إعلان

في الجزائر: السلطة أضاعت الفرص والحراك يعود بقوة للتغيير

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
A+ A-
يعتقد محمد هناد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر، أن "شعور الناس بمناورات النظام القائم بهدف البقاء" وراء عودة الحراك ونزول الجزائريين إلى الشوارع للاحتجاج مجدداً، لافتاً في حوار مع "النهار العربي" إلى أن "السلطة أضاعت فرصاً عدة متاحة أمامها للخروج من الأزمة التي تمر بها البلاد"، وقال: "الحل يبدأ بالمبادرة إلى إطلاق نقاش وطني جاد على المستويين الشعبي والرسمي بين السلطة والمعارضة ينتهي إلى تدابير ملزمة للطرفين على قدم المساواة".
 
* بعد قرابة عام من تعليق المسيرات، عاد الجزائريون إلى الشارع للاحتجاج. هل نحن أمام نسخة ثانية من الحراك؟
 
- أعتقد أن استئناف النشاط بعد تعليقه بسبب كوفيد-19 هو الدافع وليس نُسخة ثانية. جاء استئناف النشاط هذا بعد تراجع انتشار الوباء، لكن أيضاً خصوصاً بسبب حدة الإحساس بمناورات النظام القائم بغرض البقاء. ولا أدل على ذلك من تعامل هذا النظام مع الحراك من أجل القضاء عليه بافتعال تمييز بين ما يُسميه "الحراك المبارك الأصيل" الذي تروِّج له وسائل الإعلام الوطنية، أي ذلك الذي بفضله تمكّنت جماعة من طرد جماعة أخرى لتحل محلها في إطار النظام نفسه، والحراك الآخر الشعبي الذي تتهمه هذه الجماعة بالخيانة.
 
 
* يرى البعض أنّ الحراك لم يُحقق نتائج وأنه وقع فريسة للصراعات الإيديولوجية والتخوين، ما رأيكم في هذا القول؟
 
- مِثل هذا الكلام قد يكُون إما من باب التشاؤم أو مُحاولة لإفشال الحراك. بالعكس، لقد حقق الحراك مكاسب آجلة كثيرة تمثلت أولاً بحرمان الرئيس المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة، من ولاية خامسة وطرد عصابات العبث بالمجتمع وكسر الخوف من نظام الحكم بفرض المسيرات تعبيراً عن رفض الفساد وسيطرة الجنرالات على مقاليد الدولة. ومع ذلك، فإن أهم ما ينشده الحراك هو مكاسب آجلة يقعُ تحقيقها تدريجياً في اتجاه إقامة دولة الحق والقانون والحريات، الفردية والجماعية، حتى وإنْ اضطرت البلاد إلى المرور بفترة صعبة نتيجة عناد السلطة. لقد تبدّلت الأحوال ولا شيء بقي كما كان!
 
أما القول إن الحراك "وقع فريسة للصراعات الإيديولوجية والتخوين"، فهو غير صحيح تماماً. بالعكس، لقد أثبت الحراك من خلال شعاراته وامتداده في الزمان والمكان أن دوافعه، ليست إيديولوجية ولا ثقافية. إنه حركة أفقية تشمل مختلف أطياف المجتمع هدفها إرساء أرضية مشتركة يسهل لنا العيش فيها كجماعة وطنية تربطها وحدة المصير. لقد لاحظنا حرص الحراك، منذ البداية، على المحافظة على ما يجمع مختلف التيارات والانتماءات من أجل إرساء ممارسة سياسية حاضنة، تختلف عن كل ما عهدناه من قبل. أما التخوين، فهو من فعل "الذباب الإلكتروني" أو النفوس الضعيفة.
 
 
* بعدما كانت فكرة تنظيم الحراك مرفوضة إطلاقاً، نسمع اليوم دعوات لتعيين ممثلين عنه. ما هي قراءتكم لهذه المطلب وهل هو ضروري ولماذا؟
 
- هذه الفكرة تُشكل خَطراً كَبيراً على الحراك، بل إنها أقصر طريق للقضاء عليه من خلال إثارة الشقاق في صفوفه بسبب سوسة الزعامة. الحراك لا هو حزب يريد الوصول إلى السلطة ولا هو نقابة تناضل من أجل تحقيق مكاسب لأعضائها. يجب أن نفهمه على أساس أنه "إرادة عامة" - بمفهوم نظرية العقد الاجتماعي - تسعى لإرساء قواعد لممارسة سياسية عصرية في بلادنا. ما نتمناه هو أن تفرز تجربة الحراك قوىً سياسية جديدة تتمثَّله من دون أن تمثِّله لأن كل تمثيل له سيؤدي، كما ذكرت، إلى القضاء عليه بسبب التنازع على تمثيله.
 
 
* أثارت قرارات الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون حول حل المجلس الشعبي الوطني وتنظيم انتخابات مسبقة، من دون تحديد تاريخ معين، جدلاً واسعاً. لماذا برأيك؟
 
- أكاد أقول إن هذا القرار هو ليس حدثاً وقد جاء متأخراً! كان من المفروض أن يتخذه الرئيس عبدالمجيد تبّون مباشرة بعد اعتلائه سدة الرئاسة لا سيما بالنظر إلى تلك الظروف التي تم فيها انتخابه بحسب خريطة طريق وضعتها القيادة العليا للقوات المسلحة رغم أنف الحراك. لا بد من التذكير أن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات كانت ضئيلة، علماً أن البلاد كانت تمر بأزمة سياسية حَادة. أضف إلى ذلك أن هُناك ولايات لم تنتخب أصلاً؛ الأمر الذي يجّعل مشروعية الرئيس الحالي منقوصة، على الأقل بالنسبة إلى هذه الولايات.
 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لماذا لم يُقدِم رئيس الدولة على حل البرلمان بغرفتيه على أساس أن مجلس الأمة هو أيضاً جاء نتيجة التزوير، مثله مثل المجلس الشعبي الوطني؟ ثم أن مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان) هذا هو في حالة سبات ويرأسه رجل مُتشبث بالمنصب رُغم تقدمه في السن. أضف إلى ذلك أن تشكيلة هذا المجلس ذاتها مرهونة بالانتخابات التشريعية والمحلية؟
 
على أية حال، الدعوة إلى تنظيم انتخابات تشريعية مُسبقة أمر لا يسرّ إلا الأحزاب كي تظفر بمقاعد برلمانية وتضع حداً لاحتكار أحزاب التحالف الرئاسي القديم للمجلس الشعبي الوطني في طبعته الحالية. وفوق هذا وذاك، أليس من حقنا أن نتساءل، هل الانتخابات الرئاسية أدت إلى انفراج الأزمة السياسية أم إلى تفاقمها؟
 
* هل تعتقدون أن الأزمة السياسة في الجزائر تعقدت أكثر؟ ما هي الحلول للخروج من عنق الزجاجة، في ظل أزمة مالية خانقة؟
 
- على المدى القصير، تبدو الأمور في بلادنا مُتجهة نحو احتدام الأزمة بسبب عِناد السلطة الحالية ورفضها التفاوض بشأن مصير البلاد لأنها تُدرك أن هذا التفاوض لن يكون في صالحها بوصفها سلطة لا تتمتع لا بالشرعية ولا بحسن الأداء. أما في ما يخص الحل للخروج من هذا المأزق الذي يرهن مصير الأمة، فلا يمكن إلا أن يبدأ بفتح المجال لنقاش وطني جاد على المستويين الشعبي والرسمي بين السلطة والمعارضة ينتهي إلى تدابير ملزمة للطرفين على قدم المساواة. هذا النقاش يجب أن يجري عبر كل وسائل الإعلام الوطنية من دون إقصاء بعدما صارت هذه الوسائل مجرد أبواق دعاية وقحة للسلطة القائمة. لذلك، يبقى من الضرورة بمكان مواصلة الحراك واشتداده من خلال التفكير في أساليب جديدة، دائماً سلمية، من أجل فرض التغيير الذي لا بد منه طبعاً، مع وجوب الأخذ بعين الاعتبار تطور الوضع الصحي المتصل بكوفيد-19.
 
في هذا السياق، لا بد من التذكير بإضاعة السلطة لعدد من الفرص برفضها كل مسعى لا يقع في إطارها مثل تلك المساعي القوية التي قامت بها أطراف، السنة الماضية، من ضمنها "فعاليات المجتمع المدني"، "فعاليات قوى التغيير لأجل نصرة خيار الشعب"، "قوى البديل الديموقراطي" وعدد من الشخصيات الوطنية. لذلك، يجب أن يركز الحراك، بعد استئناف نشاطه، على فرض قوى التغيير على نظام الحكم للتفاوض معها بخصوص ما يلزم القيام به عوض تعيين ممثلين له في النظام فيودي بنفسه إلى التهلكة. ليس بسبب التنازع حول هذا التمثيل بل أيضاً بسبب تلك العناصر المندسة في الحراك التي تظل تنتظر هذه الفرصة بغرض تحويل سياقه نحو ما يخدم مصلحة السلطة أو قوى أخرى.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم