إعلان

موقف الجزائر الرّسمي من تصريحات ماكرون تحكمه المصالح... والشعب يقاطع

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
شعار لحملة المقاطعة في المغرب العربي
شعار لحملة المقاطعة في المغرب العربي
A+ A-
 أخذت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الإسلام، منحى آخر بالنسبة إلى الجزائر مُقارنة ببقية دول العالم العربي والإسلامي، بحكم العلاقات الثنائية بين البلدين التي رآها مراقبون "سبباً رئيسياً مؤثراً في الموقف الرسمي الجزائري"، فيما  اقتصر التنديد بتلك التصريحات على المستويين الشعبي والحزبي وعلى الهيئات الدينية.

 
وينبع الموقف الجزائري من خصوصية العلاقة بفرنسا مُقارنة ببقية الدول لاعتبارات عديدة، مُتعلقة أولاً بتداخل العلاقات التاريخية وارتباط الاقتصاد الجزائري في جزء منه بفرنسا التي تُمثّل أحد أبرز المصدرين الى الجزائر، والمستوردين منها للغاز والنفط، وثانياً بالسياسة الخارجية، وهذا بالمحصِّلة يؤثر في الموقف الرسمي، إذ غالباً ما لا تُعلق الجزائر على سياسات الدول في شأنها الداخلي.

 ضغط وتنديد حزبي

 
ويُطالب سياسيون جزائريون سلطات بلادهم بالرد على تصريحات إيمانويل ماكرون، في وقت يخضعُ الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، لفترة حجر صحي طوعي، وذلك إثر ظهور أعراض الإصابة بفيروس "كوفيد 19" على عدد من المسؤولين في الرئاسة.

 وأعلن أكبر حزب إسلامي في الجزائر، "حركة مجتمع السلم"، أن تصريحات ماكرون تستدعي "التنديد واتخاذ موقف دبلوماسي وسياسي واقتصادي مناسب، التزاماً بالقسم على احترام الدين الإسلامي وتمجيده، وبأن الإسلام دين الدولة، وانتصاراً لمشاعر الجزائريين".

ودعت "حركة البناء الوطني" التي تتولّى رئاسة "المجلس الشعبي الوطني" (الغرفة السفلى للبرلمان الجزائري)، "السلطة في البلاد إلى التدخل لحماية الجالية المسلمة في فرنسا من سياسات الكراهية والأحقاد وممارسات العنصرية التي تبرّرها خطابات ماكرون المتهوّرة".

وهناك أكثر من 7 ملايين جزائري في فرنسا. وتتقدم الجزائر قائمة الدول الأكثر استفادة من التأشيرة الفرنسية بواقع 300 ألف تأشيرة في العام، وذلك قبل ظهور وباء كورونا "كوفيد 19".

هيئات دينية

واعتبر المجلس الإسلامي الأعلى، التابع لرئاسة الجمهورية الجزائرية "التطاول على الرموز الدينية والإساءة لها إساءة الى الإنسانية برمتها، خصوصاً إذا كان صادراً عن مسؤول يعتبر نفسه حامياً لقيم الإخاء والحرية والمساواة".

وعبّر المجلس عن "استنكاره الشديد لهذه الحملة المسعورة على شخصية سيدنا محمد خير خلق الله، رمز التسامح والتعارف والتعايش، وعلى الدين الإسلامي الحنيف الذي يعتنقه مئات الملايين في كل القارات".

ودعا المنظمات الدينية وهيئات حقوق الإنسان وحوار الأديان، إلى مجابهة هذا الخطاب المتطرف اللاإنساني والانتصار للمنهج العقلاني القاضي باحترام الرموز الدينية المشتركة ونبذ روح الكراهية والعنصرية.

 وذهبت "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" الى حد دعوة حكام الدول العربية إلى سحب سفرائهم من العاصمة الفرنسية باريس، وإلى إعادة النظر في حجم المعاملات التجارية والاقتصادية والثقافية التي تربط دول العالم الإسلامي بفرنسا.

وأسفت الجمعية لـ"حملة الكراهية والعنصرية التي يقودها الرئيس الفرنسي ضد فئة كبيرة من مواطنيه، والمساهمين في النهوض باقتصاد وطنه، ومشاعر المسلمين في العالم كله".
وذكّرت في بيان، بأنّ "الأعراف الدولية والقانون الفرنسي، يقتضيان العمل بمبدأ الحياد الديني الذي تدّعيه اللائكية المطبقة في فرنسا، بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية والثقافية، والتجارية التي تربط فرنسا بالعالم الإسلامي، وما تدره هذه العلاقات على فرنسا بالذات من مصالح ومكاسب".

رسائل ضمنية

حكومياً، لفت وزير العدل الجزائري، بلقاسم زغماتي، في سياق الترويج لمشروع الدستور الجديد، إلى أنّ "الدين الإسلامي نحترمه، والدستور يضم مواد لا يمكنها المساس بالإسلام لأنه دين الدولة"، من دون الإشارة إلى تصريحات ماكرون مباشرة.

 ورأى زغماتي أن "لا خوف على الإسلام والعربية في بلاد الإسلام ودياره، فالإسلام باق ما دام الشعب الجزائري باقياً واللغة العربية والإسلام مفهومين متلازمين لا يمكن فصل أحد عن الآخر. والعربية هي اللغة الرسمية للدولة وهي قاعدة ملزمة لكل مؤسسات الدولة من دون استثناء". 

جدل المقاطعة

على جبهة المقاطعة، يقود ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي حملات "افتراضية" لحث الجزائريين على مقاطعة المنتجات الفرنسية، وكذا للضغط على السلطات لدفعها إلى اتخاذ موقف رسمي من تصريحات الرئيس الفرنسي.

وتثير دعوات المقاطعة جدلاً واسعاً بين الجزائريين، وانقساماً حاداً بين من يربطها بـ"حماسة اللحظة"، لكونها "لن تتخطى" المجال الافتراضي، وذلك "لاستحالة" قطع العلاقات الاقتصادية مع فرنسا، وبين من يقول إنها ناجعة وستُؤثر بطريقة أو بأخرى في النمط الاستهلاكي مستقبلاً.

وتربط الجزائر علاقات تجارية "قوية" بفرنسا، بحجم تبادل بلغ نحو 10.209 مليارات دولار في 2019، شكلت منها صادرات فرنسا إلى الجزائر 5.513 مليارات دولار، مقابل واردات بقيمة 4.696 مليارات دولار.
 

وبرغم أنّ ثقافة المقاطعة جديدة وسلوكيات غير ممارسة بقوة في الجزائر، كما يقول رئيس الجمعية الجزائرية لحماية المستهلكين في الجزائر مصطفى زبدي، إلا أنّ تصريحات الرئيس الفرنسي حول الإسلام والرسول أدت إلى مقاطعة آنية من جانب بعض الأفراد.

 ويفيد زبدي "النهار العربي" بأن "المظمة تُحاول منذ مدة ترسيخ ثقافة المقاطعة وجعلها سلاحاً للدفاع عن المصالح المعنوية والمادية للمواطن، في ما يتعلق بزيارة الأسعار والاختلالات الحاصلة في السوق، فما بالك عندما يرتبط الأمر بأحسن خلق الله تعالى".

ويقول: "تلقينا الآلاف من الاتصالات والرسائل من أجل تنظيم المقاطعة، إلا أننا أطلقنا مبادرة تتمثل في دعوة المؤسسات الفرنسية التي لها علامة في الجزائر لتقديم تبريكات وتهنئة للشعب في مناسبة المولد النبوي الشريف".

ويلفت زبدي الى أن هذه المؤسسات يعمل فيها عمال جزائريون وفيها مصالح جزائرية، وبالتالي فإن هذه الخطوة، قد يكون لها الأثر الملموس في نفسية المسلمين الجزائريين، أمام "التذمر" العارم من تصريحات الرئيس الفرنسي، ويضيف: "هناك شركات تجاوبت معنا وأعطتنا ضمانات بأنها ليست ضد المعتقدات".

 

الحُكم سابق لأوانه
 
في المقابل، يعتقد الدكتور عمر هارون، أستاذ الاقتصاد في جامعة المدية في الجزائر، أنّ إصدار الخارجية الفرنسية بياناً تنديدياً بحملات المقاطعة التي تطالها، دليل على تأثر الاقتصاد الفرنسي.

 ويقول لـ"النهار العربي": "علينا أن لا نُغفل أنّ معظم المؤسسات الفرنسية مدرجة في البورصة، وحتى لو كانت حملات المقاطعة إعلامية فإنها ستُؤثر في الأسهم في الأسواق العالمية، وحتى في تغيير السلع بأخرى، فالمعروف اقتصادياً أنّه، اذا قام المستهلك بتغيير سلعة بأخرى فإن المسألة لن تكون ظرفية بل طويلة الأمد".

ويرى هارون أن من السابق للأوان الحكم على حملات المقاطعة، في ظل غياب إحصائيات دقيقة تقدمها الشركات الفرنسية في الجزائر، كما لا يمكن القول إن الحملات فاشلة أو ناجحة لأن المسألة لا تزال في بدايتها، برغم وجود بوادر لعملية يمكن أن تستمر لمدة طويلة.

ويذكر أنّ "القضية مُتعلقة بمقدس من مقدسات المسلمين، بالتالي فإن القضية نفسية وعميقة جداً ويُمكن أن تكون الحملة طويلة الأمد، بحكم أنّ الجانب الديني، سواء في الشرق الأوسط أم في شمال أفريقيا، هو المتحكم الأساسي في السلوك الاستهلاكي، واذا كانت دعوة دينية إلى عدم استهلاك المنتجات الفرنسية، فإن ذلك سيؤثر أكثر على الاقتصاد الفرنسي لا محالة".

ويؤكد هارون أنّ المأزق الذي وقعت فيه فرنسا، يكمن في صعوبة تدخل الحكومات في الحملات الشعبية، لأن ذلك سيؤثر في صورتها، موضحاً أن "الخطأ يجب أن يُصححه الفرنسيون، لأن هناك خلطاً في مفهوم الحرية لديهم". كما أبرز أن "ما يقوم به المسلمون، هو إثبات موقف سلمي وحضاري عمّا بدر من أعلى سلطة في فرنسا وهي الرئيس إيمانويل ماكرون".

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم