إعلان

"داعش" يستعد لبناء دولة الخلافة في غرب أفريقيا

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
"داعش" في أفريقيا
"داعش" في أفريقيا
A+ A-
في الوقت الذي كان يُعرض فيه فيلم "الجهاديّ" الذي أعدّه الصحافي الأميركي مارتن سميث لتوثيق تحولات زعيم "جبهة النصرة" أبي محمد الجولاني في سوريا، انتشرت معلومات شبه موثوقة تفيد عن مقتل زعيم جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا، أبي بكر شيكاو، بعد حصاره من قبل مقاتلي "داعش" في غابات سامبيسا شرق البلاد. وبما أن شيكاو يعتبر قائد ثاني حركة تمرد في قيادة "داعش" ما رشحه ليكون جديراً بوصف "جولاني أفريقيا"، يأتي مقتله ليشكل منعطفاً حاسماً في مسار التطورات الأمنية في القارة السمراء، وليعيد خلط الأوراق في ما يتعلق بمجمل المشهد الجهادي المتنامي في المنطقة، وقد يكون كافياً من جهة أخرى لقرع جرس الإنذار من خطر عودة "خلافة داعش" وإمكان هيمنتها على جغرافيا جديدة بعد انحسارها في كل من سوريا والعراق.
 
رسميّاً، لم يصدر عن قيادة "داعش" وأذرعه الإعلامية المعتمدة ما يشير من قريب أو بعيد إلى مقتل شيكاو ومسؤولية التنظيم عنها. وما قيل عن تسجيل صوتي صادر عن أبي مصعب البرناوي زعيم "داعش" في نيجيريا يتبنى فيه المسؤولية عن عملية اغتيال أميره ثم منافسه السابق، لا يعدو كونه من القرائن غير الكافية لأن من غير المعتاد أن يصدر تصريح عن والي من ولاة التنظيم من خارج قنواته الإعلامية الرسمية. وفي حال ثبتت صحة التسجيل ونسبته للبرناوي، فقد يفسر ذلك رغبة الأخير في الانتقام والتبجّح بالتخلص من خصمه على العلن لا سيما أن البرناوي نفسه تعرض لانقلاب كاد يطيح به من قيادة التنظيم في نيجيريا.
 
لم تطل علاقة أبي بكر شيكاو بتنظيم الدولة إذ استمرت فقط لما يقارب العام ونصف العام. فقد أعلن شيكاو بيعته لزعيم "داعش" السابق أبي بكر البغدادي في شهر آذار (مارس) عام 2015 إبان ذروة توسع التنظيم وسيطرته الجغرافية في سوريا والعراق حيث اتخذ لجماعته اسماً جديداً هو "ولاية غرب أفريقيا"، وانتهت العلاقة في شهر آب (أغسطس) 2016 عندما صدر قرار من قيادة "داعش" قضى بعزل شيكاو من منصبه وتعيين أبي مصعب البرناوي مكانه. والأخير هو نجل مؤسس حركة "بوكو حرام"، وكان يشغل منصب المتحدث الرسمي باسم ولاية غرب أفريقيا. وقد أجرت صحيفة "النبأ" التي تصدر أسبوعياً عن ديوان الإعلام المركزي في "داعش"، في عددها الـ42 لعام 2016 لقاء صحافياً مع أبي مصعب البرناوي واصفة إياه أنه والي ولاية غرب أفريقيا.
 
وقد حصل لغط بعد ذلك في ما يتعلق بالبرناوي لا سيما بعد اختفائه مطلع عام 2019 لبضعة أسابيع حيث تولى قيادة الولاية شخص يدعى أبو عبدالله الإدريسي والمعروف بلقب "با إدريسا"، ليتبين لاحقاً أن العملية كانت بمثابة محاولة انقلاب انتهت بالقضاء على الإدريسي ومساعديه وعودة البرناوي إلى منصبه القديم. وهو ما يعزز عدم صحة بعض التقارير التي ذكرت أن والي ولاية غرب أفريقيا هو أبو حفصة الأنصاري (اسمه خالد البرناوي)، خصوصاً أن الأخير معروف عنه أنه انشق عن جماعة "بوكو حرام" وأسس جماعة أنصار المسلمين في السودان المعروفة باسمها الحركي "أنصارو" في أعقاب قيام أبو بكر شيكاو بفك الارتباط مع تنظيم "القاعدة" بين عامي 2012 و2013.
 
وقد تكون عودة اسم أبي مصعب البرناوي لتصدر المشهد الجهادي في نيجيريا من أهم التداعيات التي ترتبت على عملية اغتيال شيكاو، بما يعنيه ذلك من أن الجناح الذي كان يقوده وحافظ على ولائه للدولة الإسلامية، أصبح هو الجناح المهيمن، ليس فقط على تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" التابعة لـ"داعش" بل على مجمل المشهد الجهادي في المنطقة، وبناءً على مسار واتجاهات تحركاته سترتسم معادلة جديدة للجماعات الجهادية تتغير فيها التحالفات والعداوات وفق خرائط تتناسب مع الوقائع المفروضة على الأرض. وأبرز هذه الوقائع هو "زيادة نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية بعد انتهاء السبب الرئيس وراء الانقسام الذي كان حادثاً لسنوات داخله بفعل المتمرد شيكاو" كما قال لـ"النهار العربي" الباحث في الشؤون الإسلامية من مصر مصطفى زهران. وأضاف زهران أن "التئام ولاية غرب أفريقيا سيساعد تنظيم "داعش" على التمدد والانتشار في مساحات جديدة كان وجود شيكاو يمثل حاجزاً بين التنظيم وبينها وتحديداً غابات سامبيسا الشاسعة المساحة في ولابة بورنو شمال شرقي نيجيريا والتي تجاور منطقة جوزا الجبلية المتاخمة للحدود مع الكاميرون".
 
وحذر الباحث المصري من أن "الربط بين ولاية غرب أفريقيا وولاية الصحراء الكبري بقيادة أبي الوليد الصحراوي سيجعل "داعش" يفترش مساحات كبيرة قد تنقل تجربة الموصل - الرقة من ناحية النشاط العسكري جنباً إلى جنب مع النشاط المدني إلى قلب أفريقيا". ويشير الباحث في ذلك إلى سيناريو "كسر الحدود" الذي نفذه "داعش" بين سوريا والعراق منتصف العام 2014 واستطاع من خلاله الربط بين الأراضي التي يسيطر عليها في كلا البلدين، وهي الخطوة التي كانت الركيزة الأساسية لإعلان "دولة الخلافة" في ذلك العام، ما يعني أن تمكن "داعش" في نيجيريا من الالتقاء مع فرعه في الصحراء الكبرى بما يشكل ولاية واحدة، سيؤدي إلى استعادة التنظيم ما فقده من حواضر الشرق الأوسط ليعيد تموضعه في جغرافيا جديدة ومغايرة وفي شكل أقوى، وفق زهران.
 
من جهته، أشار المتخصص في الجماعات الجهادية، مصطفى أمين، أن "داعش كلّف زعيم فرعه في الصحراء الكبرى أبا الوليد الصحراوي مهمة السيطرة على منطقة بحيرة تشاد والمنطقة المحيطة بها ومن ثم التمدد حتى شمال نيجيريا التي ينشط فيها زميله أبو مصعب البرناوي زعيم ولاية غرب أفريقيا في "داعش". إضافة إلى توسيع المساحة التي تعمل بها خلايا "داعش" في الجنوب الليبي". وبالتالي أصبحت المنطقة الممتدة من شرق السودان وجنوب ليبيا وجنوب الجزائر ومناطق من الجنوب التونسي وشرق موريتانيا والشمال النيجيري أي منطقة الصحراء الكبرى بالكامل، تحت تأثير التماهي الحاصل بين تحركات كل من أبي الوليد الصحراوي وأبي مصعب البرناوي، بحسب ما قال أمين في حديثه مع "النهار العربي".
 
ويعتقد بعض المراقبين أن تصاعد نشاط "داعش" في أفريقيا يعكس استراتيجية جديدة للتنظيم يتوخى من خلالها نقل مركز ثقله التنظيمي والحركي من دول الشرق الأوسط عموماً وسوريا والعراق خصوصاً إلى دول القارة السمراء مستنداً إلى حالة الفوضى السياسية وتفشي الفقر والأمية وسهولة التنقل بين حدود هذه الدول. وكان كل من الولايات المتحدة وروسيا والعراق قد أصدرت بيانات متتالية تتضمن إعلان "النصر" على تنظيم "داعش" منذ نهاية عام 2017 وحتى ربيع عام 2019 حيث خاض التنظيم آخر معاركه الكبيرة في بلدة الباغوز شرق دير الزور على الحدود السورية - العراقية.
 
غير أن زهران لا يتفق مع هذا الرأي معرباً عن اعتقاده أنه في حال تمكن تنظيم "داعشط من إكمال بناء مشروعه في غرب أفريقيا وصولاً إلى إعلان دولة واحدة تحت سيطرته، فإن ذلك "سيفتح شهيته ليس في سوريا والعراق وحسب بل في كل مكان وجغرافيا ينشط فيها التنظيم". غير أن ذلك سوف يتم وفق آليات وأساليب مختلفة لأن "استراتيجية الأرض وتموضعها لدى التنظيم أخذت تطوراً كبيراً في الفهم والآليات عما كانت عليه في الرقة والموصل"، بمعنى أن التنظيم لن يترك نفسه مرة أخرى في مساحة جغرافية مكشوفة تكون فيها قواته وقواعده ومعسكراته ظاهرة وسهلة الاستهداف، بل على الأغلب "سيسعى "داعش" إلى الحكم من خلال وكلاء محليين تابعين له ولو في شكل غير معلن، بما يتيح له تحقيق إدارة ذاتية لمناطق سيطرته تكون تحت إشرافه من دون الكشف عن هويات رجاله الذين يتحكمون بكل شيء من وراء الستارة".
 
وبالرجوع إلى مسيرة "داعش" التاريخية يلاحظ أنه بعد هزيمته في العراق على يد الصحوات عام 2009، ظل في مرحلة كمون حتى اندلاع الأزمة السورية عام 2011 حيث سارع إلى ركوب موجتها للعودة إلى مسرح الأحداث من جديد محققاً إنجازات لم يتمكن من تحقيقها في مسقط رأسه العراق. وبينما كان "داعش" شبه محاصر في سوريا في منطقة محدودة بعد أن تم طرده في نهاية عام 2013 ومطلع عام 2014 من أغلب المحافظات نتيجة الاقتتال الداخلي مع "جبهة النصرة" وغيرها من الفصائل السورية المسلحة، شكلت سيطرته على مدينة الموصل العراقية منعطفاً حاسماً ساعده في استعادة سيطرته على مساحات شاسعة من سورية معتمداً على فائض القوة الذي حققه في العراق، وفي الوقت نفسه كان توسعه في سوريا يمده بأسباب قوة جديدة للتوسع في مناطق جديدة من العراق وذلك في عملية تبادل استراتيجية بين جبهات القتال تمكن خلالها من بسط سيطرته على مساحة جغرافية تعادل مساحة بريطانيا.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم