إعلان

أفغانستان... حين ينغّص المراسلون "فرحة" بايدن

المصدر: النهار العربي
جورج عيسى
الرئيس الأميركي جو بايدن (أرشيف) - "أ ب"
الرئيس الأميركي جو بايدن (أرشيف) - "أ ب"
A+ A-

خلال مؤتمر صحافي عقده أمس في البيت الأبيض، لم يكن بايدن مرتاحاً عند الإجابة عن أسئلة المراسلين بشأن أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي. كان المؤتمر مخصصاً للحديث عن نمو الوظائف في شهر حزيران (يونيو). لكن مع فتح المجال للأسئلة، سارع المراسلون إلى الاستيضاح عن الحدث الرمزيّ الأبرز خلال الساعات الماضية وهو انسحاب القوات الأميركية من قاعدة باغرام الجوية الحيوية في أفغانستان. أجاب بايدن بداية: "نحن بالضبط على المسار الذي توقعنا أن نكون عليه. سيتمّ ترك بعض القوات، لكنه انسحاب عقلاني مع حلفائنا. لذلك ما من شيء غير اعتيادي بشأنه".

 

من التهرّب إلى زلّة اللسان

بعد تلقيه سؤالاً ثالثاً عن أفغانستان، بدأت إشارات التوتر تظهر على محيّا الرئيس الأميركيّ: "أريد الحديث عن الأمور المفرحة، يا رجل". في هذه الإجابة اعتراف ضمني بأنّ المسارين السياسي والأمني غير إيجابيين في تلك البلاد. وحين أصرّ المراسل على سؤال ما ستفعله واشنطن لو تعرّضت كابول للتهديد، تحدّث بايدن عن استراتيجية "ما وراء الأفق" التي تمدّ أفغانستان بالدعم العسكريّ الأميركيّ من خارج الحدود مشدّداً في الوقت عينه على ضرورة أن يتولى الأفغان زمام أمورهم الأمنية.

 

وحين سأل مراسل رابع عن الموضوع نفسه، أعلن بايدن أنه لن يتلقى المزيد من الأسئلة حول الملف مضيفاً: "أنظر، إنّه (زمن) الرابع من تموز (يوليو)" الذي يصادف احتفال الأميركيين باستقلالهم. وتابع: "...أنتم أيها الشباب تسألونني أسئلة سأجيب عنها الأسبوع المقبل. لكن هذه نهاية أسبوع احتفالية. سأحتفل بها. هنالك أمور عظيمة تحدث".

 

وفي محاولة توجيه الأمور نحو قضايا أخرى قال الرئيس الأميركي: "الاقتصاد ينمو بوتيرة أسرع من أي وقت مضى خلال 40 عاماً، ولدينا عدد قياسي من الوظائف الجديدة، ووفيات "كوفيد-19" انخفضت بنسبة 90 في المئة، والأجور ارتفعت بشكل أسرع من أي وقت خلال 15 عاماً، ونحن نعيد قواتنا إلى الديار. في جميع أنحاء الولايات المتحدة، يذهب الناس إلى الألعاب الكروية ويقومون بأشياء جيدة".

لكنّه ولدى محاولته إنهاء الجدل بشأن أفغانستان، وقع في زلّة لسان قلّما يرغب المتابعون بإهمال مدلولاتها: "سأجيب على جميع أسئلتكم السلبيّة، ليست سلبيّة – أسئلتكم المشروعة" بشأن أفغانستان الأسبوع المقبل.

 

سلوك شبه نمطيّ

غموضُ الإدارة الأميركيّة بشأن الملفات الخارجية ليس محصوراً بالسياسة الأفغانية. يبدو أنّ هنالك شبه نمط لدى الإدارة الحالية بالتهرب من إبلاغ الأميركيين أو المسؤولين أو حتى الحلفاء نواياها في بعض القضايا. على سبيل المثال، لم يدرك الكونغرس بأنّ الإدارة تتواصل مع بيجينغ بشأن الاستعداد لإطلاق المفاوضات حول الاتفاق النووي الإيراني إلّا من خلال حديث المسؤولين الصينيين. والأمر نفسه ينطبق على قرار الإدارة وضع استثناء حول "قانون دعم الحرية" من أجل السماح بتصدير الأسلحة إلى أذربيجان. لم يعرف المراقبون بهذا الحدث إلا من خلال الإعلام الأذري. حتى حلفاء واشنطن في كابول علموا بقرار الانسحاب من الصحف.

 

مشكلتان وفرضيّتان

في الملفّ الأفغانيّ، ربّما يشعر بايدن بأنّ اللحظة باتت مناسبة لسحب جميع القوات الأميركية من هناك. حين كان نائباً للرئيس باراك أوباما وقف ضد زيادة عدد الجنود. اليوم، بإمكانه تحقيق رؤيته كرئيس للولايات المتحدة على قاعدة أنّه بعد عشرين عاماً من النزاع، لم يعد بإمكان واشنطن تقديم الكثير لكابول سوى المساعدات الاقتصادية وبعض الدعم الأمني. لكنّ بايدن يواجه مشكلتين. هو أولاً يريد الانسحاب من أفغانستان بعكس جميع التوصيات السياسية والاستخبارية أكانت أميركية أو حتى أممية. وهذا يعني أنه لا يختلف كثيراً عن سلفه ترامب حين يصرّ على تنفيذ رغباته بصرف النظر عن المداولات والمراجعات المشتركة بين الوكالات الأمنية والمستشارين السياسيين. واتّخذ بايدن خطوته حتى قبل أن ينهي فريقه مراجعة السياسة الأفغانية.

 

يتفرّع عن ذلك مشكلة أخرى وهي عجز بايدن – على ما يبدو – عن تبرير جزء كبير من سياساته الخارجية. من حيث المبدأ، ينفّذ بايدن قراراً يرضي الشعب الأميركيّ. مع ذلك، يريد تلقّي أسئلة عن "أمور مفرحة". كان بإمكان بايدن الإشارة إلى أنّ خطوته عبّرت عن "يوم مفرح" لتلبيتها مطلباً شعبياً في الأساس. لكنّه كان عاجزاً عن ذلك. والسبب يكمن في فرضيّتين على الأقلّ:

الأولى أنّ الجمهور الأميركيّ لم يعد يبالي بأفغانستان بعدما انخفض عدد الإصابات والضحايا بين الجنود خلال السنوات الماضية. والثانية أنّ غرق أفغانستان تحت حكم "طالبان" قد يزيد احتمالات إعادة شنّ "القاعدة" هجمات على الأميركيين انطلاقاً من هناك. حتى شعار إعادة الأميركيين إلى ديارهم قد لا يكون دقيقاً. هنالك تقارير عن محاولات للتفاوض مع دول في آسيا الوسطى من أجل استضافة هذه القوات للإشراف على مسار الأمور في أفغانستان كجزء من استراتيجية "ما وراء الأفق". إضافة إلى تعثّر هذه المفاوضات، ينتهي قرار بايدن بإعادة نشر جنوده بعيداً من ديارهم، وبعيداً من منطقة "الإندو-باسيفيك" التي تقول الإدارة إنّها تريد تعزيز أدواتها في مواجهة الصين. لهذا السبب، لا يظهر أنّ لقرار بايدن الكثير من المكاسب الاستراتيجية – هذا إن توفّرت أساساً.

 

بين شعورَي "الحدس" و"الفرح"

يقول مسؤولون في البيت الأبيض إنّ بايدن يتبع "حدسه" في أفغانستان. هذا ما قاله ترامب في إحدى المرات خلال حملته الانتخابية عن طريقة صياغة قراراته الخارجية. حين قرر الرئيس السابق الانسحاب من سوريا ومن أفغانستان، لا شكّ في أنّه لجأ إلى "حدسه" لا إلى مستشاريه. اليوم، يكرّر بايدن السلوك نفسه الذي لطالما وعد بإعادة ثقة الأميركيين بالمسار التقليدي لصناعة القرار. علاوة على كلّ ذلك، هو غير قادر على تصوير قراره الأخير بأنّه مصدر "فرح" للأميركيين بدلاً من أن يكون مصدر أسئلة "سلبية" للمراسلين. لكنّ فهم هذا السبب لا يحتاج إلى عناء كبير.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم