إعلان

المغرب يطارد نموذجاً جديداً للتنمية

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
الرباط
الرباط
A+ A-
قبل سنوات أنجز باحثون وخبراء مغاربة حصيلة شاملة لخمسين سنة من الاستقلال، وقد تُوّج هذا العمل المهم بما سُمّي بتقرير الخمسينية، وتم إعداد ملخص له تحت عنوان "المغرب الممكن". لم يكن العنوان من صنف هذا أقصى ما أمكننا أن نصل إليه، بل للقول بأن مغرباً آخر ممكن.

 

هذا التقرير أريد له أن يكون خريطة طريق للبلاد، والبعض وظفه كسردية بنفس أيديولوجي يعبّر عن طموح الدولة الجديدة بعد انتقال الملك، ولأن التقرير كان يتحدث عن الماضي، فقد كان منسوب الجرأة والاحتفاء به كبيراً، لكن مع توالي السنوات، توارى التقرير، وما عاد أحد يتحدث عنه، ببساطة لأننا خلال العشرين سنة الأخيرة أعدنا إنتاج كثير مما جاء انتقاده في تقرير الخمسينية، وهذا أحد الأعطاب التي أفقدت المغرب وعدداً كبيراً من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القدرة على تحقيق تراكمات إصلاحية مهمة في السياسة والاقتصاد.

لكن ولأنه لا يمكن تصور انتظار مرور مئة سنة على الاستقلال لننجز تقريراً جديداً عن وضعية البلاد الحقيقية، فإن البنك الدولي سنة 2017 قام بالواجب وأنجز تقريراً مهماً تحت عنوان "المغرب في أفق 2040، الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي"، قام فيه بتشريح دقيق لكل ما تعرفه البلاد من اختلالات على واجهات مختلفة، وممّا أكد عليه التقرير قوله "إن السلوكيات التي تعوق المنافسة المشروعة والانفتاح الاقتصادي للبلاد عبر حماية المصالح الخاصة والإبقاء على أنظمة الامتياز والريع، غالباً ما تترسخ في التاريخ والثقافة وعقلية الفاعلين"، وزاد التقرير في التأكيد على أن الأشخاص الذين يوجدون داخل النظام ويستفيدون من الحمايات التي يخوّلها، لا يستغربون أن الكثير من الناس محرومون منها. أما على مستوى تنظيم الدولة، فيؤكد التقرير أن "الحكومات المركزية تميل إلى مقاومة عملية اللامركزية، وبالتالي تعوق البروز الفعلي للسلطات المحلية واللامركزية التي تكون أكثر استعداداً للإصغاء للساكنة. بل إن الحكومة المركزية بذاتها يمكن أن تتعرض إلى "الاختطاف" من قبل ذوي المصالح الخاصة المنظمة جيداً والقادرة على التأثير على القواعد أو على تطبيقها لمصلحتها، وعلى حساب المصلحة العامة".
 
ويقدم التقرير نموذجاً للقطاعات الأكثر عرضة لهذه السلوكيات، وهي قطاعا التعليم والصحة... حيث على المدى الطويل، تميل "مختلف جماعات المصالح إلى تعزيز نفوذها، وثقلها السياسي وقدرتها على الاستحواذ على الثروة لمصلحتها الخاصة"، ويخلص التقرير، إلى أن "ذلك مما يهدد فرص تحقيق توازن أهم وأكثر إدماجاً. وهكذا، تعتبر الإمكانيات الاقتصادية الضخمة متوافرة لكن لا يمكن تحقيقها"، فبرغم الإنجازات الكبيرة والتحولات التي عرفها المغرب في العقدين الأخيرين، فإن ذلك لم يخلُ من ملاحظات ومآخذ، أبرزها ضعف الأثر الاجتماعي للنمو بالقياس إلى التكلفة، مما أصبح معه من اللازم إعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية والتنموية للمملكة. 

قبل أربع سنوات، دعت الحكومة المغربية إلى تنظيم ملتقى دولي بالمغرب حول موضوع: "النموذج التنموي المغربي للدخول النهائي ضمن الدول الصاعدة"، وذلك بعد سنتين على خطاب العرش للعاهل المغربي محمد السادس لسنة 2014 الذي قال فيه: "إننا نعتقد أن النموذج التنموي المغربي، قد بلغ درجة من النضج، تؤهلنا لاعتماد معايير متقدمة وأكثر دقة، لتحديد جدوى السياسات العمومية، والوقوف على درجة تأثيرها الملموس على حياة المواطنين". وفي تشرين الأول/أكتوبر 2017 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية سيتحدث العاهل عن خلاصة قوية ومباشرة مفادها: "أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم، غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

 

وأعقب العاهل ذلك بدعوة الجميع إلى العمل على بناء تصور تنموي جديد، حيث أحدثت لجنة استشارية ملكية، مهمتها صياغة النموذج التنموي الجديد، وقد قدمت أغلبية الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والهيئات المهنية وفعاليات من المجتمع المدني تصوراتها في شكل مذكرات، كما أجرت اللجنة لقاءات مباشرة مع مختلف الفاعلين وممثلين عن المواطنين في المغرب العميق، وبينما كان منتظراً أن تقدم اللجنة عصارة مقترحاتها في حزيران (يونيو) الماضي، عمد العاهل المغربي إلى تمديد عملها إلى نهاية السنة الجارية، وذلك لمنح اللجنة وقتاً كافياً، خصوصاً في ظل جائحة كورونا وما فرضته من ضرورة إعادة النظر في السياسات العمومية التي تم اعتمادها لعقود على مستوى القطاعات الاجتماعية. 

الحديث عن نموذج تنموي جديد، ليس حديث اليوم، بل هو موضوع مطالب اجتماعية وسياسية وخلاصات أبحاث علمية وفكرية عديدة، أثبتت اختلال الاختيارات التنموية بالمغرب على مدى عقود، وهي اختلالات لا تخص المغرب فقط، بل مثلت السمة الغالبة على الدول النامية التي وقعت تحت هيمنة الخطاب النيوليبرالي الذي قاده الثنائي تاتشر وريغن بداية الثمانينات من القرن الماضي، إذ كانت تلك الدول، تطبق عملياً عصارة ذلك الخطاب ممثلاً في مخرجات "توافق واشنطن" لبداية تسعينات القرن الماضي، والذي تم تقديمه من الدوائر المالية الدولية، وكأنه "إكسير الحياة" بالنسبة للاقتصادات الخارجة من نموذج الاقتصاد المعتمد على التخطيط وعلى أدوار مركزية للدولة.

لم يكن "توافق واشنطن"، والعبارة للاقتصادي الأميركي جون ويليامسون، عنواناً للانتصار السياسي للغرب بعد انهيار جدار برلين فقط، بل تحول إلى أداة إجرائية لتثبيت هذا الانتصار، وللتأكيد على نهاية التاريخ بانتصار الاختيار الرأسمالي في أحد أوجهه الأكثر التباساً، فأصبح "توافق واشنطن" عبارة عن نظرية اقتصادية ووصفة متكاملة للنجاح بالنسبة للدول التي راهنت، سواء بصورة اختيارية أو تحت الضغط، على أن تنفيذ بنود ذلك التوافق، سيفتح لاقتصاداتها آفاقاً جديدة، وأنه يمكنها أن تستفيد من العولمة الصاعدة في تلك الفترة.

ركزت توصيات "توافق واشنطن" على الصرامة المطلقة في المالية العامة، وإحداث تعديلات حول مسارات الإنفاق العمومي مع توسيع التكاليف الضريبية، وإعطاء مكانة مركزية للسوق وقواعده، سواء على مستوى أسعار السلع أو الفائدة أو تنافسية العملات المحلية، وتحرير التجارة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وما يلي ذلك من تخفف الدولة من عدد من القطاعات في إطار الخصخصة، وجملةً، التخلي عن منطق دولة الرعاية واعتماد الحد الأدنى من الدولة بخفض أدوارها الاجتماعية والاقتصادية، اعتماد هذه التوصيات والبنود، دفعت كثيراً من الدول إلى الدخول في أزمات متتالية بعد "نجاحات" على شكل فقاعات.. بل إن كثيراً منها دخلت منعطفات خطيرة، كما حدث في مصر وتونس، إبان الموجة الأولى للربيع العربي، في حين أن عدداً من الدول الصاعدة وعدداً من التجارب المتقدمة في آسيا، حققت نجاحاتها عبر نماذج تنموية مستقلة متحررة من توصيات المؤسسات المالية الدولية التي لا يخفى على الجميع أدوارها الأيديولوجية، ووقوعها تحت تأثير دوائر الرأسمالية العالمية وفي خدمتها... لهذا ليست هناك أسرار كثيرة بخصوص وصفات النجاح في تحقيق التنمية بمستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لقد أفرزت الدعوة إلى صياغة مشروع تنموي جديد للمغرب، نقاشاً وطنياً حول ماهية وحدود هذا النموذج، لكن كما يرى البعض، أن مثل هذا النقاش، وحتى يكون منتجاً ويمكن الرهان على نتائجه، فإنه يجب أن ينطلق من تقييم النموذج السابق، في منهجية وضعه وفرضياته وأهدافه ومراجعه... لكن الأهم من كل ذلك هو تمزيق "توافق واشنطن" والتركيز على الذات وعلى التعاون والشراكة المتوازنة بين القطاعين العام والخاص، وعلى دور أكثر فعالية للدولة، خصوصاً على مستوى تلبية الطلب الاجتماعي، وتوفير الحماية الاجتماعية الشاملة التي وضع لها العاهل المغربي في خطاب العرش الأخير سقف خمس سنوات لتحقيق هدف توفير الحماية الاجتماعية لجميع المغاربة من دون استثناء، وهي ورشة فُتحت منذ سنوات لكنها ظلت تراوح مكانها إلى اليوم. 

إن التحولات المتوقعة مع النموذج الجديد للتنمية في المغرب، تضع هدف وضع آليات مبتكرة للإقلاع الاقتصادي، ترتكز على التجارة الرقمية والتكنولوجيا ومساهمة المغرب في سلاسل القيمة على المستوى الدولي، مع السعي إلى استثمار جائحة كورونا لإعادة تموقع المغرب في هذا الإطار باستثمار قربه من شريكه الأساسي الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تدارك العجز في قطاعي الصحة والتربية وتثمين القطاع الزراعي بالشكل الذي يقدم قيمة مضافة مرتفعة.
 
ويرى كثير من المراقبين، أن هذه التحولات الاقتصادية بأثرها الاجتماعي لا يمكن ألا تنتج تحولاً سياسياً، فالتحولات الاقتصادية والتغييرات التي ستفرزها، ستساعد على بروز نخب اقتصادية/سياسية جديدة، فهل ينجح المغرب في ربح هذا الرهان وفي استعادة دولة الرعاية؟ وهل ينجح في جعل الاختيار الديمقراطي كثابت من الثوابت الدستورية سنداً ودعامة لعبور التحديات والاستقطابات الإقليمية والجهوية، وتكسير التوزيع التقليدي للعمل على المستوى الدولي؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم