إعلان

الجزائريّون يتخلّون عن ألقاب مشينة ألصقها بهم الاستعمار

المصدر: النهار العربي
الجزائر-نهال دويب
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
يضم السجل الحافل بالارتكابات للاستعمار الفرنسي (1962/ 1830) في الجزائر ملفات غير الجرائم والاستغلال والظلم. ملف آخر لا يقلُ حساسية عن هذه الملفات، إذ رحلت فرنسا وتركت وراءها ألقاباً (أسماء الشهرة) مُسيئة ومُشينة ألصقتها بأفراد وعائلات، بعضها يعود الى أسماء حيوانات، دخلت على إثرها عائلات جزائرية في متاهات قضائية للتخلص من هذه التركة الثقيلة. 
 
ويعتبرُ اللقب من أبرز أوجه معاناة الجزائريين، بخاصة عندما يكون أفراد العائلة في مرحلة المدرسة، وإذا ما كان اللقب يُشيرُ إلى "حيوان" أو "عضو بشري" أو "عاهة" أو حتى لا معنى أو تفسير له. 
 
تروي "صارة" لـ"النهار العربي" مُعاناتها التي انطلقت منذ التحاقها بالمدرسة الابتدائية وإلى غاية حُصولها على شهادة الليسانس وتخرجها من الجامعة، قائلة: "بدأت مُعاناتي مع لقبي (بُومعزة) لما التحقت بالمدرسة الابتدائية. حينها كان الأطفال الصغار يسخرون من لقبي، بخاصة عندما أدخل في جدال حاد مع أحدهم، ولما كبرت تعقدتُ وأصبحت أفضلُ عدم الاحتكاك مع الآخرين، حتى عندما ولجت عالم الشغل أُحرج عندما يُنادونني في الاجتماعات الرسمية".
وتُتابع "صارة"، وهي شابة في العقد الثالث من عمرها قائلة، إن هذه "المُشكلة أفقدتني الثقة بنفسي، وما زاد الطين بلة عدم اقتناعي بتغيير لقبي الذي ورثته عن أجدادي لإنهاء تلك العُقدة التي أعاني منها مع أفراد عائلتي". 
 
وترى أن بعض الألقاب العائلية الخادشة للحياء والمنتشرة بقوة في المُجتمع الجزائري أصبحت تُشكل خطراً لا يُستهان به على الأطفال الصغار، وحتى على المراهقين، وبعضهم يدخلون في شجارات تصلُ الى حد القتل باستعمال مختلف أنواع الأسلحة البيضاء.
وتلفت الى أنّ المئات، بل الآلاف، من التلاميذ في الجزائر الذين يحملون ألقاباً مشينة، يرفضون عادة الذهاب إلى المدارس خشية سخرية زملائهم من ألقابهم التي لم يختاروها بمحض إرادتهم.
 
وتتذكر "صارة" كيف كانت ترفضُ زميلتها أمينة الالتحاق بمقاعد الدراسة في الصغر، إلى درجة أنها أصبحت شخصاً استبطانياً تُفضلُ العيش في معزل عن الناس. 
 
ألقاب لحيوانات وعاهات جسدية 
المُعاناة ذاتها تتقاسمها العديد من العائلات التي تحملُ ألقاباً مُشينة، بعضها يرمُز إلى كلمات سوقية يخجلُ الفرد حتى من ترديدها، فما بالك بحاملي هذه الألقاب التي ترمز إلى أسماء حيوانات وأخرى تعني الإجرام مثل ألقاب "سفاح" و"دجال"، و"بوراس"، في إشارة إلى صاحب الرأس الكبير وأيضا لقب "زرزور" في إشارة إلى طائر "الزرزور"، وبوكراع أي (صاحب الرجل).
 
وتوارث الجزائريون هذا الملف الحساس أباً عن جد على مدار نحو قرن ونصف قرن من الزمن، وبالتحديد منذ سنة 1882، حيث أقر الاحتلال الفرنسي نظام الألقاب العائلية للجزائريين، وألزموا وقتها بالتخلي عن ألقابهم الثُلاثية وتعويضها بألقاب مُشينة ومسيئة، وبعضها لا تعني شيئاً مثل "صاصا"، "راهم" وغيرها من الألقاب. 
 
ووافق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون على طلب تغيير ألقاب عائلات جزائرية في 9 مُحافظات كُبرى، بعضها تحملُ ألقاباً سيئة مثل عائلة "بوحمارة" القاطنة في مُحافظة تيارت (مدينة جزائرية تقعُ في الشمال الغربي للجزائر) التي حوّلت لقبها إلى "علاوي"، ولقب عائلة "بعرة" في مُحافظة المسيلة (مدينة جزائرية تقعُ شرق البلاد) تحول إلى "مومن"، ولقب عائلة "جرو" في مُحافظة الجلفة تحول إلى "بلهاني"، ولقب عائلة "بلوذنين" في مُحافظة تلمسان تحول إلى "بجاوي"، إضافة إلى عائلة خرقاق في ولاية بسكرة والذي تحوّل إلى بن عثمان، وعائلة دجال في ولاية غرداية والذي تم تحويله إلى "حكيمي". 
 
80 في المئة من الجزائريين لا يعرفون نسبهم 
وفي ندوة نُظمت حول "الأسماء الجزائرية" على هامش معرض الجزائر الدولي للكتاب سنة 2015، قالت الباحثة الجزائرية في علم اللُغة إن الاحتلال الفرنسي للجزائر الذي دام من 1830 إلى 1962، أحدث تغييراً عميقاً في ألقاب الجزائريين، ولم يتوقف عند هذا الحد فقط، بل قطع انتسابهم لشجرات عائلية عريقة بإعطائها أسماءً مجهولة. 
ووفق الباحثة، فإن الجزائريين كانوا يملكون ألقاباً شريفة قبل دُخول الأتراك، وكان اللقب يُشيرُ إلى سلسلة الآباء والقبيلة وحتى المكان الذي كان فيه أصحابه، غير أن الاستعمار الفرنسي اتخذ قرارات خطيرة آنذاك من شأنها "بتر" الأصالة" والانتماء الشريف الضارب في الجُذور الأمازيغية والعربية للجزائريين. 
 
وبحسب الإحصائيات التي كشفتها الدكتورة وردية يرمش، فإن 80 في المئة من الجزائريين لا يعرفُون قبيلتهم الأولى، لأن ألقابهم الأولى تعرضت للتشويه. 
ومن القرارات الخطيرة التي اتخذها الاستعمار الفرنسي، إلزام كل عرش (القُرى الكُبرى) في منطقة القبائل على اختيار ألقاب تبدأ بالحرف اللاتيني الذي اختير لهذه المنطقة. 
 
وتوضح المُحامية والمُختصة في القانون الجزائري فريدة سي عبد الله: "في السابق كنا نشهدُ عملية تغيير الأسماء أو تصحيحها، أما اليوم فباتت وزارة العدل الجزائرية تستقبل طلبات رسمية لتغيير الألقاب". وتقول لـ"النهار العربي" إن هذه العملية تتطلب إجراءات رسمية تستغرق أكثر من ستة أشهر لإجراء تحقيقات مُعمقة حول العائلة التي ترغبُ في تغيير لقبها العائلي، فهُناك من يريد تغيير اللقب للهروب من العقوبات التي صدرت في حقه بسبب الجرائم التي ارتكبها. 
 
وتستهلُ العائلة الراغبة في تغيير لقبها العائلي بإيداع طلب لدى وكيل الجمهورية في المكان الذي ولد فيه، وبإمكان الأشخاص المولودين في الخارج إيداع طلباتهم على مستوى المركز الدبلوماسي أو القنصلي، ويُرفق الطلب بمجموعة من الوثائق الرسمية، بينها شهادة الحالة العائلية وعقد الزواج ومستخرج من جدول الضرائب، على أن يُنشر اللقب الأصلي واللقب المراد التغيير له في جريدة محلية، وفي ظرف ستة أشهر إذا لم يتلق وكيل الجمهورية أي اعتراض، يُرفع طلب الى وزير العدل الذي يتولى عرضه على لجنة خاصة تتكون من ممثلين من وزارة العدل ووزارة الداخلية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم