قدرتها على إدارة اقتصاد البلاد. ونقل موسوي زاده عن المحلل الاستخباري غورات كيزيتش قوله إنّه لو تمكّنت إيران من وضع يدها على قطع من مروحية أميركية فسيكون ذلك مغيّراً جذرياً في قدرة إيران على تطوير مقاتلاتها العسكرية.

 

هل من "أسرار قيّمة"؟

يتبيّن من هذه التحليلات أنّ تداعيات سيطرة "طالبان" على التجهيزات العسكرية الأميركية لا تكتسب أهمية بالنظر فقط إلى القيمة المادية لتلك التجهيزات. سواء أكانت كلفة الأخيرة 80 ملياراً أو 8 مليارات دولار، سيوفّر هذا التطور فرصاً كبيرة لإيران كي تعزّز علاقاتها أكثر مع "طالبان". فمنذ سبع سنوات تقريباً، أصبحت إيران الشريك التجاريّ الأوّل لأفغانستان. وعلى الرغم من الخلاف المذهبيّ بين الطرفين، تستطيع إيران و"طالبان" إيجاد قواسم مشتركة أخرى كمعاداتهما للغرب والولايات المتحدة وتنشيط التبادل التجاري بينهما والتفافهما حول القيود والعقوبات الاقتصادية. ولا شكّ في أنّ الأسلحة الأميركيّة تشكّل مصدر جذب آخر للاهتمام الإيرانيّ في أفغانستان. فهنالك مقاتلات "كوثر" المحلية الصنع التي طوّرتها بناء على طائرات حربية أميركية (أف-5) كانت تمتلكها إيران قبل الثورة. ومع أنّ التطوير استند في الغالب إلى تعديل الشكل الخارجيّ، يعتقد البعض أنّ إيران زوّدت "كوثر" بأنظمة إلكترونية يرجّح أنّها صينيّة الصنع.

 

حتى روبلان لم ينفِ أنّ "طالبان" سيطرت على مقاتلات أميركية حيث سيكون بإمكانها إجبار بعض الطيارين أو التقنيين الذين لم يستطيعوا الهرب على تشغيلها. قد يحصل ذلك مثلاً مع مروحية "بلاك هوك" التي صُوّرت وهي تحلّق فوق قندهار. لكن من دون صيانة وتدريب مناسبين، ستُستخدم هذه المقاتلات لعمليات النقل الأساسية وقصف قنابل غير موجّهة. ويقلّل روبلان من أهمية حصول إيران أو روسيا أو الصين على هذه التجهيزات لأنّها لا تقدّم "أسراراً قيّمة" لهؤلاء اللاعبين. فإيران مثلاً وصلت إلى "الهمفي" الأميركية من ميليشياتها في العراق.

 

تداعيات طويلة المدى

لا يشارك خبراء عسكريون آخرون روبلان في رأيه. في الواقع، قد تكون الصين المستفيد الأوّل من سقوط الأسلحة الأميركية بيد "طالبان" وفقاً لما يقوله هؤلاء. أمضى جوش لوسبينو 10 أعوام في الجيش الأميركي يقود اختبارات لخرق موجات الراديو والحواسيب الصغيرة وغيرها من معدّات تكنولوجيا المعلومات المستخدمة في أفغانستان. بناء على خبرته، يقول لوسبينو لموقع "ديفنس وان" إنّ هذه المكوّنات الإلكترونية باتت مختبراً تمثيلياً أو ملعباً لبناء واختبار هجمات سيبيرانية. ويضيف أنّه بمجرد خرق قشرة السرية للتجهيزات الأميركيّة، ستتقلص الفترة الزمنية لبناء أسلحة سيبيرانية من أجل مهاجمتها.

 

وفي حديث إلى الموقع نفسه، قالت جورجيانا شاي التي ساعدت البنتاغون في اختبارات التكنولوجيا الجديدة إنّ خسارة هذه التجهيزات توفّر لخصوم أميركا "وقتاً غير محدود وإمكانية نفاذ للذهاب وإيجاد نقاط عطب قد لا نكون على بيّنة منها". وأردفت: "إنّها ليست مجرّد همفي... إنها همفي مليئة بالراديوهات، التكنولوجيا، أنظمة التشفير، أشياء لا نريد لأعدائنا وضع أيديهم عليها".

 

ومن المرجّح أن تكون "طالبان" قد حصلت على كمية كبيرة من التجهيزات العسكريّة. لو صحّت هذه التقديرات، فمن الصعب أن تفلت الإدارة الأميركية من صداع جديد في المرحلة المقبلة، علماً أنّها تعاني أساساً كي تخرج من دوّامة قرارها الأفغانيّ. في أواسط آب/أغسطس، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول أميركيّ قوله إنّ التقييمات الاستخبارية غير النهائية تظهر أن "طالبان تسيطر على أكثر من ألفي عربة مدرّعة من بينها "الهمفي" وصولاً إلى 40 مقاتلة من بينها مروحيّات "بلاك هوكس" وطائرات درونز من طراز "سْكان إيغل".

 

من المفارقات اللافتة للنظر أنّ بعض الجنود الأفغان الذين استخدموا هذه الطائرات للهرب إلى خارج البلاد وخصوصاً إلى طاجيكستان ساهموا بتقليص أعداد المقاتلات التي يمكن للحركة السيطرة عليها. لكنّ مشكلة واشنطن الأساسية ليست في قدرة "طالبان" على قيادة هذه المقاتلات (أمر يستغرق بعض الوقت)، أو على تأمين صيناتها وهو شبه مستحيل. فهذان العنصران بالضبط قد يدفعان الحركة إلى بيع هذه الطائرات لإيران، أو على الأرجح بكمية أكبر للصين. لهذا السبب يقول لوسبينو، الخبير السيبيراني السابق في الجيش الأميركيّ، إنّ أيّ نقاط عطب تكتشفها الصين ستعرّض القوات الأميركية للخطر... ولسنوات مقبلة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم