إعلان

شبكات تهريب السوريين إلى تركيا عبر إيران... شهادات لـ"النهار العربي" عن تواطؤ حرس الحدود

المصدر: النهار العربي
رستم محمود
رحلات الموت
رحلات الموت
A+ A-
بعد ستة أشهر كاملة، وصل كريم بشارة وأفراد عائلته إلى مدينة "باش قلعة" جنوب شرقي تركيا، القريبة من الحدود مع إيران، بعدما كان قد انطلق منذ أوائل شهر آذار (مارس) الماضي من بلدته "الصقلبية" شمال غربي سوريا، مرّ خلالها على أربع دول، من سوريا بالطائرة إلى إقليم كردستان - العراق، ومنه تهريباً إلى إيران، ومن هذه الأخيرة تهريباً أيضاً إلى تركيا.
 
في حديثه الى "النهار العربي" يروي بشارة المصاعب التي عاناها مع أفراد عائلته طوال هذه الشهور، التي وصلت في أكثر من مرة إلى إمكان فقدانهم لحياتهم، خصوصاً في المناطق الجبلية القاسية بين إقليم كردستان وإيران.
يروي بشارة: "خضعنا لأربع شبكات تهريب، كانت كل واحدة منها توهمنا أنها صاحبة القرار والقادرة على تنفيذ كل شيء، لكنهم حقيقة كانوا أربع شبكات منفصلة، تقوم كل واحدة منها بـ"بيعنا" للأخرى، حيث تقوم هذه الأخيرة بفرض شروطها الجديدة علينا. ففي سوريا، تعهد لنا المهرّب أن الانتقال من مدينة الصقلبية إلى داخل تركيا سيكلف فقط عشرة آلاف دولار، كوننا عائلة من أربعة أفراد، وأن مدة الوصول لن تتجاوز أربعة أسابيع. لكن الحقيقة كانت أن التكلفة وصلت لأربعة أضعاف ذلك المبلغ، وطالت الرحلة المضنية لستة أشهر".
 
رحلة مضنية
يضيف بشارة: "وصلنا بسمة دخول نظامية من سوريا إلى إقليم كردستان، وهناك انتظرنا ثلاثة أشهر للحصول على إقامة نظامية، ثم انطلقنا إلى المنطقة الجبلية بين الإقليم وإيران، وانتظرنا أسبوعين، أُجبرنا خلالها أربع مرات لتجاوز الحدود، في واحدة منها أطلق حرس الحدود الإيراني النار علينا، إلى أن تمكنا مرة من الوصول إلى داخل إيران، مع مجموعة من مهربي البضائع، وكنا قرابة مئة شخص، أغلبيتهم من السوريين. لشهرين كاملين ضمن إيران، في القرى الجبلية بالقرب من الحدود التركية، لم نتمكن من عبور الحدود، إلى أن تم اعتقالنا من قِبل الأجهزة الأمنية الإيرانية، وأُفرج عنا بعد دفع ستة آلاف دولار. نحن نعتقد حتى الآن أنها كانت لعبة بين المهربين وأفراد جهاز الأمن الإيرانيين، الذين هددونا بإرجاعنا إلى سوريا، إلى أن تمكنا من العبور إلى تركيا، مع عشرات الأفراد الأفغان، حيث أصبنا أنا وأفراد عائلتي بأمراض عدة، وفقدنا الكثير من أوزاننا، فيما تراكمت الديون على كاهلنا، ونحتاج لشهور إلى أن نتمكن من مزاولة رحلتنا، للوصول إلى أوروبا".
 
 
يمثل بشارة واحداً من آلاف السوريين الذين يحاولون بشكل يومي عبور هذا المسار الجغرافي، حيث يسابق المهربون الزمن راهناً، قبل حلول فصل الشتاء، حين يصير صعباً أن يتمكن الأفراد من عبور المناطق الجبلية الوعرة، والتي تكون عادة مثلجة طوال شهور الشتاء والربيع. كذلك قبل أن تتمكن تركيا من إتمام الجدار الأمني على حدودها مع إيران، والذي سيكون عبوره شبه مستحيل.
 
3000 شهرياً!
لا توجد إحصاءات رسمية لأعداد السوريين الذين يصلون إلى تركيا شهرياً عبر هذا المسار، لكنهم بالآلاف على الأقل، كما يوضح الصحافي الاستقصائي سردار سناري الذي يقول لـ"النهار العربي" إنه "وفق أعداد الواصلين إلى مخيمات الضبط التركية في ولايتي وآن وهكاري، فإن ثلاثة آلاف سوري يصلون شهرياً من إيران إلى تركيا، إلى جانب أضعاف ذلك الرقم من الأفغان، إذ ثمة تعاون واضح بين شبكات التهريب وقادة نقاط الحرس على طرفي الحدود. فالعديد من الشهادات التي حصلنا عليها من العابرين، أكدت أن الضباط والعسكريين الإيرانيين والأتراك كانوا يتلقون الأموال بشكل مباشر ونقدي أثناء ساعات العبور، مقابل غض النظر لدقائق، حيث كانوا يتقاضون قرابة ألف دولار على كل فرد يعبر من جهة حدودية إلى الأخرى".
 
يتابع سناري حديثه قائلاً إن "المئات من اللاجئين يتعرضون لأشكال فظيعة من العنف، من الضرب وإطلاق الرصاص الحي عليهم من قِبل بعض حراس الحدود، في حال عدم توافقهم مع قادة شبكات التهريب، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى اغتيال بعض الأشخاص. كذلك ثمة عنف لفظي وجسدي وجنسي مارسه المهربون ضد بعض اللاجئين، خصوصاً من النساء اللواتي فقدن أموالهن، وحاولن العبور وحدهن. وفي مرات غير قليلة، اشترى المهربون المجوهرات والعملات الأجنبية والهواتف النقالة التي كان يحملها اللاجئون بأقل من نصف سعرها الحقيقي، فقط لتقديم خدمة العبور من نقطة إلى أخرى".
 
ابتزاز بالوثائق
لا يعبر السوريون من بلادهم إلى إيران مباشرة، حيث لا يحتاجون إلى سمة دخول، لأنهم يودون الدخول من دون أي صفة رسمية، تجنّباً لاحتمال إعادتهم مرة أخرى. فما أن يدخلوا الأراضي الإيرانية حتى يأخذ المهربون جميع وثائقهم الرسمية، لتكون بمثابة أداة ابتزاز، تُستخدم في حال عدم التزامهم بتعليمات المهربين. ومن ثم يتم إرسالها إليهم في تركيا، بعد الحصول على مبالغ مالية إضافية.
 
 
الناشطة الحقوقية العراقية سعاد الجابري تشرح في حديث لـ"النهار العربي" كيف أن هذه الأحداث اليومية، والتي تجري تحت أعين السلطات الأمنية والقضائية والسياسية المباشرة لأربع دول، إنما هي في المحصلة تُصنف ضمن قائمة أعمال "الإتجار بالبشر".
 
وتقول: "ما التسمية المناسبة للصفقات التي تجري بين قادة شبكات التهريب لبيع عشرات الأشخاص، والدخول في مناقصات تجارية عليهم، وكأنهم بضاعة تُباع وتشترى؟ هذه الصفقات غالباً ما تتم بالتواطؤ مع قادة الأمن وأجهزة السلطة على طرفي الحدود، وحينما يختلفون على الأسعار، يبقى الناس في الانتظار لأسابيع، وفي أفظع الظروف! هل من تسمية أخرى لذلك غير الإتجار بالبشر؟".
 
تتابع الجابري: "إلى ذلك، فإن هؤلاء اللاجئين، المقدرين بالآلاف، لا يحظون بأية حماية قانونية أو رعاية طبية أو نفسية، ولشهور كثيرة، وتالياً هم متروكون لكل أنواع الابتزاز النفسي والجسدي وحتى الجنسي، من أناس هم الأكثر قابلية لفعل ذلك بوحشية مضاعفة، من المهربين وقادة نقاط الحراسة الحدودية. ومن دون شك، فإن الأغلبية المطلقة من هؤلاء اللاجئين، خصوصاً من الأطفال والنساء، سيبقون لسنوات كثيرة عُرضة لأشكال من التروما النفسية والاضطرابات الوجدانية، التي قد تصل في مرات إلى احتمال الانتحار، خصوصاً من الذين تعرضوا لعنف بالغ على أيادي أعضاء هذه الشبكات".
 
وتضيف: "في المقابل أفراد هذه الشبكات محميون تماماً، إن عبر توافقاتهم الداخلية مع الأجهزة الأمنية والسياسية في مناطق عملهم، كشركاء، أو عبر ما يبتكرونه من حماية لأنفسهم. فجميع أسمائهم وهمية، ولا يجرون أية مقابلات مباشرة مع اللاجئين، بل فقط مع المنفذين على الأرض من عملائهم".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم