إعلان

إثيوبيا 2021 وما بعدها: الحرب طويلة.. وهذا ما يجب ترقّبه

المصدر: النهار العربي
خلدون زين الدين
شاخنة للجيش الاثيوبي
شاخنة للجيش الاثيوبي
A+ A-
القتال مستمر في إثيوبيا. عامها بألف. تطوراتها متسارعة. ضعف في المبادرات الدولية والإقليمية. معاناة مستمرة لمدنيين تُقدرّ الأمم المتحدة عددهم حتى الآن بنحو 26 مليون نسمة. هو رقم بالمناسبة يقترب من ربع سكان البلاد.
 
في سجل التطورات الميدانية، من أحدثها إلى أبعدها، "جبهة تحرير تيغراي" استعادت مدينة "لاليبيلا" التاريخية، ذات المكانة الدينية الكبيرة. حدث ذلك بعد 11 يوماً من إعلان الحكومة المركزية إخراج المتمردين من المدينة ذات المكانة الهامة المتعدية الإطار المحلي. الصراع حول "لاليبيلا" يحظى بالاهتمام والمتابعة، لكن ليس هذا كل شيء. ثمة في الميدان تطورات أخرى. 
 
القوات الحكومية تقدمت أخيراً واستعادت مدينتي "كمبلوتشا" الصناعية و"ديسي" الحصينة. أبعدت الخطر عن العاصمة أديس أبابا، وتقدمت باتجاه "ولدايا" وسط إقليم أمهرة، على طريق بري يربط الإقليم بعاصمة إقليم تيغراي.
 
هي هكذا، لعبة تقدّم وانكفاء، سيطرة وتراجع.
"سنذهب إلى أعدائنا حيث هم"، قال زعيم تيغراي دبرصيون جبرا ميكائيل في آب (أغسطس). ساد الظن وقتذاك أن هجوم الجبهة سيكون على أمهرة، بسبب مشاركة الإقليم وقواته الخاصة المعروفة محلياً باسم "فانو" في القتال إلى جانب الحكومة.
يومها، أطلق حاكم أمهرة نداءً إلى كل قادر على حمل السلاح للتوجه إلى ميدان القتال. عشرات الألوف حشدوا متأهبين بين أمهرة وتيغراي، لكن بخلاف التوقعات، انطلق التيغراي نحو إقليم عفر، وتوغّلوا فيه محاولين قطع ما يوصف بشريان الحياة، الطريق البري ومسار سكة الحديد الرابط بين أديس أبابا وميناء جيبوتي، وهو طريق تمر عبره ما نسبتها 95% من صادرات وواردات إثيوبيا، وفقاً للتقديرات الحكومية.
 
الأسلوب ذاته عند الطّرفين
التيغراي اتجهوا جنوباً إلى أمهرة عبر جبهة "غانشا" و"لاليبيلا"، سيطروا عليها، ومنها تقدموا نحو "ديسي" و"كمبلوتشا"، ليصلوا الى طريق رئيسي يقود نحو العاصمة. في اللحظة الزمنية هذه، أطلقت الدول المختلفة نداءات لرعاياها بمغادرة البلاد في أقرب فرصة. ترقب المحللون اقتحام أديس أبابا، ووضعوا سيناريوهات لذلك.
 
في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، انتشرت صور رئيس الوزراء أبيي أحمد بزيه العسكري. أعرب عن نيته قيادة القتال في الميدان في جبهة تيغراي. الانطباع الأول كان أنه سيدافع عن العاصمة، ليتين لاحقاً أن الصور التقطت في إقليم عفر. هو إقليم تقهقرت قوات التيغراي خارجه بعدما كانت قربية من مدينة "ميلي" الاستراتيجية المشرفة على طريق أديس أبابا - جيبوتي.
 
على درب الجبهة سارت القوات الحكومية متقدّمة. من عفر إلى أمهرة. استعادت "لاليبيلا" و"غانشا" وعدداً من البلدات. قبل وصولها إلى "ديسي"، أعلنت جبهة تيغراي الانسحاب من المنطقة والعودة إلى وسط إقليم أمهرة في مدينة "ولدايا".
الأسلوب ذاته لناحية المباغتة والقوة الصادمة، اتبعته القوات الحكومية. فاجأت أعداءها من عفر بقوّتها الرئيسة، وفي الوقت ذاته خرجت لهم بقوة كبيرة من العاصمة. ماذا فعل التيغراي للرد؟ انسحبوا وعادوا مرة أخرى عبر طريق سلكوه قبل 4 أشهر. 
 
رئيس الوزراء الإثيوبي أعلن قبلاً أن فرض القانون لن يستغرق وقتا طويلاً. كاد حديثه يصح. خلال 30 يوماً سيطرت قواته على إقليم تيغراي كاملاً تقريباً. بعد ذلك، بأربعة أشهر، تغيّر الأمر باستعادة التيغراي عاصمة الإقليم ميكيلي في أيار (مايو) الماضي. يتكرر الآن السيناريو ذاته بتبادل السيطرة على المدن في إقليمي أمهرة وعفر.
 
لا نهاية قريبة
من غير المرجح أن تؤدي استعادة الحكومة الإثيوبية للسيطرة على المدن الرئيسة إلى وضع نهاية قريبة للحرب الأهلية المستمرة منذ نحو عام. طرفا الصراع غير مستعدين للتفاوض، يقول مركز Stratfor للدراسات الأمنية والاستخبارية، الموصوف بالمقرب من الاستخبارات الأميركية. 
رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد اعتبر أن المكاسب الأخيرة دليل على أن قوات الدفاع الوطني الإثيوبية انتصرت في الحرب ضد قوات تيغراي. لكن مهلاً، "يجب التعامل مع البيانات الصادرة عن كلا الجانبين بنوع من التشكيك - يقول المركز - اذ إن التعتيم الإعلامي المستمر في إثيوبيا جعل من الصعب للغاية على الصحافيين الإبلاغ عما يحدث على أرض الواقع".
 
...للرّصد
...مع استمرار الصراع، الموقع الرئيس الواجبة مراقبته ـ يقول ستراتفور ـ هو "ولدايا"، المسيطرة عليه "جبهة تحرير شعب تيغراي". ليس هذا وحسب، فخسارة قوات تيغراي لـ"ديسي" و"كومبولتشا" سيحد بشدة من قدرتها على غزو أديس أبابا، إذ تقع المدينتان على طول الطريق السريع الرابط العاصمة الإقليمية لتيغراي بالعاصمة الفيدرالية الإثيوبية، لكن "جبهة تحرير شعب تيغراي" لا تزال تسيطر على "ولدايا"، وهي بلدة أخرى ذات أهمية استراتيجية على طول الطريق السريع "إيه 2". وإذا خسرت "جبهة تحرير شعب تيغراي" البلدة الواقعة على بعد نحو 119 كيلومتراً شمال ديسي، فسيضعف ذلك كثيراً موقع قوات تيغراي في ساحة المعركة. وإذا كانت القوات الوطنية الإثيوبية قادرة أيضاً على استعادة هذه البلدة، فيمكن أن تفكر "جبهة تحرير شعب تيغراي" في إجراء مفاوضات مع حكومة أبيي أحمد.
...في ظل الوضع الحالي، تظل المواجهة المطولة هي النتيجة الأكثر ترجيحاً للصراع، مع بقاء الجزء الأكبر من القتال في الشمال، يقول مركز الدراسات المقرب من الاستخبارات الأميركية.
في المعادلات الاستراتيجية الميدانية المرسومة، ما لم تتمكن قوات تيغراي من إعادة تجميع صفوفها واستعادة ديسي وكومبولتشا، فمن المرجح أن يظل القتال بينها وبين القوات الحكومية مقصوراً على منطقتي أمهرة وتيغراي الشمالية. وفي حين أن هذا يزيد من نفوذ الحكومة الإثيوبية في محادثات السلام المحتملة، فمن غير المرجح أن يؤدي استمرار القتال في الشمال إلى خسائر من شأنها أن تجلب "جبهة تحرير شعب تيغراي" إلى طاولة المفاوضات في المستقبل القريب.
 
الملايين بلا مساعدات
في تاريخ إثيوبيا القريب، حكومة منغستو هايلا مريام (1974-1991)، سقطت على يد تحالف بدأ أولى عملياته العسكرية في أيار (مايو) 1975، ولم يدخل العاصمة إلا بعد 17 عاماً من القتال في مختلف جبهات البلاد. طوال هذا الوقت من الحرب، ضعفت المبادرات الدولية والإقليمية لوضع حد لمعاناة المدنيين في ثاني أكبر بلدان أفريقيا من حيث السكان.
يتكرر السيناريو اليوم. معاناة المدنيين المحتاجين لمساعدات غذائية تزداد. ربع سكان البلاد يعانون... والحرب تستمر.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم