إعلان

عشرات الصّحافيين يترشّحون للانتخابات الجزائريّة... سباق على الخدمة العامّة أم على التّرقي الاجتماعي؟

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
من حملة صحافي جزائري
من حملة صحافي جزائري
A+ A-
 
بِشَكَل غير معهود في تاريخ الانتخابات التي شهدتها البلاد، كَسر صحافيون جزائريون القاعدة بترشحهم للاستحقاق البرلماني المقرّر يوم 12 حزيران (يونيو) 2021، بشكل أثار الكَثير من الجدل في خَلفياته وتداعياته على مهنة باتت مُرهقة في ظل حالة ما بات يُوصف بـ"التضييق" على المهنيين.

وبمجَردِ الكَشف عن القوائم النهائية للترشح بالتزامن مع بدء الحملة الدعائية، انكشف وجود عشرات المرشحين الذين يحمِلون صفة صحافي في قوائم حزبية، وأخرى للمستقلين، غزت صورهم مواقع التواصل الاجتماعي، داعية الكتلة الناخبة إلى دعمهم في الانتخابات المقبلة بشعارات تحّمل وُعوداً بإحداث التغيير ونقل صَوت الشعب إلى السلطات في البلاد.

وفي إعلان ترشحه ضمن قائمة حزب "جيل جديد" في الجزائر العاصمة، كتب مُقدم البرامج التلفزيونية الشاب يونس صابر شريف: "حان الوقت لكنتو تستناو (كنتم تنتظرونني) ربما في برنامج تلفزيوني، لكن هذه المرة جيتكم ببرنامج مجتمعي وسياسي، أحتاج لمساندتكم ودعمكم لي في قائمة جيل جديد بالجزائر العاصمة". 

وأضاف: "عوض أن أبقى أكتب على الفايسبوك وأشتكي من الوضع العام في البلاد، قررت أن أكون أكثر فاعلية وصوت العاصمة في البرلمان... لن أرفع يدي ضد إرادة الشعب، وسأرافع لمواضيع السكن والنقل والصحة والطلبة وأبذل كل جهدي للدفاع عن حقوق الطلبة والفنانين والصحافيين".


وأعلنت أنيسة شايب، وهي مقدمة برنامج فني يُبث على إحدى  القنوات التلفزيونية الخاصة، ترشحها في قائمة لحزب إسلامي هو "حركة البناء الوطني"، في مسعى قرأه البعض على أنه جاء لتقديم صورة الحزب المنفتح.

وقالت شايب في منشور على صفحتها على "فايسبوك" إنها تُدرك "قُوة التغيير التي تتملكني للمساهمة في واقع أفضل للعيش في عاصمة آمنة مزدهرة نعيد لها بريقها". وأشارت إلى أن عملها في الإعلام زادها اطلاعاً على هموم الشعب، ودعت الناخبين إلى مساندتها "لوضع خبرتها المهنية لتمثيلهم".

 ويعتقد بعض المراقبين للشأن السياسي أن لجوء الأحزاب إلى ضَمّ وجوه إعلامية الى قوائمها "حيلة سياسية"، إذ تسعى الى استغلال شعبيتهم نسبياً في السباق الانتخابي، وإقناع الكتلة الناخبة بضرورة التوجه نحو صناديق الاقتراع في ظل تخوفات من عزوف شعبي، بناءً على مؤشرات نتائج الاستفتاء الشعبي حول تعديل الدستور الذي جرى في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 والذي شهد مشاركة ضئيلة جداً مقارنة بالمواعيد الانتخابية الماضية. 

جدل وتساؤلات
ترشح الصحافيين للانتخابات المبكرة، لم يمر من دون إحداث جلبة بين أبناء القطاع، إذ جوبه بنوع من التساؤل، فقال الناشط إسماعيل طلعي: "نحو 100 صحافي ترشحوا للانتخابات التشريعية بشعار التغيير، ماذا لو اجتمعوا واتفقوا على تغيير واقع الصحافة في الجزائر وتجاوز خلافاتهم وتشكيل نقابة قوية تعيد الاعتبار للمهنة والمهنيين".
 

وكتبت الصحافية مونية سفير أن "الترشح يكون بعد نضال ومشوار وعرض أفكار وإدلاء بالرأي سابقاً وخدمة وطن لتستحق المقعد وتكسب الثقة" مضيفة: "الترشح قطف ثمار مشوار وليس البداية".

حقّ وطموح مشروع 

في المقابل، يُدافع الصَحافيون المترشحون عن أحقيتهم في خوض غِمار تجربة سياسية، بناءً على سنوات عملهم في الصحافة واحتكاكهم مع فئات واسعة من الشعب، ما أكسبهم معرفة بمشكلاته وانشغالاته.
ضمن هذا السياق، يقول الإعلامي المترشح رياض بوزينة إنّ "الصحافي بالدرجة الأولى هو مُواطن جزائري يحق له مِثلما يحق لغيره الوصول إلى المجالس المنتخبة، كما أن الطموح السياسي مشروع لممارسي هذه المهنة".
ويُعلل "كثرة الصحافيين المترشحين بطبيعة عمل هؤلاء، فهم أقرب إلى العمل البرلماني، كما أن جلهم يتحكم في أبجديات النظام التشريعي وفي أبجديات وظيفة النائب، بحكم تغطياتهم اليومية لنشاط البرلمان واحتكاكهم المباشر مع النواب واطلاعهم اليومي على مختلف مشاريع القوانين ومناقشاتها".

 ووفق بوزينة "يعد الصحافي أقرب للمواطن ويدرك جيداً معاناته، فهو بحق المدافع عنه، وبالتالي دور الدفاع هذا يريد أن يجسده الصحافي في مؤسسات الدولة، بل يرى نفسه الأكثر حرصاً على نقل الانشغالات وإيصالها الى الجهاز التنفيذي بأحسن وسيلة وأحسن أسلوب".

ويبدو بوزينة متفائلاً بترشح أبناء السلطة الرابعة للانتخابات إذ يقول: "يُنتظر من هذا العدد الكبير من الصحافيين المترشحين أن يرفعوا مستوى النقاش داخل جلسات البرلمان، كيف لا وكثير من النواب السابقين كانوا يعتمدون على بعض الصحافيين لكتابة الأسئلة الشفوية والمداخلات".  ويوضح لـ"النهار العربي" أنّ "الوعي السياسي لدى الصحافي يُؤهله ليمثل الشعب في القبة السفلى للبرلمان، ويمكن لهؤلاء الصحافيين أيضاً خِدمة المهنة من البرلمان لأنهم أدرى من أي طرف آخر بما تعانيه، يمكنهم أيضاً اقتراح قوانين تصُب في عمق ما تحتاجه الصحافة الجزائرية".

وتَعيشُ الصحافة في الجزائر ظرفاً استثنائياً بسبب ضغوط وإكراهات فُرضت على المهنيين، وهو انعكاس للوضع العام للبلاد بعد حراك شعبي رفع سقف مطالبه إلى إحداث تغيير جذري في النظام.

وتدعو فعاليات سياسية ونشطاء وقطاع واسع من المحامين والحقوقيين السلطات إلى تبني طريقة جديدة في التعاطي مع الإعلام، بغية تصحيح العلاقة ومُعالجة مشكلاته من خلال تشجيع الصحافة على النقد البنّاء واستدراك حالة الانغلاق المفروضة حالياً ببثّ خطاب سياسي واحد وتحييد الخطاب المناوئ.

وتعُم حالة من الاستياء لدى الصحافيين الذين لديهم نوازغ نضالية ويطمحون للارتقاء بالمهنة، بالتزامن مع تزايد انتقادات الشارع الذي لم يعد متسامحاً مع صحافة يصفها بـ"الخاضعة" و"المتواطئة" مع السلطة، وفق التعبير السائد. 

يحدث كل هذا في ظل غياب هيكل نقابي يوحّد مطالب الصحافيين ويدافع عنهم وعن المهنة، إذ تموت المبادرات في مهدها لأسباب عدة، أهمها الحسابات الضيقة. 

بحث عن الارتقاء الاجتماعي

بناءً على هذا المعطى، يقول عادل أورابح، وهو باحث جامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية: "على الأرجح أنّ الكثير من الفئات المهنية، ومن بينها الصحافيون، فهموا أن إدراج مادة تفرض ترشيح عدد كبير من الشباب في القوائم الانتخابية من جهة، والسخط الشعبي الذي تواجهه أحزاب السلطة التقليدية من جهة أخرى، على أنها عوامل ستسهل وصولهم إلى البرلمان". ويفسر أورابح لـ"النهار العربي"، مستدلاً بما يسميه بالانتفاخ العددي في القوائم الحرة، أن "الجزء الأكبر من هؤلاء المترشحين تحركهم على الأرجح الرغبة في الارتقاء الاجتماعي، وإلا لما وصلنا إلى استسهال الترشح إلى البرلمان بهذه الطريقة لعشرات الصحافيين ممن لم يختبروا السياسة في حياتهم، بل لم ينشطوا حتى في جمعيات جوارية. قانونياً، لا شيء يمنع ذلك، لكن أخلاقياً، هذا مؤشر مخيف الى ما وصل إليه واقع التمثيل السياسي في بلادنا".

وفي الانتخابات المقررة يوم 12 حزيران (يونيو)، يتنافس 28 حزباً سياسياً، ومرشحون يمثلون 837 قائمة انتخابية مستقلة عبر 58 ولاية، على 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان).
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم