إعلان

الجزائر عنوان رئيسي في خطابات مرشّحي الرئاسة الفرنسية... الذاكرة والمهاجرون والإسلاموفوبيا

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
ماكرون وبنجامين ستورا والذاكرة الجزائرية
ماكرون وبنجامين ستورا والذاكرة الجزائرية
A+ A-
يشكل ملف الجزائر عنواناً مهماً في خطابات مرشحي انتخابات الرئاسة الفرنسية، ويلاحظ المتابعون لمسار هذه الانتخابات المقرّرة في 10 نيسان (أبريل) المقبل، الحضور الطاغي لاسم الجزائر كمادة دسمة في كلام المرشحين، إذ تشغل المواضيع المرتبطة بها حيزاً من النقاش الإعلامي والسياسي المفتوح حالياً بين مختلف التيارات والتوجهات في فرنسا.
ويتمثل هذا الحضور أساساً في الملفات المتعلقة بالذاكرة والمهاجرين والنسيج الثقافي والديموغرافي والهوياتي، وكذلك من خلال المسائل المرتبطة بالإسلاموفوبيا، وهو ما يدل على أنّ الجزائر لا تزال تشكّل نقطة ارتكاز أساسية، بل محورية في مُربع الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية، وفق مراقبين للشأن الجزائري - الفرنسي.
 
خطاب دبلوماسي برسائل مبطنة
يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحفاظ على مسار دبلوماسي مع الجزائر يراوح بين المهادنة تارة والاستفزاز تارة أخرى، وذلك أثناء استحضاره للذاكرة المشتركة بين البلدين. وقد ظهر ذلك في مناسبة مرور 60 عاماً على ذكرى اتفاق وقف النار بين الجزائر وفرنسا، في عام 1962 المعروفة بـ"عيد النصر" في الجزائر، والمصادف في 18 آذار (مارس)، بقوله إنّه مقتنع بمبدأ "اليد الممدودة"، مشيداً بما وصفها بالمبادرات المتعلقة بتهدئة ذاكرة حرب الجزائر، التي أطلقها منذ بداية ولايته عام 2017.
 
ويذكر ماكرون، أثناء المراسم التي لم يحضرها أي مسؤول جزائري رغم دعوة السفير محمد عنتر داود إليها، وفق بيان الإليزيه، قائلاً: "سيقول لي كثيرون: إنك تفعل كل هذا لكنك لست جدياً لأن الجزائر لا تتحرك، في كل مرة واجَه كل من سبقوني الأمر نفسه". وأضاف: "أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي تسلك فيه الجزائر هذا الطريق".
 
وتسبب ماكرون بأزمة دبلوماسية مع الجزائر، في أيلول (سبتمبر) من العام 2021، وصلت إلى حد استدعاء السفير داود، ومنع الطائرات العسكرية الفرنسية من التحليق فوق الأجواء الجزائرية، وذلك على خلفية تصريحات ماكرون بعدم وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي (1830 - 1954).
 
وبالتالي فإن ما يقوم به ماكرون، وفق مطّلعين، ينظر إليه في الجزائر كخطوات رمزية، لا تعبر عن وجود نية لتقديم اعتراف أو اعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية، وإن حاول التأكيد على غير ذلك في خطاباته.
 
استعداء المهاجرين
ليس ماكرون وحده من يتناول الشأن الجزائري بإسهاب، فبقية المرشحين لرئاسة فرنسا يسيرون في النمط نفسه، إذ كان إيريك زيمور الذي يتحدر والداه من أصول يهودية - جزائرية، قد قال في تصريحات سابقة إنّ "فرنسا تركت أشياء أكثر من كل المستعمرين الآخرين، كالطرق والمعاهد الصحية التي خلفتها، والنفط الذي اكتشفته فرنسا والذي يطعم 40 مليون جزائري". وقال المرشح اليميني: "استعمرنا الجزائر لمدة 130 عاماً، لكننا لم نكن الأولين ولا الوحيدين، فالجزائر كانت دائماً أرض استعمار من الرومان والعرب والأتراك والإسبان وغيرهم".
 
ويتبنى زيمور خطاباً "هجومياً" ضد المهاجرين في بلاده، ويركز في كل مرة على الجزائريين الذين يُعتبرون من أكبر الجاليات في فرنسا بأكثر من 7 ملايين نسمة، ومنها قوله إنّه عند انتخابه رئيساً لفرنسا، فإن بلاده ستستغني عن الأطباء الجزائريين "لأن بلدهم يحتاج إليهم" وفق تعبيره، وذلك بعد نجاح 1200 طبيب جزائري من أصل 2000 مرشح في اختبار يمكنهم من ممارسة مهنتهم في فرنسا.
 
وأعلن زيمور أنه في حال فوزه سيضع حداً لهذا الاختبار الذي يهدف إلى جلب أطباء أجانب، قائلاً "إننا نذهب منذ 30 عاماً لاستقدام أطباء من الجزائر، بينما نمنع الشباب الفرنسي من التخصص في هذا المجال بسبب ربع نقطة".
 
ويُعتبر زيمور من أشد المعارضين لفكرة اعتذار فرنسا للجزائر عن الفترة الاستعمارية، إذ قال في تجمع انتخابي بمدينة ماتز: "في حال انتخابي، سأزور دول المغرب العربي بداية بالجزائر الصيف المقبل. سأقوم بجولة لإعادة تنظيم علاقاتنا وتأكيد موقفنا".
 
وأضاف: "ستكون العلاقات مع الجزائر قائمة على احترام وليس توبة ماكرون وكاستانير ودرمانين! أريد فرنسا قوية مرة أخرى، فرنسا القوة المتوسطية. سوف أتعامل مع الجزائر كدولة ناضجة، وسأعتبر أننا تخلصنا من الماضي الاستعماري وروابطه بيننا إلى الأبد".
 
وهناك من يعارض زيمور من الداخل الفرنسي بسبب هذه المسألة، وآخرهم يانيك جادو مرشح "الخضر" للانتخابات الرئاسية الفرنسية، واصفاً إياه بمرشح "الجزائر فرنسية"، وقال جادو لزيمور في مناظرة على "القناة الفرنسية الثانية": "أنت مرشح اللاتسامح والإقصاء. أنت مرشح الجزائر فرنسية"، مُعيباً عليه نظرته الانتقائية في التعامل مع المهاجرين. وأنصار "الجزائر فرنسية"، يشكلون تياراً في فرنسا يشده الحنين إلى الفترة الاستعمارية للجزائر، ويرفضون أي اعتراف بالجرائم المرتكبة في حق الجزائريين خلال تلك الحقبة.
 
تمسك جزائري بالذاكرة
على الجهة المقابلة، تبدو الجزائر أكثر تمسكاً بملف الذاكرة، اذ قال الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون، في رسالة وجهها لشعبه في ذكرى الاحتفال بعيد النصر في 19 آذار (مارس) الجاري، إنّ بلاده "لن تفرط في حقها حيال جرائم الاستعمار الفرنسي البشعة، التي لن يطاولها النسيان ولن تسقط بالتقادم".
 
ومنذ سنوات، تتفاوض الجزائر وفرنسا حول أربعة ملفات تاريخية عالقة، أولها الأرشيف الجزائري الذي ترفض السلطات الفرنسية تسليمه، والثاني متعلق باسترجاع جماجم قادة الثورات الشعبية (موجودة بمتحف الإنسان في العاصمة باريس). أما الملف الثالث، فهو تعويض ضحايا التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، والرابع يخص استجلاء مصير المفقودين خلال ثورة التحرير (1954-1962) وعددهم 2200، وفق السلطات الجزائرية.
 
الجزائر عقدة فرنسا للأبد
يرى أستاذ التاريخ في جامعة الجزائر محمد لحسن زغيدي، أنّ سبب الحضور الدائم لاسم بلاده في الانتخابات الفرنسية، المحلية والبرلمانية وحتى الرئاسية، يعود لـ"ترسبات الثقافة الاستعمارية في ذهنية الإنسان الفرنسي، وبالتحديد إلى الموروثات النابعة مما فقدته فرنسا، لأن فرنسا التاريخ كانت مبنية على أساس تلك الإمبراطورية المسيطرة والمهيمنة على جزء كبير من العالم وذات الهيبة الكبيرة، والمبنية أيضاً على الثورة الفرنسية التي تتناول شعاراتها، الإخاء والعدالة والمساواة".
 
ويقول زغيدي لـ"النهار العربي" إن "هذه الشعارات كانت عبارة عن تخدير للشعوب ولا تنعكس حقيقتها على المستعمرات واصطدمت بالثورة الجزائرية التي تمكنت من تخليص المستعمرات بفضح فرنسا وتعريتها حتى ظهرت على حقيقتها من خلال جرائم حرب يندى لها الجبين ارتكبتها في القرن الـ19 وراح ضحيتها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد في 7 سنوات".
 
ويذكر زغيدي أنّ الثورة الجزائرية "أسقطت جمهوريات فرنسية وخاصة الجمهورية الرابعة التي قامت على أساسها الجمهورية الخامسة، والتي أقيمت من أجل إبقاء "الجزائر فرنسية" لكنها فشلت وصارت شبه معقدة من وجودها كجمهورية فاشلة في تحقيق الهدف الذي قامت من أجله، وبالتالي فإن فرنسا حين فقدت الجزائر فإنها فقدت تاج الملك، وتساقطت عليه كل أركان المملكة الفرنسية خارج ترابها ثم ضاعت هيبتها حتى داخلها".
 
الأقدام السوداء
يرصد المؤرخ الجزائري أنّ الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر 130 سنة أي لخمسة أجيال متتالية غادروها مطرودين، وذهبوا إلى فرنسا وأصبحوا مميزين، وباتوا يلقبون "الأقدام السوداء"، و"هؤلاء في 1962 كان عددهم مليوناً ولكن اليوم عددهم تضاعف وبقوا متحدين يعملون على العودة إلى الجزائر بأي طريقة، والتفكير في كيفية الانتقام منها وعرقلتها بكل الوسائل حتى لا تنهض ولا تقوم لها قائمة، لأنهم يعتقدون أنفسهم جزائريين بامتياز وهم حالياً يتبوأون الأماكن الأولى في البرلمان والمجالس البلدية، ومرشحون في الرئاسيات الفرنسية، ونيكولا ساركوزي منهم وفرنسوا هولاند تعاطف معهم، واليوم نجد ماكرون يُعتبر الورقة التي تسير في هذا الاتجاه. وحينما نحلل خطاب ماكرون ومارين لوبان نجدهما متقاربين جداً، وهذه القوة العنصرية الانتخابية والمتطرفة الكارهة لغيرها لا تزال إلى الآن وأصبحت تتحكم بمنافذ الحكم في فرنسا".
 
وبرأيه إنّ فرنسا تريد غلق ملف الذاكرة لأنها تتخوف من تساؤلات الأجيال الصاعدة من أطفال ومتعلمين وطلبة الجامعات الذين سيسألون يوماً عن حقيقة أجدادهم الذين ارتكبوا جرائم في الجزائر، "وبالتأكيد سيقولون، هل أجدادنا فعلاً كانوا مجرمين ووضعوا ألغاماً وقنابل نووية محرمة دولياً وقطعوا الرؤوس؟ وما جاء من شعارات في الثورة الفرنسية هي أكذوبة على الشعوب... نعم الأجيال القادمة ستواجه سلفها الاستعماري بهذه الحقائق التي تبرزها القضية الجزائرية بخاصة أنّ الجزائر صارت تسمي الأمور بمسمياتها".
 
وهنا يلفت زغيدي إلى أنّ "الجزائر كانت ولا تزال وستبقى إلى الأبد تشكل عقدة الاستعمار الفرنسي عبر الزمان ما دامت فرنسا نفسها لم تتصالح مع تاريخها ولم تقدم الاعتذار لمن ارتكبت بحقهم الجرائم".
 
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2021، قالت الرئاسة الجزائرية إن "عدد ضحايا الاستعمار الفرنسي، يقدرون بـ5 ملايين و630 ألف شهيد"، حيث يعلن هذا الرقم للمرة الأولى، وجاء الإعلان في ظل التوتر الدبلوماسي بين البلدين.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم