إعلان

هل تتخلّص روسيا من "متلازمة أفغانستان"؟

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
وفد من "طالبان" بقيادة الملا عبد الغني باردار في موسكو، آذار 2021 - "أ ب"
وفد من "طالبان" بقيادة الملا عبد الغني باردار في موسكو، آذار 2021 - "أ ب"
A+ A-

"لا فائدة من الذعر". هذا ما قاله السفير الروسي في الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا للحاضرين في مجلس الأمن إثر انعقاده الطارئ في 16 آب (أغسطس) بعد يوم على وصول "طالبان" إلى الحكم. ما من شك كبير في أنّ لروسيا فرصاً للاستفادة من أفغانستان ما بعد المرحلة الأميركية. إنّ نوعاً من الشماتة الروسية بالهزيمة الأميركية غير مستبعد. ليس أنّ التاريخ عاد فقط كي ينتقم لموسكو بعد خسارتها الحرب في أفغانستان بفعل الدعم الأميركيّ للجهاديين. ثمّة مقارنة أخرى يمكن أن ترضي روسيا.

 

إنّ نظام محمد نجيب الله المدعوم من موسكو صمد أكثر من داعمه بعامين. وصمد بعد خروج الاتحاد السوفياتي لأربعة أعوام. لا يمكن قول الأمر نفسه عن حكومة كابول التي انهارت حتى قبل إتمام واشنطن انسحابها. وغنيّ عن التذكير أيضاً بأنّ الولايات المتحدة لم تكن تتوقّع انهيار حكم أشرف غني قبل ستة أشهر على الأقلّ من انسحابها، وهذا ما يفسّر جزئيّاً تزامن هروب غني مع وجود كبار المسؤولين الأميركيين وفي مقدّمهم الرئيس جو بايدن في عطلة خارج واشنطن.

 

المكسب الأول

في حسابات الربح الأكثر ملموسيّة، تلقّت صورة الولايات المتحدة وقوتها الناعمة ضربة هائلة بفعل تخلي واشنطن عن حليفتها كابول، لكن أيضاً عن حلفائها التاريخيين في حلف شمال الأطلسيّ. تصبّ هذه الضربة حكماً في مصلحة روسيا والصين. بإمكان موسكو استغلال هذه اللحظة في بناء علاقات جديدة خصوصاً مع الأوروبيين، حين يبدأ هؤلاء بالتشكيك في فاعلية بناء علاقات متينة، وربّما تبعيّة في أحيان كثيرة، مع واشنطن. قد لا تشكّل روسيا وجهة مستقبليّة لتحالف بين بروكسيل وموسكو، إنّما على الأقلّ وجهة لبناء نوع من الشراكة في القضايا ذات الاهتمام المشترك. على أيّ حال، ثمّة علاقات اقتصاديّة كثيرة بين الطرفين تؤكّد وجود مثل هذا الاهتمام. يقترح ذلك وجود استعداد أكبر لتعزيز مروحة التنسيق بينهما. هذا على الصعيد الدوليّ. أمّا على الصعيد الإقليميّ فإنّ الانسحاب الأميركيّ لا يؤمّن انتصاراً بهذا الوضوح لروسيا.

 

منطقة عازلة

ستبحث دول آسيوية عدة عن ملء الفراغ في أفغانستان. الصين وباكستان وإيران في طليعتها. والكرملين ليس بعيداً من البحث عن هكذا دور. كما الولايات المتحدة، كذلك لروسيا ذكريات سيّئة في أفغانستان. تفترض تحليلات سائدة أنّ تلك الحرب ساهمت في إنهاء الاتحاد السوفياتيّ. طبعاً ثمّة أسباب داخليّة أخرى سرّعت الانهيار. إنّ البحث عن دور متجدّد على هذه الساحة يرتبط بنظرة جديدة إلى الأوضاع في تلك الدولة. لهذا السبب، ليست روسيا في وارد إرسال قوّة عسكرية إلى أفغانستان وفقاً لما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. بطبيعة الحال، ثمّة عوامل لا تتغيّر – أو قلّما تتغيّر – بفعل مرور الزمن، كما هو الأمر بالنسبة إلى الجغرافيا السياسية. اهتمّت روسيا القيصريّة والسوفياتيّة بأفغانستان كمنطقة عازلة تحميها من تقدّم الإمبراطوريّة البريطانيّة من الهند باتّجاه الشمال. والعكس صحيح.

 

بطبيعة الحال، ما من إمبراطورية بريطانية تهدّد روسيا من الجنوب. لكنّ ذلك لا ينفي نظرة كرملينية مستقبليّة تتحوّط من أيّ تهديد حيويّ محتمل آتٍ من أفغانستان بصرف النظر عن مصدره أو هويّته. تكفي معرفة أنّ روسيا لا تزال تنظر إلى أوكرانيا كمنطقة عازلة (بالحدّ الأدنى) تحميها من التهديد الآتي من الغرب. علماً أنّ محاولات الاجتياح الألمانيّة لروسيا، انتهت مع نهاية النازية. وعلى الرغم من حالة التوتّر بين روسيا والناتو، يصعب تشبيه خطر الأخير بالخطر الذي كان يفرضه هتلر، أو حتى بونابارت. لذلك وكما أنّه ليس بإمكان روسيا التقليل من الأهمية الجيوسياسية لأوكرانيا، كذلك بالنسبة لأهمية أفغانستان. هذا ما دفع روسيا إلى التواصل مع "طالبان" المصنّفة على لائحة الإرهاب الخاصة بها، منذ سنوات طويلة.

 

استعدادات

من المرجّح أن يكون الاستعداد جزءاً من قراءة مبكرة لتغيّر السياسات في الولايات المتحدة وملل الرأي العام هناك من التدخلات الخارجية. من هذا المنطلق، كانت روسيا تستعدّ للانسحاب الأميركيّ عبر مدّ اليد إلى الحركة. بدا ذلك جليّاً حين استضافت ممثّلين عنها في روسيا بالتوازي مع المفاوضات التي أطلقتها واشنطن مع "طالبان". لن تتبدّد سريعاً مخاوف موسكو بشأن إمكانيّة انتقال التطرف من جنوب إلى وسط آسيا حيث الجمهوريات السوفياتية السابقة. لهذا السبب، عمدت إلى إجراء تدريبات عسكريّة مع طاجيكستان والصين بالقرب من الحدود الأفغانية من أجل إظهار التصميم والقدرة على محاربة الإرهاب.

 

لم ترث روسيا مجرّد مكاسب من الانسحاب الأميركيّ. الفوضى وغياب الاستقرار واحتمالات نشوء موجة لاجئين هي الوجه الآخر للفرص التي ستتاح أمامها. لم يكن تحميل روسيا (أو الصين) عبء هذه الفوضى السبب وراء مغادرة القوات الأميركية أفغانستان. هذا العبء هو مجرّد ضرر جانبيّ للملل الأميركيّ من "الحروب التي لا تنتهي". في نهاية المطاف، لم تفرض "طالبان" نفسها على الغربيين وحسب. كما يقول الباحث البارز غير المقيم في "المجلس الأطلسيّ" مارك سيماكوفسكي، إنّ الروس "لا يملكون الخيار" سوى التعامل مع الحركة. هم ببساطة، "لا يستطيعون الوقوف على الهامش".

 

"متلازمة أفغانستان"

ينضمّ إلى سيماكوفسكي في هذا التحليل الخبير في "المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة" دانيل بوشكوف. هو يرى في مجلّة "ذا ديبلومات" أنّ روسيا لم تتخطَّ "متلازمة أفغانستان" والذكريات السيئة التي أنتجتها. مع ذلك، للروس نظرة حول عدم وجود بديل لحركة "طالبان" كما أضاف. لكن بإمكان روسيا الاتّكال على "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي تحتلّ مسرحاً بارزاً في أمن المنطقة إلى جانب التعاون الصينيّ-الطاجيكيّ لتشكيل "دعامة" إقليمية للاستقرار.

 

وأعلنت "منظّمة معاهدة الأمن الجماعيّ" الخميس أنّها مستعدة لصدّ أي تهديدات صادرة من أفغانستان، حيث تنفّذ المنظّمة مناورات "روبيج 2021". من جهة ثانية، دأبت روسيا على إرسال إشارات إيجابيّة إلى "طالبان". من بينها الإشادة بتعاون الأخيرة لإجلاء المواطنين الروس وبضمانها أمن السفارة الروسية، إلى جانب دعوة روسيا مجلس الأمن لرفع تجميد الأصول عن الأموال الأفغانية. ينتج من هذه المقاربة ما يسميه البعض بـ"النهج المزدوج المسار": الاحتواء والتواصل.

 

قد يكون هذا النهج أسلوباً فعّالاً في إخراج روسيا من "متلازمة أفغانستان" – على افتراض أنّها لمّا تخرجْ منها بعد. فهو يقدّم فرصاً كثيرة لروسيا الطامحة إلى نظام دوليّ متعدّد الأقطاب قد يبرهن وجوده الانسحاب الأميركيّ الفوضويّ من أفغانستان. في نهاية المطاف، لم يلزَم واشنطن فترة زمنية طويلة للتخلّص من "متلازمة فيتنام"... قبل أن توقع نفسها – بشكل أو بآخر – بما أوقعت روسيا نفسها به قبل أربعين عاماً.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم