إعلان

​ الجزائر في عام: مرض الرئيس ومحاكمة الفاسدين والحدود الملتهبة

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
تشييع لخضر بو رقعة
تشييع لخضر بو رقعة
A+ A-
بين شَاكِر وناقِم ينقسمُ الجزائريون في تقييمهم لسنة 2020، لكنهم يُجمعون على أنّ السنة التي سمّوها بـ "الغريبة" عِوض "السعيدة" عَلمتهم أقوى الدروس وأقساها على الإطلاق. فانتشار فيروس عالمي لا يعترفُ بالحدود، أعاد خلط أوراق الجميع وقَلبَ البرامج الفردية والجماعية، لتُؤجّل إلى تاريخ غير مسمى، في وقت أَفلتت السياسة من قبضة كورونا، فَعاش الجزائريون أحداثاً ساخنة لم تَنتهِ فُصولها بعد.
 
ككُل دول العالم، لم تَسلم الجزائر من فيروس كوفيد-19، إذ داهمتها الجائحة في 25 شباط (فبراير) 2020، بتسجيل أول إصابة لمهندس إيطالي يعمل في حقل نفطي جنوب البلاد، تم ترحيله بعدها إلى بلاده، لكن الوباء انتشر ليُلامس عدد الحالات المؤكدة 95 ألف حالة، وأزيد من 2600 وفاة مع حلول شهر كانون الأول (ديسمبر)، في حين طاولت انتقادات لاذعة المنظومة الصحية التي أثبت الواقع أنها مُترهلة وتحتاج إلى إصلاحات جذرية، رغم تصريح الرئيس عبدالمجيد تبون بأنها "الأحسن في أفريقيا".
 
بعد الحراك.. السكون يعُم الشارع
عمّ الفيروس المكان. توقفت حركة البشر على الأرض ومعها الحراك الشعبي العارم الذي رفع شعارات تغيير النظام لأزيد من عام كامل، إذ عُلقت الحركة الاحتجاجية في شهر آذار (مارس) طبقاً لإجراءات الحجر الصحي والتباعُد الإجتماعي، بعد أن أثار هذا القرار جدلاً واسعاً بين مؤيدين اعتبروه فِكرة مسؤولة ينبغي اعتمادها، ورافضين تخوفوا من استغلال النظام السياسي للوباء، ووأد حراك 22 شباط (فبراير)، وعودة مطالبهم إلى نقطة الصفر.

استعادة وُجوه من الحراك الشعبي في الجزائر حريتهم بعد أشهر من السجن، في مقدمهم المجاهد لخضر بورقعة (87 عاماً)، قبل أن توافيه المنية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) دعمت فكرة وجود رغبة لدى السلطة في غلق ملف سجناء الحراك، وامتصاص الغضب الحقوقي والسياسي المتصاعد في ملف سجناء الرأي، لكن الوضع انتكس مجدداً بإيداع شباب آخرين السجن، منهم الصحافي خالد درارني، المدان بسنتي سجن، بتهمة "التحريض على التجمهر غير المسلح"، و"المساس بسلامة وحدة الوطن" بينما يقول محاموه إنه لوحق بسبب استمراره في تغطيته الحراك.

في الجهة المقابلة، شنت السلطات حَملة ضد من وصفتهم بـ"مروجي الأخبار الكاذبة" على المنصات الاجتماعية، والتي تفاقمت مع ظهور فيروس كورونا في البلاد، وإثر ذلك لجأت الحكومة إلى تعديل قانون العقوبات، لمعاقبة "كل من ينشر أو يروج عمداً، بأي وسيلة، أخباراً أو معلومات كاذبة ومغرضة من شأنها المساس بالأمن والنظام العموميين". إذ تحول منشور على "فايسبوك" إلى تهديد لصاحبه بالمتابعة القضائية.

إثر ذلك، واجهت الجزائر في عام 2020، سلسلة انتقادات من منظمات حقوقية ودولية ومن البرلمان الأوروبي، على خلفية ما وصفته بالتجاوزات في مجال حقوق الإنسان عبر محاكمة العشرات من نشطاء الحراك والتضييق على حرية الصحافة، لكن السلطات ردت بشدة واعتبرت أن التقارير الصادرة في حقها "انتقائية" وبخلفيات سياسية. 

وشهدت الجزائر عام 2020 عودة رفات 24 من جماجم شهداء المقاومة الجزائرية في بدايات الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، كانت محفوظة في متحف الإنسان في باريس وتمّ اكتشافها عبر باحثين جزائريين سنة 2010.

ورغم نشوة استعادة الجماجم، لا يزال عدد من الملفات عالقاً بين الجزائر وفرنسا، أبرزها تسوية ملف المفقودين، إعادة الأرشيف الثوري الموجود في فرنسا، دفع التعويضات اللازمة للمتضررين من التجارب النووية في الصحراء الجزائرية والاعتراف بالجرائم الفرنسية في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية.

مرض الرئيس
إصابة رؤساء العالم بكورونا كانت متوقعة، اذ طاول الفيروس الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، لينقل إلى ألمانيا في 28 كانون الأول (أكتوبر)، مُتغيباً عن حضور الاستفتاء الشعبي حول الدستور بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الذي انتهى بتسجيل أضعف نسبة مشاركة في تاريخ البلاد بـ 23,7 في المئة.

ومنح التعديل الدستوري، وهو أول عهد انتخابي قطعه تبون بمجرد تسلمه مقاليد الحكم نهاية عام 2019، صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية يصفها محامون وسياسيون بـ"الامبراطورية"، إضافة إلى ترخيص للجيش بالخروج في مهمات خارج الحدود، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضائه. ومنذ استقلالها عام 1962 تمنع الجزائر مشاركة قواتها في عمليات عسكرية خارج الحدود بسبب عقيدة عسكرية ظلت راسخة في الدستور.

وأثارت حالة تبون الصحية من التساؤلات ما يكفي أوساط الرأي العام لتزامُنها مع أجواء صعبة تعيشها البلاد سواء على الصعيد الداخلي أم الخارجي، وهو واقع أعاد طرح سيناريو تطبيق المادة 102 في الدستور الجزائري، الخاصة بإعلان حالة الشغور إذا استحال على الرئيس ممارسة مهامه. كما أحياّ كابوس نهاية حكم الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بعدما أصيب بجلطة دماغية واستمر بعدها ست سنوات في الحكم حتى عزله إثر احتجاجات واسعة في البلاد.

في ظل هذه المستجدات، يبقى ملف صحة الرئيس، من أكثر الأمور التي تشغل الرأي العام الجزائري في الوقت الراهن، وإن حاول تبون طمأنة الشارع الى أنه تعافى وسيعود قريباً إلى البلاد، وأنه يتابع ما يحصل في البلد ويُسدي التعليمات اللازمة للرئاسة والطاقم الحكومي منها التحضير لقانون الانتخابات تحسباً لإجراء انتخابات برلمانية مسبقة.

الجزائر الجديدة
لكَسبِ ثِقة الشارع الراغب في تغيير الأوضاع، تبنت السلطة طيلة عام 2020 شعار "الجزائر الجديدة". مُصطلح قفز إلى السطح بمجرد تسلُم عبدالمجيد تبون الحكم، وتسلل إلى خطابات المسؤولين في الدولة، ليُشَكِل أبرز مصطلح تم توظيفه في خطوة للترويج لتغيير في آليات الحكم. لكن هل نجحت السلطة؟.

يبدو الحكم سابقاً لأوانه، إلا أنّ عَودة وجوه سياسية من النظام السابق مُوالية للرئيس بوتفليقة وداعية الى عهدة انتخابية خامسة، علاوة على إعادة خطابات سياسية قديمة، زرعت الشك في نفوس جزائريين، لا سيما أن الواقع عاكس الوعود.

محاكمات مستمرة 
ورغم فيروس كورونا، واصل القضاء الجزائري مُحاكمة عدد من رجالات نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، من وزراء ورؤساء حكومات سابقين ورجال أعمال، تورطوا في ملفات فساد، وصدرت في حقهم عقوبات متفاوتة وصلت إلى 20 عاماً سجناً، بعدما كشفت عن أرقام مالية خيالية، ينتظر الجزائريون استردادها، بعدما تعهد تبون ذلك، وإن كانت المعارضة تشكك في إمكان تحقق هذا الوعد لتعقيدات إجراءات استرداد الأموال المنهوبة في عهد بوتفليقة.

وبينما تكاد السنة تنقضي، تفاجأ الجزائريون بعودة وزير الدفاع الأسبق خالد نزار إلى أرض الوطن قادماً من إسبانيا حيث كان فاراً، بعدما صدرت في حقه مذكرة توقيف دولية يوم 9 آب (أغسطس) 2019.

وأدين الجنرال المتقاعد بـ 20 سنة سجناً نافذاً في المحكمة العسكرية في البليدة في 10 شباط (فبراير) بتهمتي المساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة. في المقابل لا يزال نجلاه لطفي وفريد بن حمدين المحكوم عليهما غيابياً في القضية نفسها متواجدَين خارج الجزائر.

وينتظر أن تُعاد محاكمة نزار رفقة الجنرالين محمد مدين المدعو "توفيق" وبشير طرطاق، بالإضافة إلى سعيد بوتفليقة، في المحكمة العسكرية في البليدة بتشكيلة جديدة خلال الأيام القادمة، بعد قُبول المحكمة العليا الطعن بالنقض الذي تقدم به المتهمون في القضية نفسها.

ولا يُعد خالد نزار مجرد مسؤول عسكري سابق، إنما من أقوى رجالات النظام الجزائري في التسعينات، وهي الفترة التي شهدت توقف المسار الانتخابي، وما تبعها من أزمة أمنية تُسمى بـ"العشرية السوداء" دَفعت فيها الجزائر الكثير على الصعد كافة.

عودة نزار إلى الجزائر، ضِمن ما يصفه متابعون للشأن السياسي بـ "التسوية العسكرية"، تزامنت مع توجيه اتهامات بالفساد ترتبط بأربعة من أبناء قائد أركان الجيش الجزائري الراحل، أحمد قايد صالح، بعد اعترافات رسمية وموثقة قدمها النائب السابق لرئيس البرلمان، الموقوف في السجن في قضايا فساد، بهاء الدين طليبة، وتزامنت هذه المرّة مع الذكرى الأولى لوفاة صالح في 23 كانون الأول (ديسمبر) 2019.

 حُدود ملتهبة
المفاجآت السياسية تَوالت في عام كورونا، ووَصلت ارتداداتها إلى الحدود التي شهدت تطورات غير مسبوقة. البداية مع تعثر الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية، وهو البلد الذي تتقاسم معه الجزائر حدوداً برية يقارب طولها ألف كيلومتر، مع وجود تداخل ديموغرافي بين البلدين.
وشكل استمرار التدخلات الخارجية وتواصل مظاهر التسلح في البلاد، وتضاؤل فرص تبني الأطراف المتنازعين الحلول السياسية، حالة من التوجس والقلق لدى الجزائر.
 
وتفاقم الوضع مع وقوع انقلاب عسكري في مالي المجاورة في شهر آب (أغسطس)، وهي أحداث نددت بها الجزائر كما حاولت التكيف معها من دون إصدار قرارات استراتيجية، وفق ما يراه متابعون للشأن الأمني.
 
وازدادت التحديات مع الإفراج عن أكثر من 200 إرهابي في صفقة بين الحكومة المالية وتنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" الإرهابي، في تشرين الأول (أكتوبر)، كان بينهم جزائريون، وهي خطوة أغضبت الجزائر التي أدرجتها ضمن خانة عرقلة جهود مكافحة الإرهاب، باعتبار أن الصفقة تمت من طريق دفع فِدية للتنظيم، مقابل إطلاق سراح الرهينة صوفي بترونين، آخر رهينة فرنسية في العالم، إضافة إلى رهينتين إيطاليتين أحدهما قسّ اختطف في النيجر، والسياسي المالي البارز إسماعيل سيسيه.

المفارقة أنه بينما كان الجزائريون ينتظرون نهاية عام 2020 بسلام ومن دون أحداث جديدة، تفجرت أزمة بين المغرب وجبهة "بوليساريو" بسبب الصحراء الغربية، قبل إعلان  الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب عن اتفاقية تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل، وفي هذا السياق علقت الجزائر بلسان رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد يوم 11 كانون الأول (ديسمبر) بأن "هناك إرادة أجنبية حقيقية اليوم لوصول الكيان الصهيوني الى قرب حدودنا".

عام استثنائي بكل المقاييس شهدته الجزائر، لم يكن فيه فيروس كورونا المسيطر الوحيد على المشهد، ما أعاد رفع مطالب بفتح حوار وطني جامع، لتوحيد الصف الداخلي والتوافق على أرضية سياسية تستجيب لتطلعات الشعب وأماله في تغيير الأوضاع.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم