إعلان

هل تستعيد كوريا الشماليّة أسوأ ذكريات المجاعة؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يرأس اجتماعاً لحزب العمال الحاكم، 15 حزيران (يونيو) 2021 - "أ ب"
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يرأس اجتماعاً لحزب العمال الحاكم، 15 حزيران (يونيو) 2021 - "أ ب"
A+ A-

"أوّل شيء أخبرتني إيّاه والدتي هو ألّا أهمسَ حتى، لأنّ العصافير والفئران تستطيع سماعي... السلاح الأكثر خطورة كان لساني، إنْ قلتُ الأمر الخطأ فلن يقتلوني وحسب بل ستخسر ثلاثة أجيال من عائلتي حياتها". هذا ما تقوله المواطنة الكورية الشمالية الهاربة من بلادها بارك ييونمي في حديث صحافيّ. تسرد ييومني الكثير ممّا عايشته في كوريا الشمالية، بدءاً من اختفاء الجيران بصورة "يومية" وصولاً إلى إجبارها على مشاهدة إعدامات ميدانية. وهي أيضاً عانت من المجاعة العظمى أواسط التسعينات.

 

كيم يعترف... خطورة استثنائية؟

منذ أسابيع قليلة، ضجت تقارير دولية بأزمتي مجاعة ووباء تواجههما كوريا الشمالية. الدولة المعزولة عن العالم والتي أقلقته بتجاربها النووية والصاروخية حتى سنة 2018، ربما تقلقه هذه المرة باحتمال غياب الاستقرار فيها. نهايةَ حزيران (يونيو) الماضي، قال زعيم البلاد كيم جونغ أون إنّ فشل تطبيق إجراءات مواجهة "كورونا" تسبّب بـ"أزمة عظيمة". ودعا كيم إلى اجتماع المكتب السياسي لحزب العمال من أجل معالجة الإهمال الوظيفي لكبار المسؤولين الذين تمّت إقالتهم واستبدالهم بآخرين في نهاية المطاف.

 

طبّقت كوريا الشمالية إجراءات قاسية لتقييد تفشي "كورونا"، من بينها إغلاق الحدود مع الصين منذ بداية تفشّي الوباء والحدّ من التنقلات الداخلية بصرامة. إنّ تطبيق هذه التدابير على الرغم من إنزالها أضراراً إضافية باقتصاد متدهور أساساً، يظهر أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى بيونغ يانغ. فبوجود قطاع صحي هشّ، يعدّ تفشي الوباء ضربة "قاضية" له وللمجتمع.

 

وفي أواسط حزيران نفسه، أقرّ كيم بوجود أزمة غذائية، محذّراً من أنّ الوضع "يزداد توتراً"، مشيراً أنّ الفيضانات والأعاصير كانت سبباً جزئياً في ما يحصل. وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إنّه بالنظر إلى ندرة صدور تصريحات سلبية عن الوضع في كوريا الشمالية، قد يشير هذا الاعتراف إلى شدة خطورة الوضع الغذائي في البلاد. وأضافت أنّ غياب الأمن الغذائيّ وصل إلى النخب المتمتعة أصلاً بامتيازات، وأنّ بعض الوحدات العسكرية تطلب من جنودها المرتاحين مالياً الذهاب إلى منازلهم وجلب بعض الطعام لوحداتهم.

 

وتوقف سكان بيونغ يانغ عن تلقي حصص غذائية منذ أواسط أبريل (نيسان) مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود. ووصل الأمر بكيم إلى التحذير من مواجهة مجاعة شبيهة بتلك التي عانتها كوريا الشمالية بين سنتي 1994 و1998 والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من السكان. وبحسب تقديرات أخرى، كان الضحايا بالملايين. وتُعرف تلك المجاعة باسم "المسيرة الشاقة"، حيث استخدم كيم هذا التعبير للمرّة الأولى في خطاباته.

 

كان لموقع "38 نورث" المتخصص في الشؤون الكورية الشمالية تعليق مشابه. يكتب أنّه من النادر جداً استخدام الإعلام الكوري الشمالي عبارة "أزمة غذاء". حتى في سنوات الكوارث الطبيعية ونقص الغذاء، كانت وكالة الأنباء الكورية الشمالية ومواقع أخرى تتحدّث عن "نقص في الغذاء" و"مشكلات في الغذاء". لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ الحالة الغذائية أسوأ من تلك السنوات بحسب الموقع، بل ربّما أصبحت كوريا الشمالية أكثر تقبّلاً لاستخدام هذه العبارة تحت حكم كيم.

 

حمية استراتيجية؟

لاحظ كثر أنّ كيم فقد الكثير من وزنه. يقول مراقبون إنّ هذه الخطوة ذات بعد استراتيجي يهدف إلى تفادي تحمل المسؤولية عن نقص الغذاء، حيث إنّ كيم نفسه يأكل كمية أقل من الطعام خلال هذه الفترة. لكنّ آخرين يشيرون إلى أنّ الزعيم الكوري الشمالي يتّبع حمية غذائية حفاظاً على صحته التي غالباً ما أثارت تكهنات عند ابتعاده عن الأضواء. ويقول رئيس تحرير "آسيا برس إنترناشونال" الياباني الذي يغطي شؤون كوريا الشمالية جيرو إيشيمارو، إنّ السلع الغذائية موجودة في الأسواق المحلية، لكنّ أسعارها ارتفعت ارتفاعاً لم يعد بإمكان المواطنين شراؤها. ففي أوائل حزيران على سبيل المثال، ارتفع سعر الأرزّ الأبيض 1.7 مرات والذرة 2.4 مرة بالمقارنة مع الفترة نفسها من شهر أيار (مايو) السابق. مع ذلك، لا يمكن اختصار الأزمة فقط بأزمة سيولة وقدرة شرائية.

 

فالأمم المتحدة، وتحديداً منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، توقعت أن يبلغ نقص الغذاء هذه السنة 860 ألف طن. ولم تستبعد أيضاً أن تشهد البلاد "فترة عجاف قاسية" بدءاً من أوائل شهر آب (أغسطس) المقبل وحتى شهر تشرين الأول (أكتوبر)، إذا لم يتم سدّ هذه الثغرة عبر الواردات التجارية أو عبر المساعدات الإنسانية.

 

الأضواء الصينيّة

من بين الذين فقدوا أو تمّ تخفيض مناصبهم، كبير المستشارين العسكريين ري بيونغ شول الذي يقود البرنامجين البالستي والنووي في كوريا الشمالية. يقول الخبير الكوري الشمالي في منظمة "سي أن أي" للأبحاث والتحليل كين غوز إنّ "التركيز الحالي هو على الاقتصاد، لا على البرنامج النووي".

 

على الرغم من ذلك، قد لا تشير التغييرات الداخلية في كوريا الشمالية إلى إعطاء الأولوية للشؤون الاقتصادية وإبعاد العسكر عن هذا الدور، علماً أنّ إرسال هذه الصورة إلى المواطنين الكوريين الشماليين قد يكون مهماً بالنسبة إلى كيم. ربّما تشكّل هذه الخطوة جزءاً من محاولات مستمرّة لمنع الثقافة الغربية من التأثير على الجيل الجديد. يعتقد بروس بينيت من "مؤسسة راند" أنّ الاقتصاد الكوري الشمالي ينهار لأنّ كيم يحاول إحكام قبضته على البلاد من خلال وقف انتشار الرأسمالية وتسلل التأثير الأجنبي داخلها والحدّ من الاستقلالية التي يتمتع بها الأثرياء. وقال إنّ امتناعه عن اتّهام "كبش الفداء التقليدي"، أي الولايات المتحدة، أمر بارز. وفي جميع الأحوال، رأى بينيت أنّ جهود كيم الحالية مزعزعة لاستقرار بلاده.

 

كيفيّة خروج كيم من هذه الأزمة هي مثار تكهّن. تقول بارك ييونمي، الهاربة من كوريا الشمالية: "كنت قادرة على رؤية الأضواء مقبلة من الصين. لو كنت ربما قادرة على الذهاب إلى الأضواء لأمكن أن أجد شيئاً لآكله، لهذا السبب فرَرْتُ". هل تكون الصين مجدداً مصدر الأضواء لنظام كيم والشعب الكوري الشمالي معاً؟ وهل يضطر كيم للمخاطرة بتوسّع الوباء في البلاد عبر فتح الحدود مع الصين؟

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم