إعلان

هكذا فشلت تونس في محاربة الفكر المتطرف

المصدر: النهار العربي
تونس-هدى طرابلسي
ابراهيم العيساوي منفذ هجوم نيس.(رويترز)
ابراهيم العيساوي منفذ هجوم نيس.(رويترز)
A+ A-
أثارت عملية نيس الإرهابية الأخيرة التي نفذها شاب تونسي من جديد، إشكالية مدى نجاح تونس في محاربة الفكر المتطرف. فمنذ أواخر عام 2011، تتكرر بانتظام العمليات الإرهابية في تونس، ومعظمها  تتبناه تنظيمات دينية متطرفة على غرار "أنصار الشريعة". بدأ الحديث آنذاك عن الظاهرة الجهادية في تونس من خلال الخطاب الإعلامي والسياسي، أو حتى الأكاديمي السوسيولوجي بالأساس، لفك شفرات هذا اللغز الذي غزا فكر الشباب وأصبح يهدد السلم المجتمعي، ومعه بدأت تونس تفكر في وضع استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب على مستويات عدة، لكنها فشلت في تحقيق نتائج على أرض الواقع لأسباب متعددة. 

 الفطر السام 

يعتقد الكاتب الصحافي وسام حمدي أن الحديث عن فشل تونس في القضاء على الفكر المتطرف، يعود  الى أسباب منطقية، منها ما هو منهجي وبحثي في التعاطي مع الملف، وأيضاً ما هو سياسي وما هو مجتمعي، إذ اقتصرت جهود الدولة طيلة عشر سنوات على المقاربات الأمنية التي توصلت إلى حد بعيد الى قص جذور الجماعات الإرهابية هيكلياً، لكنها لم تنجح في - وهذا علمياً ليس من مشمولاتها - في بتر أذرعه ودعاته فكراً وتنظيماً، والمنتشرين في أرض تونس كالفطر السام".
ويقول حمدي لـ"النهار العربي": "السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم في تونس التي لم تعد فقط مصدراً لتفريخ التطرف في الداخل بل أصبحت متهمة بتصديره وتفريخه في الخارج، هو: كيف ننجح في القضاء على الفكر المتطرف؟ بل كيف سننجح في ذلك والحال أن تونس التي تحمل لواء الدولة المدنية في حكمها وفي دستورها، محكومة الآن وأكثر من أي وقت مضى من جهات سياسية معلوم أنها، لا فقط تحمي الإرهاب والإرهابيين، بل تدعمه فكراً وتنظيماً حتى تحت قبة البرلمان".

يضاف إلى كل هذه الإرهاصات، وبرغم النجاح في إعداد ترسانة من القوانين التي تعاقب كل حامل للفكر المتطرف أو داعم له، إلا أن التطبيق لم ينتهج بعد الطريق الأمثل، ويرى حمدي في هذا الصدد أن "الكثير من حاملي الفكر الإرهابي محتمون بأفراد وجهات سياسية وقضائية فاعلة تضمن لهم حرية التكفير وحرية التحرك للاستقطاب، وذلك عبر تمكينهم من منابر ومنصات إعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي أو مواقع إعلامية للتكفير والترهيب من دون محاسبة".

ويلاحظ حمدي أن "القضية الأهم في تونس الآن تكمن في كون الكثير من المغرر بهم والذين يتبنّون التطرّف بسبب ظروف في معظمها تكون في البداية لا عقائدية بل اجتماعية كالفقر والتهميش، باتوا يستسهلون ضعف الدولة، وبخاصة في ظل عدم وجود إرادة سياسية بفعل تواصل حكم الإسلاميين منذ الثورة لفتح ملفات الإرهاب، وفي مقدمتها قضيتا اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، ما يجعل البعض متحمساً لأيديولوجيا الإرهاب، بل يستسهل الأمر ويعتقد أنه على حق وأنه سيكون في منأى من المحاسبة لأنه سيكون محمياً سياسياً وقضائياً".


الدعاية المتطرفة
 
ويرى حمدي أن "البلاد فشلت في دحر التطرف، بخاصة من الناحية الفكرية، بسبب وجود خطابات سياسية جعلت شريحة واسعة من الشباب على استعداد تام للقتال وارتكاب جرائم، ليس فقط في الداخل، بل حتى في الخارج، مثلما حصل في حادثة نيس، بعد غسل دماغه وأدلجته بخطابات تكاد تكون يومية، ومنها "الغرب الكافر" "الديموقراطية كافرة"، "الدولة المدنية كافرة"، "الفن حرام"، "رسول الله مستهدف" و"الإسلام في خطر".

ولهذه المسألة الأخيرة الخطيرة أبعاد كثيرة، بحسب تعبيره وهي "ترتبط أساساً بوجوب إعادة النظر في كثير من القضايا المصيرية، ومنها التعليم والإعلام، بخاصة في ما يتعلق بحرية التعبير، فليس كل شيء يقال يكون بالضرورة مندرجاً في خانة حرية التعبير. بل يكون في أحيان كثيرة تحريضاً ودعوة واضحة الى التطرف، وهي مشكلة متواصلة، وهو ما أريدَ أن يكون له من خلال تشبث ائتلاف الكرامة الإسلامي الممثل في البرلمان بتمرير المرسوم 116 الذي رفضه الصحافيون لإدراكهم أن المسألة تعبّد الطريق لميلاد منابر لا تهدف للإخبار والإعلام الحر، بقدر ما تهدف لفتح المجال أمام منابر جديدة ومقننة للدعاية المتطرفة".

وخلص خبراء دوليون ووطنيون في تونس قبل سنة، إلى أنّ المعالجة الأمنية للإرهاب، على أهميتها، غير قادرة بمفردها على وضع حد له، داعين إلى معالجة المشكل من جذوره وإدخال إصلاحات تشمل القوانين والقضاء والأمن وتستجيب لدستور 2014.

تأكيدات الخبراء جاءت ضمن مؤتمر وطني لبحث خطة عمل للوقاية من الإرهاب والتطرف العنيف، والنظر في الاستراتيجيات الوطنية والدولية للوقاية من هذه الظاهرة، معتقدين أن سياسة الدولة يجب أن تشمل تطوير القضاء والعدل والنهوض بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ووضع حد للإقصاء والتهميش والنهوض بالثقافة والتعليم.

الإسلام الغاضب
 
ويتساءل الباحث في علم الاجتماع سفيان جاب الله: "هل واجهت الجامعة التونسية، وتحديداً السوسيولوجيا التونسية، الظاهرة الجهادية علمياً؟ ويجيب بأنه "عندما تريد البحث عن أطروحات أو دراسات حول هذه الظاهرة، ستجد صفراً من البحوث. وهذه الندرة في تناول الموضوع داخل الأطر الأكادمية تقابلها وفرة في المشاريع البحثية المهتمة بالظاهرة الجهادية في المجتمع المدني في تونس، أي خارج أسوار الجامعة، وهي تصل الى حد التخمة". ويضيف: "هذه المشاريع أنجزها باحثون في علم الاجتماع في نطاق إسداء الخدمات، أي مقابل مادي محترم". ويستنتج في حوار مع "النهار العربي" أن الدولة، عبر جامعتها، لا تعير اهتماماً كبيراً للبحث في تفشي ظاهرة التطرف الديني. ومن هنا يؤكد أن "تونس لم تحارب الفكر المتطرف". ويتساءل عن جدوى وجود سياسة وطنية لمكافحة الإرهاب منذ التسعينات، مؤكداً أنها فشلت ولم تنجح حتى في إعطاء تعريف واضح لمعنى التطرف في حد ذاته". 
ويستطرد: "المسؤولون في تونس غير واعين بخطورة الظاهرة وغير قادرين على محاربتها، لأنهم يعانون من أنواع أخرى من التطرف وهي تطرف سقوط الدولة وتطرف سقوط المؤسسات وغيرها من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي زادت الطين بلة".

ويعتقد جاب الله أن "مقولة الإرهابي لا يمثل الإسلام كذبة كبيرة"، مفسراً أن "منفذي العمليات الإرهابية هم في الحقيقة ليسوا إرهابيين، بل يمثلون الإسلام الغاضب.  فالإرهابي ينتمي الى فكر وتنظيم، لكن المسلم الغاضب أخطر بكثير لأنه تربى على مذاهب دينية، منذ سنواته الأولى في المدارس الدينية،  ساهمت للأسف في وجود جيل كامل يفكر بطريقة خطيرة جداً". ويذكر جاب الله أن "من حكموا تونس منذ الاستقلال، بدءاً ببورقيبة، استغلوا الدين لمحاربة الماركسيين و اليساريين".  
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم