إعلان

حراك الجزائر... من الشارع إلى تنظيم الصف سياسياً

المصدر: النهار العربي
الجزائر-إيمان عويمر
أيام الحراك في الجزائر
أيام الحراك في الجزائر
A+ A-
في خضمّ انشغال السلطة الجزائرية بالحملة الدعائية للاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور المقرّر في الأول تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، تُحاول فعاليات من الحراك الشعبي، وضع أساس لمبادرة عنوانها "نداء 22"، لمجابهة الخواء السياسي والتضييق المفروض على الأصوات المعارضة، نتيجة إحكام السلطة قبضتها منذ تفشي جائحة فيروس كورونا، كما يقول نشطاء.

وحتى تعليق مسيرات الحراك الشعبي في شهر آذار (مارس) الماضي، كان الحديث عن تنظيم صفوفه، أو تعيين جسم تمثيلي يتحدّث باسمه، فكرة مرفوضة لدى فئة واسعة من الجزائريين وقد لا تزال، إلا أنّ الوقائع والظروف السياسية فرضت تغيير المواقع والاستراتيجيات على ما يبدو، لتحقيق مكاسب جديدة ضمن مسار مطالب التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك بعد مرور نحو سنة من تسلّم الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد الحكم، عقب انتخابات رئاسية جرت في 12 كانون الثاني (ديسمبر) 2019.

وضمن هذا الإطار، أطلقت مجموعة من الفاعلين في الحراك الشعبي، تضم شخصيات سياسية شابة وأكاديمية وإعلامية ونشطاء من كل أنحاء الوطن وفي المهجر، ومن مختلف التيار ات السياسية والإيديولوجية، ووجوهاً تاريخية، مبادرة جديدة، تحمل اسم "نداء 22".

ويقول أصحاب المبادرة إن هدفهم يكمن في "الوصول إلى اتفاق سياسي وتوافقي داخل الحراك، لدعم ميزان القوى لمصلحة الشعب الجزائري"، بالإضافة إلى "تحقيق انتقال ديموقراطي سلس يضمن استمرارية الدولة، دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية".

والغاية من أطروحة أصحاب هذه الخطوة عشية الاستفتاء، هي "عدم ترك الساحة فارعة للسلطة للانفراد بقراراتها وفرض سياسة الأمر الواقع"، وهو ما سرى على "مشروع تعديل الدستور"، الذي أُعدّ سريعاً ومن دون نقاش سياسي ومجتمعي حول مدار مواده التي منحت صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، ولم تكرّس مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات.

وفي هذا المنحى، تقترح مبادرة "نداء 22" "فتح فضاء مستقلّ عن السّلطة للتّنسيق والتفكير والنقاش والتشاور داخل الحراك" وكذا "تشجيع التنسيق بين الحراكيين على المستوى المحلي والقطاعات، وتدعيم التعبئة الشعبية من خلال عودة المسيرات الشعبية حالما تسمح الظروف الصحية".

بالإضافة إلى ذلك، تدعو وثيقة المبادرة إلى "طرح خريطة طريق توافقية وجامعة، تترجم أهداف الثورة الشعبية وتطرح بديلاً لما تفرضه السلطة"، من خلال "المشاركة في تنظيم ندوات ونقاشات ومقابلات على المستوى الوطني، المحلي وفي المهجر، بإدماج كل فاعليات الحراك لإنضاج ملامح التوافق السياسي الضروري داخل الحراك"، وكذا "ندوة جامعة لنشطاء من الحراك، تضع آليات تنفيذ الاتفاق السياسي التوافقي".


 وحدّد أصحاب المبادرة، الأساليب الممكنة لتحقيق هذه الأهداف، وهي في رأيهم "التمسك بالمسيرات السلمية والعودة إليها حين تتوافر الظروف"، و"الحفاظ على سلمية الحراك وتقبل الاختلاف والتنوّع الفكري واللغوي"، و"رفض الاستقطاب الأيديولوجي" و"الإصرار على رفض أي تدخل أجنبي في شؤونهم الداخلية" و"رفض الابتزاز السياسي والاستغلال السيئ للعشرية السوداء".

ونصّ البيان أيضاً على ضرورة "احترام وضمان حقوق الإنسان في إطار دولة القانون، تضمنها سلطة قضائية مستقلة، والفصل والتوازن بين السلطات"، و"الحق في إعلام حر ونزيه برفع الضغوط والقيود الممارسة على وسائل الإعلام العمومية والخاصة".


تزمّت السلطة


ومن دواعي ولادة هذه المبادرة، بحسب معنيين بها، "تمسك السلطة بمرورها للفعل من دون شراكات سياسية مع الفاعلين السياسيين في الساحة والتزمّت التي أبدته من خلال انفرادها في إرساء قرارات سياسية، وبخاصة مواد مشروع الدستور"، إذ يذكّر المحامي والناشط الحقوقي عبد الرحمان صالح، بأنّ ميلاد "نداء 22" هو "نتيجة لتشبث السلطة بمنطقها ورؤيتها لحل الأزمة السياسية التي أوصلنا إليها النظام". ويشرح في تصريح الى "النهار العربي": "كما كان متوقعاً، أدّى هذا المنطق وهذا التسيير إلى نتائج حتمية متمثلة في شلل الخدمات الأساسية كالمستشفيات ونقص السيولة، وعودة قوية لظاهرة الهجرة السرية وتفشي الفقر..، ما عمّق أزمة الثّقة بين شعب صامد وسلطة تلجأ الى نظرية المؤامرة لتبرير إخفاقاتها".

وما هي الإضافة التي ستقدمها المبادرة ميدانيا؟ يجيب: "تريد خلق فضاء تشاوري تشاركي داخل الحراك، يهدف الى طرح خريطة طريق توافقية وجامعة تترجم أهداف ثورة 22 شباط (فبراير) وتطرح بديلاً لما تقدمه وتفرضه السلطة، وكذا تشجيع التنسيق بين الحراكيين على المستوى المحلي وتدعيم التعبئة الشعبية من خلال عودة المسيرات حالما تسمح الظروف الصحية بذلك".

تعطش لجمع الكلمة

في المقابل، يقول الناشط السياسي هشام مطروح، إن مبادرات تنظيم الصفوف كانت دائماً قائمة "وحاولنا قبل كورونا عقد مؤتمر جامع لمختلف فعاليات الحراك، لكن السلطة عرقلت المسعى، ولم ترخّص لنا بالاجتماع في قاعة حرشة حسان في الجزائر العاصمة". ويذكر بأن "أهمية التنسيق والتشاور لم تغب عن أذهان فئة عريضة من الحراك. مع صعوبة تجسيد ذلك في أجواء من التضييق والترهيب".
 
وإذا ما كانت المبادرة ستجد الصدى ومدى نجاعتها ميدانياً؟ يقول مطروح لـ"النهار  العربي": "القاعدة العريضة للحراك متعطشة إلى مبادرة لجمع الكلمة وتوجيه المسيرة وتحديد الأهداف وفرض مسار تفاوضي مثمر. ونجاح المبادرة مرتبط بمدى استعداد السلطة لحوار سياسي حقيقي".

ويرتبط نجاح المبادرة وفق مطروح "بمدى استعداد الرموز المعروفة لتشكيل نواة صلبة تلتف حولها الجماهير، على اختلاف توجهاتهم السياسية، بالتوافق على المبادئ الجامعة".

الثّابت أن هذه المبادرة السياسية لم تنضج بعد، بحسب تصريحات الفاعلين فيها، لأنّها تأتي في الوقت الذي تشهد فيه الساحة السياسية حالة من الاستقطاب بين السلطة التي تروِّج لخطاب إرساء معالم "الجزائر الجديدة"، ومُعارضة تشكّك في حقيقة هذا الخطاب وتذهب للتأكيد أنه "مجرد وهم كشفته الممارسات المستنسخة من النظام القديم وأنّ الدستور الجديد يؤسس للحكم الفردي من منطلق أنه لم يقلص صلاحيات الرئيس كما لم يحدد طبيعة النظام السياسي في البلاد".

وتتباين مواقف التيارات السياسية من مشروع تعديل الدستور، فقد اعتبر الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" (الحاكم سابقاً)، أبو الفضل بعجي، أنّ مشروع التعديل الدستوري "يُمثل نقلة نوعية لمصلحة ولادة جمهورية جديدة يسودها العدل والقانون والتوزيع العادل لثروات البلاد". فيما اشتكى رئيس حركة "مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري من منع حركته السياسية من تنشيط تجمعات انتخابية رافضة للدستور في العديد من الولايات، معتبراً التضييق سابقة في تاريخ الجزائر منذ التعددية.
 
ونبّهت الحركة من أن "مثل هذه التصرفات من شأنها كسر مكتسبات الحراك الشعبي، وعلى رأسها عودة المواطنين للاهتمام بالشأن السياسي، ما يدفع إلى اليأس من جديد والاحتقان وتفتيت الجبهة الداخلية الوطنية".

وفي الوقت الذي تُسابق فيه السلطة لإقناع الشارع الجزائري بضرورة التصويت بـ"نعم" على مشروع تعديل الدستور، ثارت زوبعة شعبيّة مفاجئة فجّرها تصريح وزير الشّباب والرّياضة سيد علي خالدي، حين قال في أحد التجمعات مخاطباً الرافضين لتعديل الدستور إنّه تم دسترة "بيان أوّل نوفمبر" لأوّل مرّة في تاريخ الجزائر المستقلّة، "واللّي ما عجبوش الحال يخرج من البلاد". ويقول متابعون للشأن السياسي، إنّ تصريحات الوزير من شأنها توسيع كتلة الرافضين لمشروع تعديل الدستور، برغم اعتذاره للشعب الجزائري وقوله إنه لم يقصد المعارضين للوثيقة الدستورية بل المنزعجين من دسترة "بيان أول نوفمبر"، في وقت يطالب نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بإقالته من الحكومة. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم