إعلان

تقرير البرلمان الفرنسي وبوادر صراع جديد مع الجزائر

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
  جنود فرنسيون في الجزائر أيام الاستعمار
جنود فرنسيون في الجزائر أيام الاستعمار
A+ A-
هل سيعيد التقرير الفرنسي الصادر أخيراً عن الجمعية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان)، والمتضمن بعض الانتقادات للجزائر، الخلاف بين البلدين إلى المربع الأول؟ وهل يجهض المحاولات الأخيرة التي بذلت من أجل نفخ الحياة في ما تبقّى من العلاقات الجزائرية - الفرنسية التي تعاني من الهشاشة وعدم الثقة؟
 
فهذا الأسبوع انتقدت وسائل الإعلام الجزائرية، وكذلك التصريحات التي أدلى بها مسؤولون كبار في جهاز الحكم الجزائري المعلومات التي تضمنها التقرير الفرنسي حول الجزائر، والتي صُنفت جزائرياً في إطار الاستفزازات المتكررة التي ما فتئت تستهدف سمعة البلاد. ويرى محللون سياسيون جزائريون أن مثل هذه الاستفزازات تضيف الآن عنصراً جديداً إلى تراكمات سجل الأزمات القديمة بين فرنسا والجزائر، وقد تفضي بدورها إلى ازدياد اتساع الفجوة بين البلدين، وإلى تكريس عدم الثقة إذا لم يتراجع عنها صنّاع القرار في الدولة الفرنسية.
 
وباختصار شديد، فإن محتوى هذا التقرير الصادر عن الغرفة السفلى للبرلمان الفرنسي يتضمن نقاطاً عدة، يعتبرها النظام الجزائري سلبية، وفي صدارتها تشويه حقائق الوضع الجزائري، وذلك بوصف المجتمع الجزائري كفضاء يفتقد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، في الوقت الذي يستثني هذا التقرير بعض الدول المغاربية المجاورة الأخرى من هذا الوصف، ويقدمها للرأي العام الأجنبي والعربي كواحات تنعم وحدها بالانسجام والأمن المادي والسياسي.
 
ونظراً الى ما تقدم، فإن مضمون تقرير البرلمان الفرنسي، في تقدير السلطات الجزائرية، لا يخترع أي شيء جديد بل هو استمرار نمطي للمواقف والسلوكيات الفرنسية المتكررة التي يعاد إنتاجها فرنسياً، ويعلن عنها كلما نشب خلاف جوهري حاد بين فرنسا ومستعمرتها السابقة الجزائر حول أسلوب التعاطي الفرنسي غير الموضوعي مع ملف جرائمها التي ارتكبتها طوال الحقبة الاستعمارية، أو حول نمط علاقات القوة التي تحاول فرضها باستمرار في مجال الاقتصاد والنفوذ اللغوي والثقافي، أو بخصوص القضايا الساخنة في الجوارين المغاربي والأفريقي معاً. ولكن يلاحظ أن السلطات الجزائرية لا تملك أي منابر إعلامية حديثة وذكية خارج حدود الجزائر، قادرة على توصيل خطاباتها إلى الفرنسيين في الجغرافيا الفرنسية.
 
في هذا الخصوص، ترى السلطات الجزائرية أن الوسائل الإعلامية الفرنسية لم تتوقف أبداً عن نشر الأخبار المزيفة والمقالات التحريضية المغرضة التي تتدخل في الشأن الجزائري، وتطمس الإجراءات التي يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وفي مقدمتها تصفية ميراث الفساد المالي الذي صنعته وخلّفته مرحلة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
 
ومن الضروري التذكير أيضاً بأن النظام الجزائري سبق له في الآونة الأخيرة أن استنكر أيضاً تدخلات وسائل الإعلام الفرنسية السلبية في الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي الداخلي للجزائر، ولقد وصف هذه التدخلات بالتحرشات الفرنسية اليمينية التي ركزت وتركز على تشويه المساهمات التي تحاول الجزائر تقديمها من أجل إيجاد حلول للمشكلات الخطيرة التي تؤجّج العنف والإرهاب في مالي، وتشعل الصراع الدموي في ليبيا.
 
وأكثر من ذلك، فإن وسائل الإعلام الفرنسية، بحسب وجهة نظر السلطات الجزائرية، لا تقدم للرأي العام الفرنسي أي صورة موضوعية عن آلية المتابعات القضائية العادلة التي تعمل بها المحاكم الجزائرية، لمحاسبة عدد من الوزراء والمسؤولين الجزائريين المشبوهين، وفضلاً عن ذلك، فإنها تخفي الدور السلبي للحكومة الفرنسية في توفير الإقامة والحصانة لهؤلاء اللصوص الذين فروا إلى فرنسا بعد تورطهم في اختلاس أموال الشعب الجزائري المكدسة بملايين الدولارات في البنوك الفرنسية، وفي الوقت نفسه، تتعامى عن عدم استجابة فرنسا حتى الآن لطلب الجزائر تجميد الأموال التي هرّبها هؤلاء إلى البنوك الفرنسية وإعادتها للخزينة الجزائرية.
 
وفي الواقع، فإن تصريحات المسؤولين الجزائريين المشار إليها آنفاً تنطوي على انتقادات مضمرة حيناً ومعلنة حيناً آخر، وهي موجهة إلى فرنسا جراء عدم تعاطيها الإيجابي مع المحاولات الجزائرية المبذولة خلال الشهرين الأخيرين، قصد تجاوز التوترات المتراكمة بين البلدين.
 
وتتمثل هذه المحاولات الأخيرة في تقدير هؤلاء المسؤولين الجزائريين في بوادر حسن النية التي تم التعبير عنها جزائرياً، سعياً الى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى سكّتها الطبيعية عبر إعادة السفير الجزائري محمد عنتر داود إلى باريس على رأس البعثة الدبلوماسية الجزائرية، وإعلان وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة منذ مدة قصيرة جداً إمكان سماح الجزائر مجدداً للطيران الفرنسي الحربي بعبور المجال الجوي الجزائري إلى مالي، بعد إقفاله بسبب الخلافات الحادة بين البلدين، مع العلم أن جزءاً لا يستهان به من الشعب الجزائري يرفض رفضاً باتاً أي خرق للطيران الحربي الفرنسي للأجواء الجزائرية مهما كانت المبررات، لأن ذلك يمثل عندهم انتهاكاً للسيادة الوطنية ومواصلة لعدم فك الجزائر الارتباط بالتاريخ الكولونيالي الفرنسي.
 
وعموماً، فإن وجهة نظر المراقبين السياسيين الجزائريين ترى أن مضمون تقرير البرلمان الفرنسي المذكور آنفاً ليس إلا جزءاً من بنية أزمة العلاقات الجزائرية – الفرنسية المركبة، القديمة – الجديدة التي عكّرت ولا تزال تعكّر التفاهم بين الجزائر وفرنسا منذ الاستقلال إلى الآن، وتقف حجرة عثرة أمام انطلاق البلدين في بناء ذاكرة جديدة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتجهض مساعي تصفية مستودع الكولونيالية.
 
ويذكر هؤلاء المراقبون السياسيون العناصر الأساسية المشكلة لبنية هذه الأزمة المركبة التي تعوق بناء هذه الذاكرة الجديدة في النقاط الآتية:
 
1- رفض فرنسا الحلول العادلة لميراث الاستعمار الفرنسي للجزائر على مدى قرن وثلاثين عاماً، وفي المقدمة تجاهل الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدى 60 سنة مبادئ أخلاقيات الاعتذار الرسمي على جرائم الاحتلال الفرنسي للشعب الجزائري، وعدم دفع التعويضات لمليون ونصف مليون شهيد وشهيدة، وكذا لمعطوبي الحرب وثكلاها وأيتامها.
 
2- عدم وقف فرنسا تدخلاتها في الشأن الخاص بالهوية الثقافية واللغوية الجزائرية.
 
3- استمرار تجاهل الحكومة الفرنسية طلب الجزائر تسليم عدد من المعارضين الجزائريين المقيمين في فرنسا والذين صدرت في حقهم أحكام قضائية جزائرية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم