إعلان

تونس... حتميّة تكريس الجمهوريّة الرّابعة

المصدر: النهار العربي
روعة قاسم
تونس نحو الجمهورية الرابعة
تونس نحو الجمهورية الرابعة
A+ A-
ينادي كثير من الأطراف السياسيين في تونس بتركيز الجمهورية الثالثة أو الرابعة، إذا تم احتساب جمهورية قرطاج الغابرة ودستورها، واعتبر هؤلاء أن دستور سنة 2014 قد أقرّ نظاماً سياسياً هجيناً تسبّب في كوارث بالجملة في البلاد وحان وقت تعديله نحو إقرار نظام مناسب للبلاد. ويرى كثير من هؤلاء أن النظام الرئاسي، على غرار نظامي فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، هو الأنسب للبلاد، باعتباره يحقق نوعاً من الاستقرار يحتاجه الاقتصاد الوطني خلافاً للنظام البرلماني المعدّل السائد في الوقت الراهن والذي بُني على التحالفات الحزبية التي لا تستقر، ولا تستقر معها الحكومات، وهو ما يؤثر سلباً على الاقتصاد وعلى ثقة مستثمري الخارج والمؤسسات المالية الخارجية المانحة والمقرضة.
 
في المقابل، يرى آخرون أن إقرار النظام الرئاسي هو عودة إلى الاستبداد ولحكم الفرد الواحد الأحد، على غرار ما كان سائداً قبل إطاحة نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وفي هذا القول مغالطة كبرى للرأي العام، باعتبار أن تونس لم تعرف النظام الرئاسي منذ استقلالها، وأن ما كان سائداً في السابق هو ما يسميه فقهاء القانون الدستوري وشرّاحه "النظام الرئاسوي" الذي يجمع بمقتضاه رئيس الجمهورية معظم الصلاحيات التنفيذية، وتكون لديه القدرة على التشريع من خلال تقديم مشاريع القوانين، إضافة إلى ترؤسه للمجلس الأعلى للقضاء. بينما يقوم النظام الرئاسي على التفريق بين السلطات وعلى مراقبتها بعضها لبعض حتى لا تحيد أي منها عن مسارها المضبوط دستورياً وتنزع إلى الاستبداد. 
 
ويرى المتمسكون بشكل النظام الحالي أيضاً أن الحكم على الدستور التونسي الحالي والنظام السياسي الذي أقره هو سابق لأوانه في الوقت الحاضر، باعتبار أن عملية بناء المؤسسات التي أقرها هذا الدستور لم تكتمل بعد، وفي طليعة هذه المؤسسات المحكمة الدستورية العليا التي تعطل تشكيلها. وبحسب هؤلاء، فإن وجود هذه المحكمة سيحل عديد الخلافات وسيجنّب البلاد عديد المطبات وسيحسم مسألة تنازع الصلاحيات بين مختلف السلطات وسيمكن من تلافي العجز عن إيجاد الحلول لمختلف المعضلات التي برزت وستبرز أثناء الممارسة السياسية.
 
ولعل السؤال الذي يُطرح في هذا الإطار هو: لماذا تعطّل تشكيل المحكمة الدستورية العليا في تونس؟ ومن هي الأطراف التي لها مصلحة في تعطيلها؟ وهل يمكن أن تستمر أجهزة الدولة ومؤسساتها الدستورية في العمل والتفاعل في ما بينها من دون هذه المحكمة؟ 
 
يُرجع أغلب العارفين بالشأن التونسي تأخرّ تشكيل المحكمة الدستورية العليا إلى عدم حصول التوافق بين الأحزاب السياسية بشأن تركيبتها، ورغبة هذه الأحزاب في الهيمنة على قرارها من خلال المحاصصة من دون أن تتوصل إلى توافق حول نصيب كل طرف من الكعكة. كما أن هذه الأحزاب لا يضرّها في شيء لو تواصل غياب هذه المحكمة باعتبار الباب مفتوحاً أمامها لتقديم القراءة الي تناسبها لأحكام الدستور في كل مرة يكون هناك خلاف، ويتعلق الأمر أساساً ببعض الأحزاب الكبرى الباحثة عن مصالحها، ضاربة عرض الحائط بمصالح الوطن الذي يبقى الخاسر الأكبر بسبب تعطل مؤسسات حكمه.
 
وفي كل الأحوال، وإن كان وجود هذه المحكمة مهماً وضرورياً لحسم الإشكاليات العديدة التي برزت في السابق، خصوصاً إثر وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بغتة وبروز مسألة خلافته المؤقتة قبيل إجراء الانتخابات السابقة لأوانها، أو لمناسبة ممارسة رئيس البرلمان للسياسة الخارجية وسطوه على صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا المجال، إلا أن وجود المحكمة لن ينهي الأزمة السياسية القائمة في تونس والتي انعكست سلباً على الاقتصاد، ما أدى إلى استفحال الآفات الاجتماعية في البلاد. فهناك معضلات أخرى لا علاقة لوجود المحكمة الدستورية العليا وباقي المؤسسات الدستورية الأخرى بها، على غرار معضلة المال الخارجي الذي تناله بعض الأحزاب وتشتري به ذمم الناخبين ويضمن تفوّقها في الاستحقاقات الانتخابية، وهو ضرب من ضروب التزوير وفق المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة، ومن المعضلات أيضاً مسألة حرب الملفات التي أصبحت ظاهرة في تونس، وتسليط القضاء على الخصوم السياسيين من قبل تيار سياسي بعينه.
 
ويبدو أن المرور إلى الجمهورية الرابعة من خلال التعديل الجذري للدستور بتغيير شكل النظام السياسي وتنقيح القانون الانتخابي القائم على الاقتراع على القائمات المغلقة مع اعتماد أفضل البقايا، والذي يمثل بدوره معضلة أخرى من معضلات النظام السياسي الجديد، أمر لا مفر منه حتى لو اكتمل بناء المؤسسات التي نص عليها الدستور الجديد، ومنها المحكمة الدستورية العليا.
 
وتبدو الحاجة ملحّة اليوم، وبعد سنوات من إقرار الدستور الجديد، إلى أخلقة الحياة السياسية بوضع ميثاق ملزم للجميع يشمل التزامات عديدة لتلافي الممارسات اللاأخلاقية التي يعج بها علم السياسة في تونس، ومنها ترك القضاء مستقلاً والابتعاد عن محاولات تدجينه وتسليطه على الخصوم السياسيين وتهديدهم بالملفات المفبركة وغير المفبركة مثلما يحصل اليوم من حزب سياسي بعينه، وأيضاً عدم تسليط ما يسمى بـ"الذباب الإلكتروني"، أي نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي المأجورين من بعض الأحزاب والمختصين في فبركة الأخبار الكاذبة وتشويه الخصوم السياسيين، وسب وشتم وقذف خلق الله من المعارضين لتوجهات الأحزاب التي تنفق عليهم والذين باتوا يمثلون ظاهرة مثيرة للقلق في الحياة السياسية التونسية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم